عمون - تحدث الباحث الأردني دكتور علم الآثار حذيفة المبيضين، عن ثلاثة ممالك قديمة رئيسية: "مملكة عمون في شمال الأردن وعمان البلقاء، ومملكة مؤاب في منطقة سيل الموجب وحتى الحسا، ومملكة أدوم في الطفيلة وعاصمتها بصيرا وامتدادها حتى معان وشمال الجزيرة العربية"، مشيراً إلى أن هذه الحضارات كان لها اتصال مع باقي الحضارات المحيطة: "المصريون القدماء، وادي الرافدين، والمملكة الحثية في جنوب سوريا والأناضول، وجنوب الجزيرة العربية"، حيث كانت الأردن تشكل عقدة في المنطقة لاتصال معظم الممالك القديمة من خلالها، ما يؤشر إلى حضارة الأنباط المهمة والعظيمة.
وقال الباحث المبيضين خلال استضافته في برنامج المسافة صفر الذي يقدمه سمير الحياري عبر إذاعة راديو نون، إن مملكة الأنباط واحدة من أهم حضارات العالم القديم في المنطقة، وذلك لما يعكسه حجم المنجز الأثري الكبير، ولا تزال نشأتها لغزاً يحير العلماء والباحثين حتى الآن، إلا أن أول ذكر للأنباط ورد على لسان المؤرخ الغربي ثيودور الصقلي، حيث أشار إلى أن أحد قادة إسكندر المقدوني قام بثلاث حملات متتالية إلا أنه سقط وفشل في ذلك، ما يفسر وجود قوة عسكرية تتبع نظاماً سياسياً واقتصادياً ملكياً، وذلك عام 312 قبل الميلاد.
وأضاف أنه يعتقد أن هناك على الأقل نحو 10 ملوك من الأنباط لم يصل إلينا عنهم أي ذكر في التاريخ القديم، معتبراً أنهم امتداد للحضارة الأدومية لأن كلتا الحضارتين تمتلكان نفس اللغة السامية والتراكيب الآرامية المشتركة بين الحضارتين.
وفيما يخص خزنة البترا، تحدث المبيضين عن أنها تحتوي على عدة نقوش لحضارات مختلفة، منها المصرية واليونانية وبعض الرموز التي لها علاقة بالأنباط أنفسهم، وهذه الرمزيات المجسمة وضعت لهدف ما، وقد تشترك فيما يسمى "بالمثلث الذهبي" الذي كان يتم فيه إخفاء الأسرار في حضارة مصر القديمة، وقد يدل هذا على بعض الإحداثيات الرياضية للاستدلال على موقع مقبرة ملوك الأنباط. وأوضح أن هناك وادياً خاصاً لملوك الأنباط، ويجب علينا أن نوظف إمكانيات الدولة لاكتشاف هذا المكان، وإذا حصل فسينقل الأردن إلى مقدمة السياحة العالمية، مقترحاً تشكيل فريق متخصص ودعمه بكافة الطرق للبحث عن هذا الموقع، والأمر يتزامن مع هجمة واضحة تجاه تاريخ الأردن وسرديته التي يجب أن تكون واضحة للجميع والتي نفخر فيها.
وزاد أن هناك أدلة على اتصال حضاري واضح في الحقب التاريخية ما بين مصر والأردن، مستشهداً بالعثور على ما يسمى "نقش خرطوش ملكي" يعود للملك رمسيس الثالث في منطقة وادي رم جنوب الأردن، وهناك نقش مشابه له عثر عليه في منطقة تيماء جنوب منطقة الحجاز، معتقداً أن الغاية من هذا النقش هي تثبيت وجود سياسي وعسكري لحدود الدولة المصرية في تلك الفترة، أو أن هذا النقش كان يدل على عبور قوافل التجارة في هذه المنطقة، مرجحاً الخيار الأول، بالإضافة إلى وجود مناطق اقتصادية مهمة مثل مناجم النحاس في وادي تمناع بمنطقة النقب، والأمر متصل في بسط السيطرة والقوة في تلك الحقبة التاريخية.
وبين المبيضين أن هناك معبداً لملوك مصر "أوزيس وأوزيرس" داخل البترا، معتقداً أنه تم إنشاء المعبد للتجار الذين كانوا يؤمون البترا في تلك الفترة وكانوا يمارسون طقوسهم الدينية في هذا المعبد.
وختم حديثه عن "مسلة البالوع" كأحد أهم النقوش التاريخية الموجودة على أرض الأردن لسببين: الأول أنه يؤكد وجود اتصال حضاري بين المملكة المؤابية بين ذيبان والكرك والحضارة المصرية في القرنين 12 و13 ق.م حتى دخول البابليين إلى المنطقة، معتبراً أن وجود هذا النقش غريب، حيث ذهب بعض الأثريين إلى تفسيره بطريقة سطحية جداً ولم تفِ بالغرض، حيث يظهر على النقش الإله آتون المصري ويحمل بيده اليسرى صولجان "واس" وهو ملكي مصري خاص بملوك وآلهة مصر القديمة، وفي يده اليمنى مفتاح عنخ، وهو مفتاح الحياة، وعلى رأسه تاج مزدوج يمثل مصر العليا والسفلى في تلك الحقبة التاريخية، وفي نهاية النقش شخص يعتمر تاج الأتف ويتكون من ريشتين كبيرتين، وفي الوسط قبعة ملكية وكان يعتمرها أوزيريس ويرتبط بالحياة بعد الموت. وهناك شخصية ثالثة يعتقد الباحثون أنها قد تكون ملكاً محلياً من ملوك مملكة مؤاب، مستدركاً أن الشخص في الوسط قد يكون شخصية مصرية وصلت في ظروف غامضة إلى منطقة شرق الأردن لحمايتها من شيء يحيط به، وطبيعة التاج واللباس والهيئة التي يظهر فيها هذا الشخص تطابق تماماً شخصية الملكة نفرتيتي، والتي اختفى قبرها من التاريخ بشكل غير مفهوم، والتي نجت من ملحمة ثورية على زوجها الملك أخناتون الذي وحد الآلهة في آتون، ما تسبب بقيام الكهنة عليه وإقصائه من الملك وتدمير مدينته "تل العمارنة"، ما يرجح ذهاب نفرتيتي إلى منطقة شرق الأردن وأقامت في مملكة مؤاب، وقد يدل النقش على وجود قبر نفرتيتي في الأردن.
المصدر:
عمون