بعد 10 سنوات على استفتاء بريكست.. بريطانيا تعيد حساباتها
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد عقد على التصويت الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تعود العلاقة مع بروكسل إلى واجهة المشهد السياسي البريطاني، بعدما فتح رئيس الوزراء آندي بيرنهام الباب أمام بحث جميع الخيارات، وصولًا إلى احتمال العودة الكاملة للاتحاد الأوروبي.
وفي وقت رحبت فيه باريس بالتقارب البريطاني الأوروبي، تبدو القضية أبعد من مجرد تعديل في اتفاقات ما بعد بريكست، إذ تعيد بريطانيا فتح سؤال ظل حاضرًا منذ الانفصال: هل كان الخروج نهاية العلاقة مع أوروبا أم مجرد مرحلة قابلة لإعادة النظر؟
بيرنهام يفتح الباب أمام "العودة الكاملة"
فيما لم يطرح رئيس الوزراء البريطاني قرارًا فوريًا بإعادة بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه قال إن بلاده يجب أن تبحث مستقبل علاقتها بالشركاء الأوروبيين وتدرس الخيارات المتاحة، بدءًا من الإبقاء على الوضع الحالي، مرورًا بالعودة إلى الاتحاد الجمركي أو السوق الموحدة، وصولًا إلى "الذهاب إلى النهاية" وإعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفق ما نقلته "رويترز".
وكان بيرنهام أوضح سابقا أن بريكست تسبب في أضرار أكثر من فوائده، معتبرًا أن خروج بريطانيا لم يحقق الوعود التي رافقت حملة الانفصال، وأن البلاد أصبحت أضعف اقتصاديًا وفي التعامل مع ملف الهجرة.
في حين من المنتظر أن يعرض رئيس الوزراء البريطاني تصورًا للخيارات المختلفة بالتزامن مع القمة المرتقبة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بينما يرجح ألا تبدأ أي خطوات رسمية للعودة قبل الانتخابات العامة المقبلة المقررة بحلول منتصف عام 2029.
لكن كيف خرجت بريطانيا من الاتحاد؟
بدأت القصة في 23 يونيو (حزيران) 2016، عندما صوت البريطانيون في استفتاء تاريخي لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي بنسبة 51.9% مقابل 48.1% لصالح البقاء، وبمشاركة بلغت 72.2% من الناخبين، وفق "رويترز".
وكان الهدف من هذه الخطوة استعادة السيطرة على القوانين والحدود والهجرة، إلى جانب الاعتراض على علاقة بريطانيا بمؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهي أبرز المحاور التي غذت حملة الخروج، التي رفعت شعار "استعادة السيطرة". وعقب الاستفتاء، أطلقت لندن رسميًا عملية الانسحاب في 29 مارس (آذار) 2017 بتفعيل المادة 50 من معاهدة الاتحاد الأوروبي.
فبعد سنوات من المفاوضات والتأجيلات والصراع السياسي داخل البرلمان البريطاني، خرجت المملكة المتحدة رسميًا من الاتحاد الأوروبي في 31 يناير (كانون الثاني) 2020، ودخلت مرحلة انتقالية استمرت حتى نهاية العام نفسه.
ثم في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020 انتهت المرحلة الانتقالية، وغادرت بريطانيا السوق الموحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي، لتبدأ فعليًا مرحلة جديدة من العلاقات التجارية والسياسية مع التكتل.
عشر سنوات قلبت المزاج البريطاني
إلا أن قضية بريكست لم تختفِ بعد الخروج، بل ظلت حاضرة في النقاش السياسي والاقتصادي البريطاني، خاصة مع استمرار الجدل حول تداعيات الانفصال والعلاقة التجارية مع أكبر شريك اقتصادي لبريطانيا.
ومع مرور عشر سنوات، أظهرت استطلاعات الرأي تحولًا واضحًا في المزاج العام، فوفق أحدث بيانات YouGov، رأى 57% من البريطانيين أن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خاطئًا، مقابل 30% وجدوه صحيحًا.
فيما أظهر استطلاع آخر أن 55% أيدوا عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، لكن التأييد انخفض بصورة كبيرة عندما طرحت شروط العودة المحتملة، مثل فقدان الامتيازات التي كانت تتمتع بها بريطانيا سابقًا.
في السياق نفسه، أشارت دراسة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن نحو ثلاثة أرباع البريطانيين أبدوا رغبتهم في علاقة أكثر قربًا مع الاتحاد الأوروبي.
فيما أظهر استطلاع شمل دولًا أوروبية أن 66% من مواطني الدول التي شملها الاستطلاع أيدوا عودة بريطانيا إلى الاتحاد.
لكن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة تأييدًا غير مشروط للعودة، إذ تبقى تفاصيل العلاقة المستقبلية، وما إذا كانت لندن ستقبل بالقواعد والالتزامات الأوروبية، عاملًا حاسمًا في مستوى التأييد.
بيرنام ليس الأول
ففكرة العودة إلى الاتحاد الأوروبي لم تظهر مع بيرنام، بل توسعت تدريجيًا داخل الساحة البريطانية خلال السنوات الأخيرة. ومن أبرز الأصوات الداعمة لها رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، الذي دعا في سبتمبر (أيلول) الجاري إلى أن تعمل بريطانيا باتجاه إعادة الانضمام إلى الاتحاد خلال السنوات العشر المقبلة.
