سرايا - في خطوة تعكس نقاشًا واسعًا حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدّل، قدّم مدير عام سابق لمؤسسة الضمان الاجتماعي حزمة ملاحظات إطارية شاملة للجنة العمل النيابية، بعد دعوة رسمية للمشاركة في جلسة حوارية حول التعديلات المقترحة. وأشار إلى أن هذه اللقاءات، رغم أهميتها، تميل عمليًا إلى "الاستماع" أكثر من كونها حوارًا تفاعليًا، ما دفعه لتقديم ملاحظاته مكتوبة قبل الاجتماع لضمان دقة الطرح وتوثيق الأفكار.
وتناول النص المقدم خلفية الإصلاحات التي شهدها قانون الضمان الاجتماعي خلال السنوات الماضية، بدءًا من تعديلات عام 2010 التي تضمنت استحداث تأمين الأمومة والتعطل، مرورًا بقانون 2014 والتعديلات اللاحقة في 2019، وصولًا إلى الحوار الوطني الذي أُجري عام 2022 والذي انتهى بحزمة إصلاحات لم تُقر في حينها رغم أهميتها في تعزيز الاستدامة المالية للنظام.
كما قدّم الرحاحلة مجموعة توصيات محورية شملت إعادة النظر في سن التقاعد وربطه بالاشتراكات، ورفع نسب الاشتراك تدريجيًا، وتعديل آلية احتساب الأجر المرجعي ليعتمد على كامل سنوات الخدمة بدلًا من السنوات الأخيرة، إضافة إلى دعوة لتطوير منظومة الحوكمة بما يحقق توازنًا أكبر في الصلاحيات ويعزز الرقابة والشفافية داخل المؤسسة.
النص كما ورد:
تواصل معي سعادة النائب المحترم اندريه حواري، مشكورا، ودعاني للمشاركة في جلسة حوارية تعقدها لجنة العمل النيابية لبحث مشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي، وذلك بحضور وزراء عمل سابقين ومدراء عامين سابقين للمؤسسة. وهي خطوة محل تقدير لما تعكسه من انفتاح على الآراء والخبرات.
وبعد اطلاعي على مقتطفات من جلسات سابقة، خلصت إلى أن هذه اللقاءات تبدو أقرب إلى جلسات "استماع" Public Hearing منها إلى "حوار" Public Dialogue، وعليه، ولغيرها من الاعتبارات، ارتأيت أن أزوّد اللجنة بملاحظات إطارية مكتوبة قبل موعد الاجتماع، باعتبارها أكثر فاعلية في استثمار وقت اللجنة، وأفضل توثيقا لما يطرح من أفكار ومقترحات. كما تم تزويد اللجنة بأبرز التعديلات التي تضمنها مشروع القانون المعدل في عام 2022.
وانطلاقا من ذلك، رأيت من المناسب مشاركة الملاحظات التي تم إرسالها إلى رئيس لجنة العمل النيابية وأعضائها المحترمين قبل انعقاد الجلية، وهذا ما تم بالفعل.
ملاحظات على مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي
سعادة رئيس لجنة العمل النيابية/ الاستاذ أندريه حواري المحترم
- بداية، لا بد من الإشادة بتوجه الحكومة وتدخلها لمعالجة جانب مهم من الاختلالات التي يعاني منها قانون الضمان الاجتماعي، وهي اختلالات هيكلية عانت منها غالبية أنظمة الضمان الاجتماعي حول العالم، وكانت أقل حدة وتأثيرا في الدول التي بادرت مبكرا بإجراء الإصلاحات اللازمة، مع مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية عند تصميمها.
- كما تعلمون، سبق لمؤسسة الضمان الاجتماعي أن اتخذت خطوات عملية لمعالجة بعض الاختلالات الكامنة في قانونها، كان أبرزها وأوسعها نطاقا الإصلاحات التي تضمنها القانون المؤقت لعام 2010، والذي شهد أيضا استحداث تأمينين مهمين هما تأمين الأمومة وتأمين التعطل، اللذان أصبحا يؤديان دورا مهما على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
- وفي عام 2014، تم إقرار قانون جديد للضمان الاجتماعي ليحل محل القانون المؤقت لعام 2010، إلا أنه تضمن ترتيبات قانونية وتنظيمية حدّت بشكل ملحوظ من نطاق الإصلاحات التي جاء بها القانون المؤقت.
- وفي عام 2019، أُجريت تعديلات على القانون، تمثلت أبرزها في رفع الحد الأدنى لسن التقاعد المبكر ليصبح 55 عامًا للذكور بمعامل خصم (22%)، و52 عاما للإناث بمعامل خصم (25%)، وذلك للمشتركين الجدد اعتبارا من تشرين الثاني 2019، بهدف تحسين المركز المالي للنظام.
- وفي ضوء نتائج الدراسة الاكتوارية العاشرة، التي أشارت إلى نقاط تعادل أبعد من تلك التي خلصت إليها الدراسة الحادية عشرة، تم إطلاق حوار وطني شامل حول التعديلات المقترحة على القانون، استمر قرابة عام، وأسفر عن حزمة إصلاحات شاملة أقرها مجلس الإدارة ورفعها إلى مجلس الوزراء، الذي ارتأى حينها عدم المضي بها لعدم وجود حاجة ملحّة آنذاك. ولو تم إقرار تلك التعديلات في حينه، لما كنا اليوم بحاجة إلى هذه الجولة الجديدة من الإصلاحات.
