في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أربيل – مع اقتراب انتهاء المهمة العسكرية لقوات التحالف الدولي في العراق، تجد قوات البيشمركة نفسها أمام مرحلة أمنية جديدة، تتزامن مع إعلان إقليم كردستان استكمال توحيد قواتها وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارة البيشمركة، في خطوة تقول السلطات إنها تهدف إلى تحويل القوات إلى مؤسسة عسكرية موحّدة، بعيدا عن الانتماءات الحزبية.

وفي 21 سبتمبر/أيلول الجاري، وبعد انتهاء مدة مذكرة التفاهم الموقعة مع وزارة الدفاع الأمريكية المبرمة قبل أربعة أعوام، أي في 21 سبتمبر/أيلول 2022، أعلنت رئاسة إقليم كردستان اكتمال المرحلة النهائية من عملية توحيد قوات البيشمركة، مع مباشرة قيادتي المنطقتين الأولى والثانية مهامهما، بعد إدماج قوات الوحدتين 70 و80 في هيكل وزارة البيشمركة وإعادة تنظيمهما ضمن الهيكل الجديد.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 مع خروج القوات الأمريكية.. ما الذي يغادر العراق وما الذي يبقى؟
* list 2 of 2 "التكفير".. فيلم يعيد حرب العراق إلى الواجهة end of list

هذه الخطوة بحسب مسؤولين أكراد، تكتسب أهمية خاصة مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، بعدما لعبت الولايات المتحدة ودول غربية دورا في تدريب البيشمركة وإعادة تنظيمها خلال السنوات الماضية، لا سيما منذ الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

توحيد القوى

وقال رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني أثناء مراسم توحيد قوات البيشمركة: إن توحيد البيشمركة ليس مجرد إعادة ترتيب إداري للوحدات، بل خطوة وطنية كبرى في مسار بناء مؤسسات الإقليم، وأكد أن الهدف هو أن تكون هناك قوة واحدة ووزارة واحدة وقيادة واحدة، وأن تتحول البيشمركة إلى قوة وطنية بعيدة عن التدخلات والخلافات الحزبية.

وأشار رئيس الإقليم إلى أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة من عملية التوحيد نفسها؛ لأن الوحدة، وفق رؤيته، ينبغي أن تظهر في القيادة والآمرية والقرارات والأوامر والتدريب والتنظيم والحقوق والترقيات والانضباط العسكري.

ومن زاوية أخرى، يرى نيجيرفان بارزاني أن توحيد البيشمركة ينبغي أن يعزز موقعها ضمن منظومة الدفاع العراقية الاتحادية، مؤكدا أن رفع قدراتها وزيادة التنسيق بينها وبين الجيش العراقي يخدم أمن الإقليم والعراق معا.

إعلان

وهذا يعني أن التحدي لم يعد متعلقا فقط بضم الوحدات إلى وزارة البيشمركة، وإنما بكيفية تطبيق سلسلة قيادة عسكرية واحدة على الأرض، وهو ما يراه خبراء عسكريون جوهر عملية الإصلاح.

مصدر الصورة يرى الياور أن إبعاد القوات المسلحة عن التجاذبات السياسية سينعكس على علاقة الإقليم بالحكومة الاتحادية (الجزيرة)

خارج التجاذبات السياسية

وفي تصريحات للجزيرة نت أشار الفريق العسكري المتقاعد جبار الياور، الأمين العام السابق لوزارة البيشمركة، إلى أن الأمر الصادر عن رئاسة إقليم كردستان بشأن توحيد قيادتي قوات 70 و80 في المنطقتين الأولى والثانية يحمل أهمية كبيرة، لكنه يربط نجاح الخطوة بإخراج القوات فعليا من هيمنة الأوامر الحزبية.

وبحسب الياور، فإن انتقال القوات بشكل كامل من هيمنة الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني إلى مؤسسة عسكرية تابعة لحكومة الإقليم سيجعلها أقرب إلى نموذج القوات المهنية التابعة للدولة، ويحد في الوقت نفسه من احتمال استخدامها في الصراعات السياسية الداخلية.

يأتي هذا في ظل استمرار الخلافات السياسية بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم بشأن تشكيل الحكومة وإعادة تفعيل البرلمان والعلاقة مع بغداد، وهي ملفات يقول الياور إن تأثيرها يمكن أن يمتد إلى المؤسسة العسكرية إذا بقيت القوات مرتبطة بالأطراف السياسية.

ويرى الياور أن إخراج القوات المسلحة من التجاذبات السياسية ستكون له انعكاسات أيضا على علاقة الإقليم بالحكومة الاتحادية، وعلى صورة البيشمركة أمام المجتمع الدولي، خصوصا الدول التي شاركت في عملية إصلاحها وتدريبها.

المحطات الزمنية

غير أن عملية التوحيد الحالية ليست وليدة السنوات الأخيرة، ويعود الياور بجذورها إلى:


* عام 1992، عندما بدأت محاولات وضع قوات البيشمركة التابعة للأحزاب تحت مظلة حكومة الإقليم.
* ثم جاءت تفاهمات جديدة عام 2006.
* قبل أن تدخل العملية مرحلة مختلفة منذ عام 2016 مع انخراط الحلفاء الدوليين بصورة أكبر، خاصة بعد الحرب على تنظيم الدولة في العراق والشام، والدور الذي لعبته البيشمركة في حماية إقليم كردستان ودعم القوات الأمنية العراقية.
* وصولا إلى مذكرة التفاهم مع وزارة الدفاع الأمريكية عام 2022.

وبذلك، فإن الإعلان الأخير يأتي بعد مسار امتد لعقود، وهو ما يجعل الاختبار الحقيقي، وفق الياور، في أن تكون العملية الحالية "حقيقية وجذرية"، لا مجرد تغيير في أسماء الوحدات وهياكلها الإدارية.

