عمون - طرح المحامي أسامة البيطار تساؤلا حول إمكانية العودة للعمل بأوامر الدفاع في ظل الحروب بمنطقة الشرق الأوسط.
واشار البيطار إلى أنه مع اتساع دائرة التوتر في الإقليم، واحتمال امتداد آثار الحرب إلى ممرات الطاقة وأسواقها، يعود سؤال قانوني لم يعد نظريًا بالكامل: هل تمتلك الدول الأدوات التشريعية الكافية لإدارة أزمة طاقة إذا تحولت الحرب في المنطقة إلى اضطراب اقتصادي واسع؟.
وتاليا نص ما كتبه المحامي أسامة موسى البيطار:
قبل سنوات قليلة فقط، ارتبط اسم قانون الدفاع في الذاكرة الأردنية بجائحة كورونا، حين وجدت الدولة نفسها مضطرة لاستخدام أدوات قانونية استثنائية لتنظيم الحياة العامة وحماية الاقتصاد والصحة العامة في لحظة غير مسبوقة. لكن الحروب في الشرق الأوسط تعيد طرح سؤال مختلف تمامًا: ماذا لو لم تكن الأزمة القادمة صحية… بل أزمة طاقة؟.
فالحروب الحديثة لا تبقى داخل حدود المعارك العسكرية. وغالبًا ما تنتقل آثارها بسرعة إلى أسواق النفط والغاز وسلاسل التوريد العالمية. وفي منطقة تمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، يصبح أي اضطراب إقليمي واسع تهديدًا اقتصاديًا قبل أن يكون حدثًا سياسيًا.
ومع اتساع دائرة التوتر في الإقليم، واحتمال امتداد آثار الحرب إلى ممرات الطاقة وأسواقها، يعود سؤال قانوني لم يعد نظريًا بالكامل: هل تمتلك الدول الأدوات التشريعية الكافية لإدارة أزمة طاقة إذا تحولت الحرب في المنطقة إلى اضطراب اقتصادي واسع؟.
في الأردن، يرتبط هذا السؤال مباشرة بنص دستوري مهم هو المادة (124) من الدستور الأردني، التي تتيح في حالات الطوارئ تفعيل قانون الدفاع. وهو القانون الذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية لإدارة الظروف غير العادية التي قد تهدد الأمن الوطني أو الاستقرار الاقتصادي للدولة.
وقد عرف الأردنيون هذا القانون خلال جائحة كورونا، عندما استخدم لتنظيم الحركة والعمل وسلاسل الإمداد. غير أن فلسفة قانون الدفاع أوسع بكثير من إدارة الأزمات الصحية؛ فهو في جوهره أداة قانونية صُممت لمواجهة الظروف الاستثنائية التي قد تمس استقرار الدولة أو قدرتها على إدارة مواردها الحيوية.
وفي عالم اليوم، لم تعد الحروب تُخاض فقط في الميدان العسكري، بل في الاقتصاد والطاقة وسلاسل التوريد. ولهذا أصبح مفهوم الأمن الطاقي جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي للدول.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وبنيته الاقتصادية، يعتمد إلى حد كبير على استيراد الطاقة. وهذا يجعل استقرار الإمدادات النفطية والغازية مسألة استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي لتصل إلى صميم الاستقرار الوطني.
وفي حال تعرضت المنطقة لاضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة أو في الممرات البحرية التي تنقلها، قد تجد الدول نفسها مضطرة لاتخاذ إجراءات استثنائية لتنظيم الاستهلاك وإدارة الموارد وضمان استمرار الخدمات الأساسية.
لكن السؤال هنا ليس ما إذا كان الأردن سيواجه مثل هذه التحديات، بل كيف يمكن إدارة أي أزمة محتملة ضمن إطار قانوني متوازن يحافظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الوقت نفسه.
فقانون الدفاع، بطبيعته، ليس إعلانًا للفوضى القانونية، بل إطار منظم يسمح للحكومة – عند الضرورة – بتنظيم الإنتاج والتوزيع، وإدارة الموارد الاستراتيجية، ومنع تحوّل الأزمات الاقتصادية إلى أزمات اجتماعية.
ومع ذلك، فإن اللجوء إلى مثل هذه الأدوات الاستثنائية يبقى خيارًا أخيرًا، لأن الدول بطبيعتها تفضّل إدارة الأزمات عبر السياسات الاقتصادية والتنظيمية التقليدية قبل الوصول إلى مرحلة الإجراءات الاستثنائية.
لكن التجربة العالمية خلال السنوات الأخيرة – من جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل التوريد العالمية – أظهرت أن الدول التي تمتلك إطارًا قانونيًا مرنًا لإدارة الأزمات تكون أكثر قدرة على حماية استقرارها الاقتصادي والاجتماعي عندما تقع الصدمات.
وفي منطقة لا تزال الجغرافيا السياسية فيها قابلة للاشتعال في أي لحظة، يصبح التفكير المسبق في الأدوات القانونية لإدارة الأزمات جزءًا من التفكير في الأمن الوطني نفسه.
فالقوانين التي توضع في زمن السلم ليست مجرد نصوص جامدة، بل أدوات احتياطية صُممت لتُستخدم عندما تواجه الدول ظروفًا غير متوقعة.
إن النقاش حول الأمن الطاقي في زمن الحروب ليس نقاشًا اقتصاديًا فحسب، بل نقاش قانوني واستراتيجي في آن واحد. فالدولة التي تفكر مسبقًا في كيفية إدارة الأزمات تكون أكثر قدرة على احتواء آثارها عندما تقع.
وفي عالم لم تعد فيه الحروب مجرد صراع عسكري، بل صراع على الاقتصاد والطاقة والاستقرار، يصبح السؤال المطروح اليوم أوسع من مجرد متابعة أخبار المعارك.
السؤال الحقيقي هو: هل تمتلك الدول الأدوات القانونية والاقتصادية التي تمكنها من إدارة آثار الحروب قبل أن تصل إلى حدودها؟.
فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس بعدد الجيوش فقط، بل بقدرة الدول على حماية اقتصادها وإدارة مواردها في أوقات الاضطراب.
المصدر:
عمون