في سلطنة عُمان.. دفء البحر أجّج إعصار شاهين والجبال غيرت مساره
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عندما ضرب إعصار شاهين شمال سلطنة عمان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، لم يكن البحر وحده هو الذي يتحكم في سلوك العاصفة. فالجبال التي ترتفع خلف الساحل كانت هي الأخرى جزءا من المعادلة، لكن بطريقة مختلفة. فبينما تستطيع المياه الأكثر دفئا منح الإعصار مزيدا من القوة والرطوبة، يمكن للتضاريس أن تغير طريقه وتعيد توزيع أمطاره بين الساحل والمرتفعات.
هذه الصورة تقدمها دراسة جديدة استخدمت إعصار شاهين حالة لفهم ما يحدث عندما تتغير الظروف المحيطة بإعصار مداري يقترب من عمان، وأظهرت أن زيادة حرارة سطح البحر في المحاكاة أدت إلى اشتداد الإعصار وزيادة الأمطار، بينما كان تغيير ارتفاع التضاريس أكثر تأثيرا في مساره وحركة الهواء داخله والمناطق التي تستقبل الأمطار.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 موعد مباراة عُمان والكويت في "خليجي 27" والقنوات الناقلة
* list 2 of 2 شاهد.. السعودية تتأهل لنصف نهائي خليجي 27 بفوز كبير على عُمان end of list
الدراسة التي نشرت في دورية "ساينتفك ريبورتس" أجراها فريق يضم باحثين من جامعة السلطان قابوس والمديرية العامة للأرصاد الجوية في السلطنة وهيئة الأرصاد الجوية الألمانية، واستخدم نموذجا حاسوبيا متقدما للتنبؤ بالطقس لإعادة محاكاة إعصار شاهين، بدقة مكانية بلغت 6.5 كيلومترات.
وتقول بدرية المعولية، الباحثة في قسم الفيزياء بجامعة السلطان قابوس والمديرية العامة للأرصاد الجوية في عمان، والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن الرسالة الأساسية التي توصل إليها الفريق هي أن محاكاة إعصار مداري يقترب من عمان يمكن أن تتأثر بشدة بكل من ظروف المحيط والتضاريس المعقدة للمنطقة، لكن كل عامل منهما يعمل من خلال آليات مختلفة.
بحر أكثر دفئا وإعصار أكثر قوة
ولمعرفة حجم هذا التأثير، أعاد الباحثون تشغيل الإعصار افتراضيا في مجموعة من التجارب، وغيروا كل مرة بعض الظروف المحيطة به، مثل درجة حرارة سطح البحر وارتفاع التضاريس وخشونة سطح البحر، ثم راقبوا ما يحدث لقوة العاصفة ومسارها وأمطارها وبنيتها الداخلية.
وحسب تصريحات بدرية للجزيرة نت، جاءت الاستجابة الأقوى عندما رفع الفريق درجة حرارة سطح البحر درجتين مئويتين. ففي هذه التجربة، وفرت المياه الأكثر دفئا مزيدا من الطاقة والرطوبة للإعصار، وهو ما دعم نشاط السحب والعواصف داخله وزاد قوته. وتوضح الباحثة أن متوسط سرعة الرياح ارتفع في المحاكاة بنحو 2.1 متر في الثانية مقارنة بالتجربة الأساسية، بينما انخفض متوسط الضغط عند سطح البحر بنحو 3.2 هيكتوباسكال، وهما مؤشران على إعصار أقوى.
ولم يتوقف التأثير عند قوة الرياح، إذ توسعت أيضا المساحة التي تلقت كميات ملحوظة من الأمطار، وسجلت المنطقة الرئيسية المتأثرة بالإعصار زيادة في الهطول. وبالنسبة إلى المجتمعات الساحلية في عمان، تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة، إن النتيجة المهمة أن شدة الإعصار وكمية الأمطار المصاحبة له يمكن أن تكونا حساستين لظروف المحيط التي تواجهها العاصفة قبل وصولها إلى اليابسة.
لكن عندما انتقل الباحثون من البحر إلى اليابسة، تغيرت القصة. فقد أدى خفض ارتفاع التضاريس في النموذج بصورة أساسية إلى تغيير مسار الإعصار وتقليل الأمطار التي تعززها الجبال، كما أعاد تنظيم حركة الهواء الرأسية داخل العاصفة، بداية من تدفق الهواء والرطوبة بالقرب من السطح، وصولا إلى صعود الهواء وانتشاره في طبقات الجو العليا.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في عمان، حيث ترتفع سلاسل جبلية بالقرب من أجزاء من الساحل. فعندما يصطدم الهواء الرطب بهذه المرتفعات، يدفع إلى أعلى، مما يساعد على تكثف بخار الماء وهطول المزيد من الأمطار. ومن ثم لا تحدد الجبال فقط شكل الأرض التي يمر فوقها الإعصار، وإنما يمكنها أيضا المساهمة في تحديد المناطق التي تستقبل أشد أمطاره.
وفي المقابل، كان تأثير التغييرات الواقعية التي اختبرها الباحثون في خشونة سطح البحر أقل على قوة الإعصار وشكل توزيع الأمطار مقارنة بحرارة المياه أو التضاريس، وفقا للباحثة.
وتضيف بدرية أن النتائج تؤكد أهمية تمثيل البحر والتضاريس بدقة في نماذج الأعاصير التي تؤثر في عمان، إذ كانت حرارة سطح البحر أكثر تأثيرا في قوة الإعصار وكمية الأمطار، في حين لعبت التضاريس دورا أكبر في تحديد مساره وحركته الرأسية والتوزيع الجغرافي للأمطار.
مصدر الصورة
تجربة وليست تنبؤا بالمستقبل
ورغم أن تجربة رفع حرارة البحر درجتين قد تبدو مرتبطة مباشرة بتغير المناخ، تحذر الباحثة من قراءة النتائج بهذه الطريقة. فالباحثون رفعوا درجة حرارة سطح البحر بصورة موحدة مع الإبقاء على الظروف الجوية الأوسع المرتبطة بإعصار شاهين، بهدف عزل تأثير المحيط الأكثر دفئا ومعرفة استجابة النموذج، وليس للتنبؤ بما سيحدث في العقود المقبلة.
وتوضح أن تغير المناخ لا يغير حرارة البحر وحدها، وإنما قد يؤثر أيضا في حركة الغلاف الجوي ورطوبته والرياح وبنية المحيط وعوامل أخرى تتحكم في الأعاصير. لذلك لا تستطيع الدراسة تحديد ما إذا كانت أعاصير بحر العرب المستقبلية ستصبح أكثر تكرارا أو شدة، كما لا يمكن اعتبار الأرقام التي سجلتها تجربة "شاهين" توقعات كمية للمستقبل.
وتبقى للدراسة حدود أخرى، أبرزها أنها اختبرت إعصارا واحدا فقط، كما ركزت على 3 عوامل محددة، وأجريت المحاكاة بدقة 6.5 كيلومترات، وهي دقة لا تزال بعض العمليات المرتبطة بتكوين السحب والأمطار عندها بحاجة إلى تمثيل حاسوبي تقريبي. وترى بدرية أن الخطوة التالية ينبغي أن تشمل اختبار أعاصير أخرى، واستخدام نماذج بدقة أعلى، وتحسين تمثيل التفاعل بين المحيط والغلاف الجوي، ومقارنة النتائج بمزيد من الرصد الميداني في المنطقة. فإذا أثبتت هذه الأنماط نفسها في عواصف أخرى، يمكن أن تساعد في تحسين التنبؤ بالأعاصير وتقدير أخطار السيول.