آخر الأخبار

لماذا يتراجع ترتيب الأردن على مؤشر إتقان "الإنجليزية"؟

شارك

سرايا - في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز اللغة الإنجليزية كأداة محورية للاندماج في الاقتصاد العالمي والوصول إلى المعرفة الحديثة، فضلاً عن كونها مفتاحاً أساسياً للانفتاح على الأسواق الدولية.


ففي الوقت الذي أظهرت نتائج مؤشر إتقان اللغة الإنجليزية لعام 2025 الصادر عن مؤسسة التعليم أولاً (EF Education First) السويدية الذي تعد مرجعية مهمة لإجراء مقارنات العالمية من أجل تحديد مستوى كفاءة إتقان البالغين للغة الإنجليزية، عن تراجع الأردن إلى المرتبة 105 عالمياً من أصل 123 دولة شملها المؤشر، تبرز على الساحة تساؤلات عديدة من أبرزها: ما المطلوب للتقدم في مؤشر إتقان اللغة الإنجليزية؟ .

وفي هذا النطاق، يرى خبراء تربويون، أن إتقان اللغة الإنجليزية يمثل ركيزة أساسية لتحسين جودة التعليم، ومواءمة مخرجاته مع سوق العمل، وتحقيق أهداف التعليم للقرن 21 والتنمية المستدامة، لافتين إلى أن تحسين مستوى الأردن في اللغة الإنجليزية يتطلب خطة وطنية شاملة، تبدأ بتطوير المناهج لتكون أكثر تطبيقية ومرتبطة بمهارات القرن الحادي والعشرين، مروراً بتدريب المعلمين على إستراتيجيات حديثة، وتعزيز التعلم التفاعلي والممارسة اليومية، وصولاً إلى دمج اللغة الإنجليزية في المواد الأخرى.


صورة غير دقيقة
وفي هذا السياق، رأى الخبير التربوي فيصل تايه، أن الجدل الذي أثاره تصنيف الأردن في مؤشر إتقان اللغة الإنجليزية لعام 2025، والذي وضع المملكة في المرتبة 105 عالمياً ضمن فئة "الكفاءة المنخفضة جداً"، يحتاج إلى قراءة متأنية بعيداً عن الانطباعات السريعة.


وأوضح تايه أن المؤشر لا يقيس أداء طلبة المدارس، بل يركز على الفئة العمرية فوق 18 عاماً، ويعتمد على اختبار إلكتروني طوعي، ما يجعله غير ممثل بشكل منهجي للفئات الاجتماعية والجغرافية المختلفة، وبالتالي لا يعكس صورة دقيقة عن المستوى التعليمي الوطني.


وقال إن إدراج مهارتي الكتابة والمحادثة إلى جانب القراءة والاستماع في نسخة المؤشر لهذا العام شكّل تغييراً جوهرياً في أدوات القياس، الأمر الذي يجعل المقارنة مع نتائج السنوات السابقة غير دقيقة، إذ قد يُفسَّر انخفاض الترتيب كنتيجة لتغيير المنهجية أكثر من كونه تراجعاً فعلياً في مستوى الإتقان.


ولفت إلى أن المؤشر يختزل واقعاً متنوعاً في رقم واحد، متجاهلاً الفروقات بين المحافظات والبيئات التعليمية والجنسين والخلفيات الاجتماعية، ما يقلل من قيمته التشخيصية ويحوّل نتائجه إلى أداة تصنيف أكثر من كونها أداة فهم معمّق.


وبين أن ضعف إتقان اللغة الإنجليزية لدى بعض البالغين يعود إلى عوامل تراكمية، منها قلة الممارسة اليومية، واعتماد أساليب تدريس تقليدية، وضعف الموارد التعليمية والتقنيات الحديثة، فضلا عن الاكتظاظ في المدارس الحكومية، وتفاوت مهارات المعلمين في تطبيق الطرائق الحديثة، وهي تحديات تتراكم عبر السنوات وتنعكس على مؤشرات، مثل مؤشر EF.


