في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من التوتر العسكري مع عودة القتال الواسع في إقليم تيغراي ومناطق أمهرة وعفر، بعد نحو 4 سنوات من انتهاء الحرب الأهلية التي أوقعت، وفق تقديرات متداولة في التقارير الدولية، مئات الآلاف من القتلى.

وتجمع تغطيات بعدة صحف بريطانية على أن التطورات الأخيرة تمثل أخطر اختبار لاتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وسط مخاوف من اتساع المواجهات داخل إثيوبيا وانتقال تداعياتها إلى منطقة القرن الأفريقي.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 حرب الاستخبارات تنقلب ضد الحوثيين في اليمن
* list 2 of 2 الولاء قبل الخبرة.. هكذا تُدار حكومة ترمب من الداخل end of list

وشهدت منطقة تيغراي خلال الأشهر الماضية -بحسب تلغراف- تصاعدا تدريجيا في المناوشات والضربات بالطائرات المسيّرة، قبل أن تنتقل المواجهات إلى مرحلة أكثر اتساعا مع تحرك قوات جبهة تحرير شعب تيغراي ضد الجيش الفدرالي وسيطرتها على مواقع ومطارات في الإقليم.

وتؤكد غارديان أن القتال لم يعد محصورا داخل تيغراي، بل امتد إلى مناطق أمهرة وعفر، بينما تحدثت المنظمة المستقلة والمحايدة لمراقبة النزاعات التي تقدم "بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" عن تعدد الجبهات ووقوع ضربات جوية ومسيّرة في مناطق مأهولة بالسكان.

مصدر الصورة دبابة إريترية دُمرت أثناء معارك مع قوات التيغراي في إثيوبيا (رويترز)

وتزيد صعوبة معرفة حقيقة التطورات الميدانية بسبب اضطراب الاتصالات في تيغراي، وهو ما يعيد إلى الأذهان ظروف الحرب السابقة عندما عُزل الإقليم إلى حد كبير عن العالم الخارجي.

وفي المدن، بدأ السكان بتخزين الغذاء والدواء والنقود تحسبا لاحتمال عودة ظروف الحصار ونقص الإمدادات، كما أدت المواجهات إلى تعليق الرحلات الجوية إلى مناطق بينها لاليبيلا، بينما تحدثت تقارير عن اتساع نطاق القتال على الحدود بين تيغراي وأمهرة وعفر.

تحالف خصوم الأمس

وأشارت الصحف الأربع إلى أن أحد أبرز التحولات هذه المرة هو ظهور تحالف جديد يضم جبهة تحرير شعب تيغراي وفصائل مسلحة أخرى، بينها حركة فانو في أمهرة، مع الإشارة إلى المفارقة بأن قوات تيغراي وقوات أمهرة كانت قد قاتلت في جانبين متعارضين خلال الحرب السابقة.

إعلان

وتشير تايمز إلى أن هذا التحالف الهش يجمع خصوما سابقين لديهم مصالح سياسية وإقليمية مختلفة، في حين ترى إيكونوميست أن القتال بين تيغراي وفانو من جهة والجيش الإثيوبي من جهة أخرى، يجري على عدة جبهات، مما يمكن أن يضع القوات الفدرالية أمام صراع متعدد المناطق.

مطالب آبي أحمد المتكررة بالحصول على منفذ سيادي لإثيوبيا على البحر الأحمر أثارت مخاوف في إريتريا التي تخشى أن تكون هذه المطالب مقدمة لتحرك يستهدف ساحلها

وفي المقابل، تشير تحليلات المنظمة المستقلة إلى أن طبيعة التحالف لا تزال موضع خلاف، وأن بعض الجماعات أعلنت مواقف مختلفة بشأن مشاركتها فيه أو أهدافها العسكرية.

ويظل مستقبل هذا التحالف غير واضح؛ لأن مجرد اتفاق أطراف متباينة على معارضة حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لا يعني بالضرورة وجود رؤية مشتركة لما بعد ذلك، خاصة أن الخلافات المتعلقة بالأراضي والهوية والنفوذ كانت من جذور الصراعات الإثيوبية، وقد تستمر حتى بين الجماعات التي تتعاون حاليا ضد الحكومة.

إريتريا في قلب الأزمة

يشكّل العامل الإريتري أحد أكثر عناصر الأزمة حساسية، فقد قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الجيش الإثيوبي خلال حرب تيغراي السابقة، لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تدهورت لاحقا بصورة حادة.