وعلى المستوى الميداني، تؤكد وزارة البيشمركة أن قواتها مستعدة للمرحلة المقبلة. ويقول المتحدث باسم وزارة البيشمركة اللواء عثمان محمد، للجزيرة نت، إن البيشمركة "كانت دائما على أهبة الاستعداد"، مستشهدا بدورها في مواجهة تنظيم الدولة منذ عام 2014، عندما تصدت لتقدم التنظيم في مناطق عدة رغم محدودية التسليح في بداية الحرب.

ويشير عثمان محمد إلى وجود تواصل مستمر وتنسيق بين البيشمركة والقوات الأمنية العراقية، خصوصا في المناطق الأمنية المشتركة وخطوط التماس، حيث يقول إن القادة العسكريين من الجانبين يتمتعون بتعاون وتنسيق جيدين جدا، مشيرا إلى استمرار الحوار والاجتماعات والتنسيق، ومشددا على أن البيشمركة جزء من منظومة الدفاع الوطني العراقية.

مصدر الصورة عثمان محمد: يوجد تواصل مستمر وتنسيق بين البيشمركة والقوات الأمنية العراقية (الجزيرة)

تحديات متجددة

ويكتسب هذا التنسيق أهمية أكبر بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، إذ ستصبح القوات العراقية والبيشمركة أكثر اعتمادا على قدراتهما الذاتية في مراقبة المناطق التي تشكل بيئة محتملة لنشاط خلايا التنظيم.

إعلان

لكن التحديات التي تواجه الإقليم لا تقتصر على تنظيم الدولة، فقد أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة جزءا من المشهد الأمني خلال السنوات الأخيرة، وهو ملف يثير قلقا في أربيل مع تراجع الوجود العسكري الأمريكي.

وقال رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، في تصريحات نشرها مكتبه الإعلامي، إن الإقليم تعرض لأكثر من ألف هجوم صاروخي واعتداء بالطائرات المسيّرة، محذرا من أن تركه "مكشوفا من دون منظومات دفاعية يمثل مصدر قلق".

ويربط مسرور بارزاني أهمية هذا الملف بالتوقيت الذي ينسحب فيه التحالف، معتبرا أن الانسحاب يجري في مرحلة حساسة أمنيا، في وقت لا تزال فيه المنطقة تواجه توترات متعددة.

علاقات متوازنة

ويؤكد مسرور بارزاني اعتزاز أربيل بعلاقتها مع واشنطن، لكنه يشدد على سعيها إلى بناء علاقات متوازنة وحسن جوار مع دول المنطقة، بما فيها إيران.

ويقول إن حكومة الإقليم تجري اتصالات مستمرة مع المسؤولين الإيرانيين، وتؤكد أن كردستان ليست طرفا في أي حرب أو صراع، ولا تريد أن تكون أراضيها منطلقا لتهديد أمن أي طرف.

وفي هذا السياق، يطرح رئيس الحكومة أيضا ملف وجود قوى المعارضة الإيرانية في العراق والإقليم، موضحا أن وجودها يعود إلى سنوات طويلة، وليس تطورا جديدا مرتبطا بالمرحلة الحالية.

أما العلاقة مع بغداد، فتظهر في تصريحات مسرور بارزاني باعتبارها جزءا مهما من معادلة الأمن والاستقرار في العراق. حيث يؤكد دعمه لجهود الحكومة الاتحادية في مكافحة الفساد ونزع سلاح المليشيات وحل الملفات العالقة بين أربيل وبغداد وفق الدستور، ويعلن استعداد الإقليم لتسخير إمكاناته لدعم الحكومة الاتحادية وتعظيم الإيرادات العامة.

ما بعد الانسحاب

ولا يقتصر أثر انتهاء مذكرة التفاهم الأمريكية على الجانب العسكري والتدريبي فقط؛ إذ امتد إلى الدعم المالي الذي كان يقدمه التحالف لقوات البيشمركة.

فقد أكد الأمين العام لوزارة البيشمركة الفريق الركن بختيار محمد صديق، في تصريحات له لوكالة الأنباء العراقية، أن التحالف الدولي أوقف مساعداته المالية للبيشمركة، بعد انتهاء مدة مذكرة التفاهم الموقعة مع وزارة الدفاع الأمريكية. وقال إن الدفعتين الخاصتين بأغسطس/آب وسبتمبر/أيلول كانتا الأخيرتين، بعدما استمرت المذكرة أربعة أعوام، من 21 سبتمبر/أيلول 2022 إلى 21 سبتمبر/أيلول 2026.

وطلبت وزارة البيشمركة من الحكومة الاتحادية تعويض هذه المساعدات من خلال تعديل رواتب أفرادها أسوة بالقوات العراقية، في خطوة تعكس انتقال جانب من مسؤولية تمويل المؤسسة العسكرية الكردية إلى بغداد.

ومن هنا، تبدو مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي اختبارا عمليا لما تحقق في عملية التوحيد؛ فالمؤسسة التي عاشت لعقود تحت تأثير الانقسام الحزبي مطالبة الآن بإظهار قدرتها على العمل بقيادة موحدة، بينما تواجه في الوقت نفسه تهديدات تنظيم الدولة والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وتحتاج إلى تطوير قدراتها الدفاعية.

وفي المقابل، سيكون التنسيق مع الجيش العراقي عاملا حاسما في إدارة المناطق المشتركة ومواجهة الخلايا المسلحة، بينما يبقى مستقبل الدعم والتعاون الدولي مرتبطا بقدرة الإقليم على الحفاظ على مسار إصلاح مؤسسته العسكرية.