وشدد على أن تحسين مستوى الأردن في اللغة الإنجليزية يتطلب خطة وطنية شاملة، تبدأ بتطوير المناهج لتكون أكثر تطبيقية ومرتبطة بمهارات القرن الحادي والعشرين، مروراً بتدريب المعلمين على إستراتيجيات حديثة، وتعزيز التعلم التفاعلي والممارسة اليومية، وصولاً إلى دمج اللغة الإنجليزية بالمواد الأخرى، وتوظيف المنصات الرقمية، وإنشاء نظام تقييم دوري، إضافة إلى تعزيز الشراكة مع أولياء الأمور والمجتمع المدني.


الإنجليزية محددة للجودة
بدورها، أكدت الخبيرة التربوية حنان العمري، أنه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد، أصبحت اللغة الإنجليزية عنصراً محورياً في منظومة التعليم الحديثة، وأحد المحددات الأساسية لجودة مخرجاته وقدرته على الاستجابة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين وأهداف التنمية المستدامة.


وأشارت إلى أن إتقان الطلبة للغة الإنجليزية ينعكس بشكل مباشر على جودة مخرجات التعليم بصورة عامة، إذ يتيح لهم الوصول إلى مصادر التعلم العالمية، والبحوث العلمية الحديثة، والمحتوى الرقمي المفتوح، الذي تشكل الإنجليزية لغته الغالبة، فضلا عن تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل والاستنتاج، ويعزز القدرة على التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة، وهي من السمات الرئيسة للخريج القادر على التكيف مع التغيرات المتسارعة.


وعلى صعيد مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل، تشكل اللغة الإنجليزية، بحسب العمري، أحد أبرز متطلبات التوظيف في معظم القطاعات الاقتصادية الحديثة، لافتة إلى أن إتقانها يعزز فرص الخريجين في الحصول على وظائف نوعية، والمشاركة في بيئات عمل متعددة الثقافات، والتفاعل مع الأسواق العالمية، والعمل في الشركات الدولية أو الإقليمية، إضافة إلى الاستفادة من فرص العمل الحر والعمل عن بُعد.


أما من حيث المراحل التعليمية الأنسب لتنفيذ تعليم اللغة الإنجليزية وإتقانها، فبينت العمري أن البدء المبكر في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي يُعدّ الأكثر فاعلية، نظراً لقدرة الأطفال العالية على اكتساب اللغة بشكل طبيعي وسلس.


وقالت إن الإتقان الجيد للغة لا يتحقق في مرحلة واحدة بل يتطلب مساراً تراكمياً ومتكاملاً يمتد عبر جميع المراحل التعليمية، مع تطوير متدرج في الكفايات اللغوية، وربط اللغة بالاستخدام الواقعي الأكاديمي والمهني في التعليم الثانوي والتعليم العالي، ويُعد هذا التدرج ضرورياً لضمان الانتقال من مستوى المعرفة الأساسية إلى مستوى الكفاءة الوظيفية المتقدمة.


وأشارت إلى أن التقدم في مؤشرات إتقان اللغة الإنجليزية يعد هدفاً إستراتيجياً يتحرى مجموعة متكاملة من المتطلبات، في مقدمتها وجود سياسة لغوية وطنية واضحة تحدد الأهداف والمعايير والمخرجات المتوقعة لكل مرحلة تعليمية، إلى جانب تطوير مناهج حديثة تركز على التواصل والكفايات اللغوية الوظيفية، بدلاً من التركيز على الحفظ وربط المحتوى اللغوي بسياقات حياتية وأكاديمية ومهنية حقيقية للطلاب.


وقالت إن إعداد المعلمين وتأهيلهم يعد أحد العوامل الحاسمة في تحسين مؤشرات الإتقان، إذ يتطلب ذلك رفع كفاءتهم اللغوية، وتطوير مهاراتهم التعليمية والتربوية، وتوفير برامج تدريب مهني مستمرة تواكب أحدث أساليب تعليم اللغات، كما أن توفير بيئات تعليمية داعمة، تتضمن استخدام التكنولوجيا التعليمية والتعلم الرقمي والمنصات التفاعلية، يسهم في زيادة تعرض الطلبة للغة وممارستها بشكل فعّال.