كما سبق لمسؤولين بارزين في حزب العمال أن وصفوا بريكست بأنه خطأ، بينما طرح آخرون فكرة الاقتراب تدريجيًا من السوق الأوروبية والاتحاد الجمركي بدل الانتقال مباشرة إلى العضوية الكاملة.
وهكذا، فإن تصريحات بيرنهام تمثل تطورًا في مستوى النقاش السياسي، لأنها لا تكتفي بالدعوة إلى علاقة أوثق، وإنما تضع العودة الكاملة ضمن الخيارات التي ينبغي دراستها.
ماكرون.. ليس أول صوت أوروبي
أما الترحيب الفرنسي، فلم يكن مفاجئًا ولا يمثل أول إشارة أوروبية إلى إمكانية عودة بريطانيا، حيث أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت سابق أن الباب مفتوح أمام بريطانيا. كما أشار خلال زيارته الأخيرة إلى المملكة المتحدة إلى الانفتاح على دفع عملية إعادة ضبط العلاقات بين لندن والاتحاد الأوروبي.
لكن دولًا أوروبية أخرى سبقت باريس في إعلان انفتاحها على فكرة العودة. حيث أكد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن مدريد ستدعم "بالتأكيد" عضوية بريطانيا إذا قررت لندن بدء عملية الانضمام من جديد، بينما وصف الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب بريطانيا بأنها يمكن أن تكون مرشحًا للعضوية، وقال إن أوروبا "تفتقد" صوتها البريطاني. وفي مايو (أيار) الماضي، دعا حزب الخضر الأوروبي رسميًا بريطانيا إلى إعادة الانضمام إلى الاتحاد، وفق صحيفة "الغارديان".
وفي فرنسا نفسها، لم يقتصر الأمر على ماكرون؛ إذ دعا رئيس الوزراء الفرنسي السابق جابرييل أتال في يونيو (حزيران) الماضي إلى عودة بريطانيا، معتبرًا أن بريكست كان كارثيًا، بينما شدد على أهمية بريطانيا بالنسبة لأمن أوروبا ودورها في القضايا الدفاعية والاستراتيجية.
العودة لن تكون ببساطة
لكن الطريق من طرح الفكرة إلى تنفيذها طويل ومعقد. فالعودة إلى الاتحاد الأوروبي لن تعني ببساطة إلغاء نتائج استفتاء 2016، وإنما ستتطلب عملية انضمام جديدة وتفاوضًا مع الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد حول شروط العضوية.
لكن يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا بالشروط التي ستعود بريطانيا بموجبها. حيث كانت لندن تتمتع قبل بريكست باستثناءات خاصة، بينها عدم الانضمام إلى منطقة اليورو ومنطقة شنغن. وتظهر استطلاعات الرأي أن هذه النقطة تحديدًا قد تصبح عقبة؛ إذ يتراجع التأييد البريطاني للعودة عندما يُطلب من الناخبين تصور عودة بريطانيا من دون امتيازاتها السابقة. وفي فرنسا وألمانيا أيضًا، تشير استطلاعات YouGov إلى أن أغلبية من يؤيدون عودة بريطانيا يرون أنها ينبغي أن تلتزم بالسياسات الأوروبية الرئيسية.
وهناك أيضًا نماذج أخرى أقل من العضوية الكاملة يمكن أن تطرح نفسها، مثل العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، أو صيغة شبيهة بالعلاقة التي تربط الاتحاد الأوروبي بدول مثل النرويج أو سويسرا، وهي خيارات تمنح بريطانيا درجات مختلفة من الوصول إلى السوق الأوروبية مقابل التزامات وقواعد مشتركة.
معارضة داخل بريطانيا
وفي الداخل البريطاني، لم تمر تصريحات بيرنام دون اعتراض. فقد اتهم حزب "ريفورم يو كيه" رئيس الوزراء بمحاولة إعادة بريطانيا إلى بروكسل "من الباب الخلفي"، فيما حذر معارضون من إعادة فتح الانقسام الذي أحدثه استفتاء 2016، وفق "رويترز".
كما أن داخل معسكر المؤيدين للتقارب الأوروبي نفسه توجد أصوات أكثر حذرًا، ترى أن الأولوية يجب أن تكون لتحسين العلاقة مع الاتحاد الأوروبي عمليًا، بدل تحويل قضية العودة الكاملة إلى معركة سياسية جديدة. ولذلك لا يزال هناك فارق بين الدعوة إلى تقارب أكبر مع أوروبا وبين اتخاذ قرار رسمي بإعادة الانضمام.
من بريكست إلى "بريكَت" جديد؟
وبعد عشر سنوات من التصويت على الانفصال، لا تبدو بريطانيا أمام قرار فوري بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي، بقدر ما تبدو أمام إعادة فتح الملف من جديد. بيرنام وضع عدة مسارات على الطاولة، من الإبقاء على الوضع الحالي إلى العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، وصولًا إلى العضوية الكاملة.
وفي المقابل، تبدو العواصم الأوروبية أكثر استعدادًا من السنوات الماضية لمناقشة علاقة بريطانية أوثق، وإن كانت العودة الكاملة ستحتاج إلى شروط ومفاوضات جديدة. وبينما تقترب القمة البريطانية الأوروبية المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني)، يعود السؤال الذي ظن كثيرون أنه حُسم في 2016 إلى قلب السياسة البريطانية: هل كان بريكست نهاية الطريق مع أوروبا، أم أن بريطانيا بدأت بالفعل البحث عن طريق للعودة؟