- قد استندت التعديلات المقترحة في عام 2022 إلى عدد من الاعتبارات الأساسية، من أبرزها معالجة الاختلالات المتعلقة بالتقاعد المبكر وأنماط نمو الأجور قبل التقاعد، لما لها من تأثير مباشر على ديمومة النظام التأميني، إضافة إلى رفع سن التقاعد بشكل تدريجي، ومعالجة بعض الجوانب القانونية المرتبطة بالحماية التأمينية، مثل إعادة توزيع الرواتب التقاعدية والحد الأدنى للرواتب.
وترتيبا على ما سبق، أقدم فيما يلي عددا من الملاحظات الإطارية على مشروع القانون المعدل:
_ نهج تطبيق التعديلات
حرصا على عدم الإضرار بالخطط التقاعدية، ومنح الوقت الكافي لتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة، يُقترح قصر تطبيق التعديلات المتعلقة بسن التقاعد على المشتركين البعيدين عن استحقاق التقاعد وفق القانون الحالي، بحيث تشمل المشتركين الذين تقل مدة اشتراكاتهم عن (120) اشتراكا حتى نهاية عام 2026. كما يمكن النظر في اعتماد سن التقاعد (62) عاما للذكور و(59) عاما للإناث، كما ورد في مشروع قانون 2022.
- العلاقة بين المركز المالي وسن التقاعد
إذ إن العبء المالي على المنظومة التأمينية يرتبط أساسا بالفترة التي يتقاضى خلالها المتقاعد حقوقه التقاعدية، وليس بفترة الاشتراك التي تؤهله للحصول على الراتب التقاعدي. وتتمثل الغاية الأساسية من إقرار فترات أطول من الاشتراكات المؤهلة للحصول على الراتب التقاعدي في تحفيز العاملين على الاستمرار في العمل، وتعزيز الموارد المالية للمنظومة التأمينية، بالإضافة إلى تقليص حجم الفئة المستفيدة من الحدود الدنيا للرواتب التقاعدية، نظرا لما تنطوي عليه من اختلال أكبر بين الاشتراكات المدفوعة والمنافع التقاعدية المصروفة.
كما تجدر الإشارة إلى أن زيادة مدة الاشتراكات، وعلى الرغم من أثرها الإيجابي في تعزيز موارد المنظومة على المدى القصير والمتوسط، إلا أن أعباءها المالية تكون أكبر على المدى البعيد، باعتبار أن كل دينار يُدفع كاشتراكات سيقابله حقوق تقاعدية أعلى في المستقبل، حتى مع تعديل معامل الخصم الوارد في مشروع القانون المعدل.
وعليه، قد يكون من الأنسب التركيز على العمر كأساس لاستحقاق الراتب التقاعدي، مع إقرار زيادة معقولة في فترات الاشتراك المؤهلة للحصول عليه.
- نسب الاشتراكات
وفي حال الأخذ بهذه المنهجيات، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن التوسع في تطبيق نمط التدرج قد يحدّ من التحسينات المرجوة على المركز المالي المستقبلي للمؤسسة.
وعليه، قد يكون من المناسب النظر في زيادة نسب الاشتراك التي يؤديها المؤمن عليهم بمقدار نقطتين مئويتين، وبشكل تدريجي على مدار عامين، بواقع نقطة مئوية في عام 2027 ونقطة مئوية أخرى في عام 2028، وذلك نظرا لأن إجمالي ما يؤديه المؤمن عليهم يُعد من بين أدنى النسب عالميا، الأمر الذي يتيح هامشا لإجراء زيادات محدودة تسهم في تحقيق علاقة أكثر توازنا وعدالة بين الاشتراكات المدفوعة والمنافع التقاعدية المستحقة.
- الأجر المرجعي
يُعد الأجر المرجعي المعتمد لاحتساب الراتب التقاعدي من أهم المسائل التي لم يتناولها مشروع القانون المعدل بالشكل الكافي. إذ إن اعتماد متوسط أجر آخر خمس سنوات أو حتى آخر سبع سنوات لا يقدّم حلًا لاختلالات نمط نمو الأجور قبل التقاعد، والذي يخدم في الغالب أصحاب الأجور المرتفعة.
وعليه، فإن الحل الأمثل في هذا السياق يتمثل في احتساب متوسط الأجر على كامل فترات الخدمة، مع ربط هذا الأجر بمعدلات التضخم في السنوات اللاحقة لتحققه، بما يضمن مراعاة القيمة الزمنية للنقود (القوة الشرائية) وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين المشتركين.
منظومة الحوكمة
تتطلب الإصلاحات المتعلقة بالحوكمة مراجعة شاملة تضمن تحقيق التوازن في الصلاحيات وتعزيز آليات الرقابة وتقييم الأداء، بدلا من التركيز على استحداث مناصب دون استكمال الإطار المؤسسي المنظم لعملية اتخاذ القرار.
والله ولي التوفيق
حازم رحاحلة/ مدير عام سابق لمؤسسة الضمان الاجتماعي
المصدر:
سرايا