ومن المتطلبات الأساسية أيضاً، بحسبها، دمج اللغة الإنجليزية في تدريس بعض المواد الدراسية، خاصة في المراحل التعليمية المتقدمة، ما يعزز التعلم عبر اللغة، ويكسب الطلبة مهارات استخدام الإنجليزية في مجالات تخصصهم، فضلا عن أن تشجيع الأنشطة اللاصفية، والتبادل الثقافي، والنوادي اللغوية، والتعلم الذاتي، تسهم في تعزيز الاستخدام الطبيعي للغة خارج إطار الحصة الصفية.


الإنجليزية أداة اندماج
من جانبه، أوضح الخبير التربوي عايش النوايسة، أن اللغة الإنجليزية في العصر الحديث باتت تعد أداةً أساسية للاندماج في الاقتصاد المعرفي، وجسرًا للانفتاح على التعليم العالي وسوق العمل العالمي.


وقال النوايسة إن واقع تعلّم وتعليم اللغة الإنجليزية في الأردن ما يزال يواجه تحديات ملموسة، انعكست في التقارير الدولية التي وضعت الأردن في المرتبة 105 من أصل 123 دولة عالميًا في مستوى إتقان اللغة الإنجليزية، وهو ترتيب يستدعي قراءة تحليلية عميقة لأسباب الخلل وسبل المعالجة.


وأضاف إن إحدى الإشكاليات الجوهرية في التعامل مع اللغة الإنجليزية يتمثل بوصفها مادة دراسية قائمة على الحفظ واسترجاع القواعد، أكثر من كونها مهارة تواصل حيّة، لافتا إلى أن هذا النهج أفرز مخرجات تعليمية قادرة على اجتياز الاختبارات الورقية، لكنها تفتقر إلى القدرة على التحدث، والاستماع، والتفاعل اللغوي في مواقف واقعية.


وبين أن اللغة في جوهرها، تُكتسب بالممارسة والتعرّض المستمر، لا بالاكتفاء بالشرح النظري، مشيرا إلى أن الطالب يعد محور أي إصلاح حقيقي في تعليم اللغة، إذ لا يمكن تحقيق تقدم ملموس دون مراعاة الفروق الفردية، وربط المحتوى بحياة المتعلم واهتماماته، وتحفيزه على استخدام اللغة خارج إطار الكتاب المدرسي.


وأوضح النوايسة أن التقويم يبرز بوصفه عنصرًا حاسمًا في تفسير ضعف الإتقان، فالاعتماد المفرط على الاختبارات التقليدية يوجّه العملية التعليمية نحو الحفظ، ويُهمّش مهارات أساسية كالتحدث والاستماع، ويقتضي تطوير تعليم اللغة اعتماد أدوات تقويم متنوعة، تشمل التقويم البنائي، وتقييم الأداء الشفهي، والمشاريع وملفات الإنجاز، بما يعكس الكفاءة اللغوية الحقيقية للمتعلمين.


أما التكنولوجيا، فأصبحت عنصرًا لا غنى عنه في تعليم اللغات، غير أن فعاليتها تبقى مرهونة بحسن توظيفها، فالمحتوى الرقمي، والمنصات التعليمية، والوسائط السمعية والبصرية يمكن أن تشكّل رافعة قوية لتحسين الإتقان اللغوي، إذا اندمجت ضمن رؤية تربوية واضحة تخدم أهداف التعلم، لا أن تُستخدم كبديل شكلي للشرح التقليدي، بحسب النوايسة.


ولفت إلى أن ترتيب الأردن المتأخر عالميًا في إتقان اللغة الإنجليزية لا ينبغي النظر إليه بوصفه حكمًا نهائيًا على قدرات الطلبة أو المعلمين، بل كمؤشر إنذار يكشف فجوة بين الطموح والواقع، منوها بأن جودة التعليم اللغوي هي نتاج منظومة متكاملة تبدأ من فلسفة التعليم، وتمر بإعداد المعلم، وتنتهي بالتقويم والممارسة الصفية.


وكان منتدى الإستراتيجيات الأردني أصدر مؤخرا تقريرا ضمن سلسلة تقارير"المعرفة قوة" سلط من خلاله الضوء على أداء الأردن ضمن مؤشر "إتقان اللغة الإنجليزية للعام 2025" الصادر عن مؤسسة "التعليم أولاً - EF Education First"، السويدية الذي شمل 123 دولة.

الغد


سرايا المصدر: سرايا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا