هدأت موجة الحرارة في تونس مع انقضاء أيام الصيف القائظ وعودة الطلاب إلى الدراسة. ورغم الانحسار التدريجي لأزمة المياه المعبأة، التي بلغت ذروتها في شهر أغسطس/ آب، إلّا أن آثارها لا تزال قائمة في بعض المناطق وباتت مرتبطة بشكل خاص بالقوارير الصغيرة ذات سعة نصف لتر، والموجة بدرجة أولى إلى للمستهلكين من طلبة المدارس ورياض الأطفال.
في حي التحرير الشعبي غرب العاصمة، خرجت مايا الخريجي، البالغة من العمر 13 عاما، برفقة والدها الذي يرافقها يوميا الى المدرسة الإعدادية لكن المفاجأة الأولى أنهما لم يظفرا بقارورة المياه الصغيرة في محل البقالة الملاصق للمنزل.
لم يكلف الأب نفسه عناء البحث لعلمه بأن المنطقة تنتظر قدوم المزود نفسه. وبالتالي كان لزاما عليهما الاستعانة بمياه الصنبور رغم التحفظ الشديد بشأن مدى مطابقتها للمعايير الصحية.
تداعيات أزمة المياه مع بدء العام الدراسي في تونس (13/9/2026)صورة من: Soumaya Marzouki/DWصحيح أن أزمة التزود بالمياه المعبأة أصبحت أقل حدة مقارنة بفترات الصيف مع رفع نسق الإنتاج في المصانع على مدار الساعة ومع انحسار الطوابير. لكن الأسئلة لا تزال قائمة.
ولفهم كيف تحولت قارورة الماء بشكل غير مسبوق إلى هاجس يومي لدى كثير من التونسيين، لا بد من العودة إلى أسابيع قليلة مضت، حين كان الحر في ذروته، وكانت رحلة البحث عن الماء أشبه بالدوران في متاهة.
عند الرابعة بعد الزوال وتحت شمس سبتمبر/أيلول الغارقة في الرطوبة، تتوسط كلثوم، وهي في مطلع عقدها الخامس، طابورا يضم ثمانية أشخاص أمام متجر صغير للمواد الغذائية في منطقة التحرير.
وبجبين يتصبب عرقا جراء الرطوبة العالية والإنهاك بعد رحلة بحث بين أربعة متاجر، تنسل كلثوم من بين الزبائن وهي تحمل قوارير الماء المعدني المعلب وعلى وجهها ابتسامة خافتة، أقرب إلى تنهيدة ارتياح منها إلى فرح.
وقالت في دردشة مع DW عربية: "لا يسمحون بأكثر من قارورتين لكل زبون". في الأثناء تبادر كلثوم بإجابة زبون آخر وصل للتو يبحث عن الماء المعلب وهو يطل من سيارته.
وتروي كلثوم بعد ذلك لـDW عربية عن معاناتها: "أنا مضطرة للبحث عن الماء بنفسي لأن زوجي يمر بفترة نقاهة بعد إجرائه لعملية جراحية دقيقة".
وقصة كلثوم ليست حالة فردية معزولة، فهي تعكس حالة عامة جعلت حياة التونسيين أكثر تعقيدا مع ارتفاع الأسعار والانقطاعات المتكررة للكهرباء.
وبحسب المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، قفزت أسعار بعض عبوات المياه في فترة النقص بنسبة تفوق 150%، لكن بعض المناطق التي عاينتها DW عربية تضاعفت فيها الأسعار لثلاثة مرات تحت وطأة المضاربة وضعف الرقابة.
أثارت مقاطع فيديو لمياه عكرة ومائلة إلى الاصفرار مخاوف بشأن جودة مياه الصنبور وسلامتها للاستهلاك. صورة رمزية لصنبور مياه (13/9/2026). صورة من: Soumaya Marzouki/DWوبصوت يحمل ملامح الخيبة تقول كلثوم لـ DW عربية: "هناك أيام تتزامن فيها ندرة المياه المعلبة مع انقطاع الكهرباء، فأضطر لتعبئة آنية كبيرة من الفخار من ماء الصنبور وأضع فيها بعض القوالب المجمدة حتى يتمكن أطفالي من شرب ماء منعش عساه يخفف عنهم وطأة الحر والعطش".
ويعتبر كثيرون، مثل كلثوم، أن شرب مياه الصنبور "شر لا بد منه" في أوقات الأزمات. وقد زادت مخاوف بعض السكان بشأن جودة المياه بعد تداول مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر مياهاً عكرة أو مائلة إلى الاصفرار عقب استئناف التزويد، ما أثار تساؤلات حول سلامة المياه وصلاحيتها للاستهلاك .
