شرق ألمانيا بعد عقود من الوحدة.. فجوة النفوذ والثروة تعيد فتح ملف الانقسام
باتت إليزابيث كايزر يوم الأربعاء (30 سبتمبر/ أيلول 2026) في برلين شخصية مطلوبة بشكل خاص: فالمفوضة الحكومية الاتحادية لشؤون ألمانيا الشرقية تضطر إلى إجراء مقابلة تلفزيونية تلو الأخرى. ويأتي ذلك على خلفية التقرير لعام 2026 الذي قدمته قبل قليل في مؤتمر صحفي. ويتضمن التقرير كالعادة العديد من الأرقام والمقارنات مع الشطر الغربي من ألمانيا .
ثروة أقل، وفرص أقل للتقدم؟
ولا يثير الأمر الدهشة أن الفوارق في المؤشرات الأساسية لا تزال كبيرة جدًّا: فمتوسط دخل سكان ألمانيا الشرقية أقل ويحصلون على معاشات تقاعدية أقل ويمتلكون ممتلكات أقل. ولهذا السبب تتحدث كايزر التي وُلدت عام 1987 في جمهورية المانيا الديمقراطية أي قبل ثلاث سنوات من وحدة المانيا كثيرا عن الفوارق في الثروة.
لقد تم تقييد ريادة الأعمال الخاصة وتكوين احتياطي مالي خاص على مدى عقود. "ولهذا السبب لم تتمكن العائلات من تكوين ثروات أو توريثها بنفس القدر". وبالتالي فإن سكان ألمانيا الشرقية لا يستطيعون توريث ثروات كبيرة. كل هذا يندرج بالنسبة لكايزر التي تنحدر من مدينة غيرا في تورينغن ضمن مسألة فرص الترقي الاجتماعي.
ما مدى أهمية العلاقات والأصل الاجتماعي؟
وينعكس هذا التصور أيضا في الأرقام. صحيح أن نسبة المديرين التنفيذيين من ألمانيا الشرقية في أعلى الهيئات الاتحادية قد ارتفعت، وفقا لبيانات كايزر من 13,9 في المائة في عام 2022 إلى 16,3 في المائة حاليا، ولكن: "كلما ارتفع المستوى الإداري انخفضت نسبة المديرين التنفيذيين من ألمانيا الشرقية فعليًّا".
عدد قليل من المديرين التنفيذيين من ألمانيا الشرقية في جميع المجالات
وتستخلص المفوضة المعنية بشؤون ألمانيا الشرقية من ذلك مطلبا واضحا: إن المساواة في الفرص تتضمن القدرة على التأثير في القرارات المهمة. "ولهذا السبب فإن مطالبتي هي أن يشارك أبناء ألمانيا الشرقية في جميع المحافل التي تُتخذ فيها القرارات في البلاد في الوزارات وفي الهيئات الحكومية وفي مجالات الاقتصاد والعلوم والقضاء والثقافة والإعلام".
في جميع المجالات يقل تمثيل الألمان الشرقيين بشكل ملحوظ مقارنة بنسبتهم السكانية التي تبلغ قرابة 20 في المائة. ويمكن لكايزر أن تستند في هذا الصدد إلى إحصاءات مستمدة من مرصد النخبة وهو مشروع أطلقته مؤسستها أيضا. وحسب هذه الإحصاءات لم يرتفع نصيب الألمان الشرقيين في المناصب القيادية الحكومية والخاصة إلا قليلا خلال الفترة قيد الدراسة من 2018 إلى 2024: من 10,9 إلى 12,1 في المائة.
بل إن نسبة سكان ألمانيا الشرقية تراجعت في مجالي الاقتصاد والثقافة. ومن الأمور التي تلفت الانتباه بشكل خاص: أن جميع المديرين التنفيذيين في أكبر 100 شركة ألمانية هم من ألمانيا الغربية وينطبق ذلك أيضا على الجيش. كما أن سكان ألمانيا الشرقية ممثلون تمثيلا ناقصا بشكل كبير في المناصب العليا في القضاء ووسائل الإعلام.
وتتجاوز أهمية مراقب النخبة كونها مجرد لقطة لحظية فهي دراسة طويلة الأمد أجرتها جامعتا يينا (تورينغن) و لايبزيغ ( ساكسونيا ) بالإضافة إلى كلية تسيتاو/غورليتز للتعليم العالي (ساكسونيا). وتشمل الدراسة حوالي 3000 منصب قيادي في اثني عشر قطاعا.
صور نمطية جديدة عن ألمانيا الشرقية
يبدو أن التمثيل غير الكافي لوجهة النظر الألمانية الشرقية في معظم المجالات الاجتماعية يؤثر أيضا على الصورة الذاتية لدى الكثير من الناس. تقول كايزر إن الجيل الذي وُلد في وقت سقوط جدار برلين ووحدة ألمانيا والذي تنتمي إليه المفوضة لشؤون ألمانيا الشرقية نفسها لم يشعر لفترة طويلة بأنه من ألمانيا الشرقية. ولم تدرك إلا في المدرسة وأثناء فترة التدريب أن هناك اختلافات بين الشرق والغرب والتي كانت تضعها في وضع غير مؤاتٍ في بعض الأحيان.
ويرتبط ذلك بدوره بصور نمطية جديدة عن ألمانيا الشرقية سواء في الماضي أو الحاضر. "يتم هنا أيضا إلى حد ما خلق هوية شرقية على الصعيد السياسي، لأن الناس يبحثون عن مرجع ويبحثون عن شيء يربط بينهم"، كما تلاحظ كايزر استنادا إلى العديد من اللقاءات والمحادثات. وتضرب مثالا على ذلك بالقيمة الرمزية لدراجة "سيمسون" النارية الصغيرة التي تم إنتاجها بملايين الوحدات في عهد جمهورية ألمانيا الديمقراطية والتي كانت ترمز إلى التنقل والحرية بالنسبة للشباب.
لماذا يعشق حزب البديل دراجات سيمسون النارية؟
"سيتم استغلال هذا الأمر"، كما أعربت المسؤولة عن شؤون الشرق عن أسفها دون أن تذكر اسم حزب البديل من أجل المانيا في هذا السياق. ويحب كبار ممثلي الحزب الذي يصنفه جهاز حماية الدستور جزئيا على أنه متطرف يميني استخدام هذه الدراجة النارية الأيقونية في ظهورهم العام. ومن بينهم أولريش زيغموند ، المرشح الرئيسي الفائز في انتخابات البرلمان الإقليمي في ساكسونيا-أنهالت .
"إنها علاقة عاطفية للغاية يتم تكوينها"، تقول كايزر في معرض حديثها عن التعامل مع علامة سيمسون التجارية. كما تعلق المسؤولة عن شؤون الشرق عند سؤالها على حزب البديل ونجاحاته الانتخابية في الشرق والتي شملت مؤخرا أيضا مكلنبورغ -فوربومرن و برلين . وترى أن هذه الانتخابات تنذر بإشارة خطيرة: فالمستثمرون الدوليون والكوادر المتخصصة يتساءلون: "هل أذهب إلى هناك أم لا؟"
الانتعاش الاقتصادي في خطر
تشير كايزر بشكل خاص إلى المجالات التي تلعب دورا مهما في شرق ألمانيا كعامل اقتصادي وابتكاري: صناعة أشباه الموصلات وأبحاث خلايا البطاريات والتكنولوجيا الصحية والتكنولوجيا الحيوية فضلا عن الطاقات المتجددة. مصدر قلقها: أن الانتعاش الاقتصادي في هذه القطاعات قد يتأثر سلبا.
أعده للعربية: م.أ.م