مصدر الصورة حكومة إثيوبيا وجبهة تيغراي وقعتا اتفاقية سلام بجنوب إفريقيا (رويترز)

وتشير تايمز إلى أن مطالب آبي أحمد المتكررة بالحصول على منفذ سيادي لإثيوبيا على البحر الأحمر أثارت مخاوف في إريتريا، التي تخشى أن تكون هذه المطالب مقدمة لتحرك يستهدف ساحلها.

أما إيكونوميست فتشير إلى أن إثيوبيا اتهمت مصر وإريتريا والسودان بدعم المتمردين، وتنفي إريتريا دعم الجماعات المسلحة الإثيوبية، في حين تؤكد غارديان أن إثيوبيا اتهمت أسمرة بدعم التحالف الجديد.

وبذلك لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين الحكومة الفدرالية وفصائل مسلحة داخل البلاد، بل بات مرتبطا بالتنافس على النفوذ والحدود والوصول إلى البحر الأحمر.

السودان ومخاطر اتساع الصراع

وترى الصحف الأربع أن أخطر ما في الأزمة هو احتمال خروجها من الإطار الإثيوبي؛ لأن السودان المجاور يعيش أصلا حربا مدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في وقت تربط فيه الخرطوم علاقات متشابكة مع أطراف الأزمة الإثيوبية.

وتحذر تايمز من أن أي تصعيد كبير في إثيوبيا يمكن أن يمتد إلى السودان، في حين ترى تلغراف أن تداخل النزاعات والتحالفات في المنطقة قد يحوّل الحرب الإثيوبية إلى جزء من أزمة أوسع في القرن الأفريقي.

وتزداد المخاطر بسبب وجود توترات متزامنة في السودان والبحر الأحمر، مما يجعل أي تدخل إضافي من القوى الإقليمية عاملا قادرا على توسيع رقعة المواجهة.

ويمثل الجانب الإنساني قاسما مشتركا آخر في التغطيات؛ إذ عانى سكان تيغراي خلال الحرب السابقة من نقص الغذاء والدواء وانقطاع الاتصالات والنزوح الجماعي، وبالفعل بدأت مع عودة القتال مؤشرات مشابهة بالظهور، من تخزين المواد الغذائية إلى اضطراب الاتصالات وارتفاع أسعار الأدوية.

وتشير تايمز إلى أن سكان لاليبيلا ومناطق أخرى يواجهون صعوبات في الحركة بسبب القتال، في حين نقلت غارديان شهادات عن إفراغ المتاجر وازدياد المخاوف من الحصار، كما أشارت تقارير ميدانية إلى تعرّض مناطق مدنية لضربات جوية ومسيّرة، مع بقاء أعداد الضحايا في بعض الحالات غير مؤكدة بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال.

اتفاق بريتوريا أمام اختبار جديد

وأنهى اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 الحرب الكبرى بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، لكنه لم يحسم جميع الخلافات المتعلقة بالأراضي والأمن والمساءلة، ومع تجدد المواجهات، أصبح الاتفاق أمام أخطر اختبار منذ توقيعه.

إعلان

وتشير تايمز إلى أن القضايا المتعلقة بالأراضي والأمن ظلت دون حل، بينما تصف غارديان القتال الحالي بأنه أخطر تحدٍّ يواجه الاتفاق منذ إبرامه.

مصدر الصورة التيغراي طالبوا الاتحاد الأفريقي بالتدخل لتنفيذ الاتفاق مع حكومة آبي أحمد (الفرنسية)

وفي الوقت نفسه، نقلت وكالة أسوشيتد برس أن متحدثا باسم جبهة تحرير شعب تيغراي قال إن الاتفاق لم يعد صالحا، في حين يرى محللون أن استمرار انهياره قد يفتح الطريق أمام دورة جديدة من العنف.

وتكشف قراءة مشتركة لمقالات الصحف الأربع أن الأزمة الإثيوبية الحالية تتجاوز مجرد تجدد القتال في تيغراي؛ لأن المشهد يجمع بين عودة المواجهة العسكرية، وتحالفات جديدة تضم خصوما سابقين، وتوتر متزايد بين إثيوبيا وإريتريا، وحرب مستمرة في السودان، وتنافس على النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، تبدو قدرة الأطراف على احتواء التصعيد محدودة في ظل تعدد الجبهات وتداخل المصالح، وقد دعت جهات دولية، بينها الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار والالتزام باتفاق بريتوريا.

وبالتالي، فإن التطور الأكثر أهمية في المرحلة الحالية ليس عودة القتال في تيغراي، وإنما احتمال تحوله إلى أزمة متعددة الجبهات داخل إثيوبيا، ثم إلى أزمة إقليمية إذا دخلت إريتريا أو السودان.