وفي مسعى لاحتواء المخاوف، نشرت "الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه" فيديو موجها للتوعية عبر حسابها على موقع "فيسبوك"، للتأكيد على سلامة المياه على الصحة العامة. لكن لم يكن هذا كافيا.
ويفسر حمزة الفيل، أستاذ وباحث في مركز بحوث وتكنولوجيا المياه، هذه التغيرات، التي تطرأ أحيانا على جودة الماء ، وقال في حديثه لـDW عربية: "بعد المعالجة، يتوزع الماء عبر قنوات مهترئة يفوق عمرها 50 سنة، ما قد يغير لونه ونقاءه بسبب الترسبات، خاصة مع تسجيل أكثر من 200 ألف عطب سنويا في شبكة التوزيع وتسرب الأتربة إلى المياه نتيجة تغير ضغط القنوات بعد إصلاح الأعطاب".
امرأتان تملآن أوعية الماء من نبع طبيعي في منطقة قريبة من بنزرت، في ظل موجة حر شديدة ضربت تونس، حيث واجهت العديد من الأسر تحديات متواصلة بسبب انقطاع المياه والكهرباء. (أرشيف: 21/7/2026)صورة من: Fethi Belaid/AFPوتبدو الأزمة أكثر تعقيدا، حيث يرى الباحث حمزة الفيل أن الشركة الحكومية لا تتحمل وحدها المسؤولية، لأنها تبيع الماء بأقل من تكلفته، ما يجعلها غير قادرة على تحمل كلفة الصيانة والتحسين، بالتزامن مع تراجع كبير لمواردها البشرية وهجرة كفاءاتها وتقاعد عدد كبيرة من العاملين.
أما مشاريع تحلية مياه البحر في صفاقس وقابس وسوسة وجربة، التي طُرحت كأحد الحلول، لحل الأزمة ، فلا تمثل، بحسب الباحث، حلاً مستداماً أو مجدياً اقتصادياً للدولة .
والسبب في ذلك هو أن كلفة تحلية متر مكب واحد من المياه قد تصل إلى 3500 دينار تونسي (حوالي 1050 يورو) بينما لا تتعدى مداخيل الشركة قرابة 36 سنتا مقابل المتر مكعب الواحد.
ويوضح الباحث لـDW عربية: "يستهلك المواطن لتونسي أقل من 100 لتر في اليوم منهما فقط لترين للشرب والطبخ وهي لا تتجاوز نسبة 2 بالمئة. فهل يعقل معالجة الماء بجودة عالية بتكاليف عالية مقابل هذه النسبة الضئيلة جدا مقارنة بالنسبة الموزعة على بقية الاستعمالات الأخرى للماء؟".
تمثل المياه المعبأة ملاذا للتونسيين في مقابل تحفظاتهم تجاه مياه الصنبور. لكن من الناحية الصحية، يشير مختصون إلى أن وجود الماء داخل عبوة مغلقة لا يجعله بالضرورة أكثر أمانا من مياه الشبكة ، فظروف النقل والتخزين، لا سيما في درجات حرارة مرتفعة، قد تؤثر على جودته هو الآخر.
وفي المقابل تشير بيانات "الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه" إلى أن مياه الصنبور تستوفي، في معظم العينات، معايير السلامة المعتمدة. فقد أظهرت دراسة أجرتها الشركة عام 2023، وشملت تحاليل بكتريولوجية لأكثر من 75 ألف عينة، أن قرابة 98% منها كانت مطابقة للمعايير المطلوبة وتوصيات منظمة الصحة العالمية، وفق تقرير نشرته الشركة في يونيو/ حزيران 2024.
لكن على عكس تلك البيانات، يوضح الباحث حمزة الفيل لـDW عربية أن مواصفات المياه المعالجة في تونس لا تتماشى مع توصيات منظمة الصحة العالمية بسبب الزيادة في نسبة الملوحة مقارنة بالمعايير التي حددتها منظمة الصحة العالمية عند 1غ في اللتر الواحد من المياه.
مع ذلك فهناك وفق الباحث، أكثر من حل يمكنه المساعدة على تجاوز هذه المعضلة المزدوجة بين شح المياه وتدني جودتها من ذلك استخدام أجهزة فلترة المياه، واستخدام الأحواض المنزلية لتخزين مياه الأمطار وتعميم خدمات تقنية مياه شبكات شركة توزيع المياه الحكومية.
المصدر:
DW