آخر الأخبار

البيطار: الذكاء الاصطناعي كشف بين المحامي الحقيقي ومن يحفظ النصوص

شارك

عمون - أوضح المحامي أسامة موسى البيطار، الأسباب التي تجعل مهنة المحاماة لا تلغى بسبب وجود الذكاء الاصطناعي.

وقال البيطار في مقال له، عبر عمون، إنّ في كل عصر، كانت هناك مهنة تقف في قلب التحولات الكبرى ؛وفي عصر الدولة الحديثة، لم يكن هذا الدور من نصيب السياسي فقط، ولا العسكري فقط، ولا رجل المال فقط…بل كان — وما يزال — للمحامي.

وبين أنّ ذلك ليس لأنه الأعلى صوتاً…بل لأنه يتحرك في أخطر منطقة في الدولة الحديثة، منطقة الغموض و الحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها أن الدولة الحديثة تُدار بالمحامين أكثر مما يُظن.

ولكنه في الوقت فقد استطاع الذكاء الاصطناعي أن يكشف الفرق بين من يحفظ النصوص، ومن يفهم الحياة.

وتاليًا نص المقال الذي عنونه بـ"المحامي… الذي لم يُلغِه الذكاء الاصطناعي"….


في كل عصر، كانت هناك مهنة تقف في قلب التحولات الكبرى ؛وفي عصر الدولة الحديثة، لم يكن هذا الدور من نصيب السياسي فقط، ولا العسكري فقط، ولا رجل المال فقط…بل كان — وما يزال — للمحامي.

ليس من قبيل المصادفة أن يكون كثير من الرجال الذين أعادوا تشكيل التاريخ محامين في الأصل.

مهاتما غاندي كان محامياً قبل أن يقود الهند نحو الاستقلال.
ونلسون مانديلا كان محامياً قبل أن يصبح رمزاً عالمياً للحرية.
وأبراهام لينكون بدأ حياته المهنية محامياً قبل أن يقود الولايات المتحدة في أكثر مراحلها دموية.
وكذلك باراك أوباما، ومحمد علي جناح، وفيدل كاسترو، وحتى فلاديمير لينين.

أما في العالم العربي، فقد كان عبد الرزاق السنهوري واحداً من العقول التي أعادت صياغة البنية القانونية للعالم العربي كله تقريباً، بينما يصعب في الأردن قراءة الحياة السياسية الحديثة دون التوقف عند شخصيات قانونية وإدارية مثل أحمد عبيدات، الذي لم يكن مجرد رئيس حكومة سابق، بل نموذجاً للشخصية التي فهمت الدولة عبر المؤسسة والقانون والإدارة، لا عبر الخطابة وحدها.

وهذا ليس تفصيلاً لأن المحاماة في حقيقتها، ليست مهنة مرافعة فقط…
بل مهنة فهم القوة نفسها كيف تُبنى وكيف تُقيَّد وكيف تتحول الكلمة إلى سلطة. في الماضي، كان الناس يخافون من السيف أما اليوم، فهم يخافون من التوقيع والبند المخفي والمهلة والرسالة الإلكترونية والخطأ الإجرائي الصغير الذي قد يدمر حياة كاملة ولهذا تغيّرت طبيعة القوة.لم تعد القوة فقط فيمن يملك المال أو السلاح بل فيمن يفهم كيف تتحرك النصوص داخل المؤسسات ، فقد تنهار شركة بمليارات بسبب جملة سيئة الصياغة،وقد يسقط قرار إداري كامل بسبب خلل إجرائي،
وقد يتحول منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إلى ملف جزائي،وقد تخسر دولة تحكيماً دولياً لأنها لم تنتبه إلى بند صغير في اتفاقية كبرى.
وهنا تحديداً يظهر المحامي بوصفه الرقم الصعب.

ليس لأنه الأعلى صوتاً…بل لأنه يتحرك في أخطر منطقة في الدولة الحديثة:
منطقة الغموض و الحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها أن الدولة الحديثة تُدار بالمحامين أكثر مما يُظن.

فالمحامي حاضر في الشركات،والبنوك، والاستثمارات، والتحكيم، والإعلام، والانتخابات، والطاقة، والتكنولوجيا، وحتى في الحروب.
بل إن الحروب الحديثة نفسها لم تعد تبدأ بالسلاح فقط، بل بالمذكرات القانونية، والتكييفات، ومفهوم “الدفاع الشرعي”، والعقوبات، والشرعية الدولية.
أي أن العالم كله يتحرك اليوم داخل لغة قانونية ضخمة…
والمحامي هو أحد القلائل القادرين فعلاً على فهمها.

لكن المفارقة الكبرى ظهرت مع الذكاء الاصطناعي. فمع دخول الـ AI إلى كل تفاصيل الحياة، اعتقد كثيرون أن المحامي سيكون من أول ضحايا الثورة التقنية، فالآلة اليوم تستطيع كتابة العقود وتحليل السوابق، والبحث في آلاف الأحكام خلال ثوانٍ، بل وحتى اقتراح دفوع قانونية كاملة.
لكن ما حدث فعلاً كان العكس تماماً.

فالذكاء الاصطناعي لم يُلغِ المحامي الحقيقي بل كشف الفرق بين من يحفظ النصوص، ومن يفهم الحياة.

فالآلة تستطيع قراءة القانون…
لكنها لا تستطيع قراءة القاضي، ولا الخوف ولا التوازنات السياسية،ًولا المصالح، ولا النفس البشرية عندما تدخل في نزاع.
الآلة تستطيع أن تكتب مرافعة…
لكنها لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية الكلمة ولهذا فإن المستقبل لن يُلغي المحامي…بل سيُلغي المحامي الذي يعتقد أن مهنته مجرد نسخ لوائح، أو حفظ مواد أو تكرار اجتهادات.

أما المحامي الذي يفهم الاقتصاد، والتكنولوجيا والسياسة، وعلم النفس، وإدارة المخاطر، ويعرف كيف يحول المعرفة إلى تأثير…
فسيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.

لكن خطورة المهنة تبدأ أيضاً من هنا.

لأن المحامي قد يصبح حارساً للعدالة،
أو تاجراً للخوف.

فالقانون بلا أخلاق لا يصنع عدالة…
بل يصنع نظاماً بارداً يتقن الظلم.
ولهذا فإن المحامي الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد القضايا التي ربحها…

بل بعدد الأزمات التي منعها،والحقوق التي حماها، والتوازنات التي حافظ عليها، والناس الذين أعاد إليهم الطمأنينة عندما شعروا أن كل شيء ينهار حولهم.
وفي الأردن اليوم، تبدو هذه الحقيقة واضحة فنحن نعيش زمناً تتعقد فيه العلاقات الاقتصادية، وتتوسع فيه التكنولوجيا،وتتغير فيه طبيعة النزاعات بسرعة غير مسبوقة ولم يعد الجهل بالقانون مجرد نقص في الثقافة…

بل أصبح خطراً مباشراً على المال والحرية، والسمعة وحتى الوجود المهني نفسه.ولهذا سيبقى المحامي الرقم الصعب.
لأن العالم كلما ازداد تعقيداً…
ازدادت الحاجة إلى من يفهم كيف تُدار السلطة الحديثة بالكلمات، لا بالقوة فقط.
أن المحاماة،ليست مهنة تُمارَس… وانما تعيد تشكيل المجتمع في الوقت ذاته لذلك وصفت انها رسالة اكثر من كونها مهنة …





عمون المصدر: عمون
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا