في العاصمة الأميركية، يفرض الملف الإيراني نفسه على محادثات الرئيس دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، إذ يسعى البيت الأبيض إلى تقييد مصادر تمويل طهران وقدراتها العسكرية، لكنه ما ينفك يصطدم بعلاقات اقتصادية وسياسية واسعة تربط الجمهورية الإسلامية ببكين.
وقبيل اللقاء، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن موردين صينيين أرسلوا نحو 1300 شحنة إلى وزارة الدفاع الإيرانية خلال النصف الأول من العام الجاري، تضمنت مكونات ذات استخدام مزدوج يمكن استعمال بعضها في الطائرات المسيّرة وأنظمة توجيه الصواريخ.
واعتمدت الصحيفة في تحقيقها على سجلات الجمارك الإيرانية وبيانات حركة الطيران، فضلاً عن معلومات تجارية جمعتها شركة "إمبورت جينيوس". ومن أبرز ما أظهرته:
في الأسابيع الأولى من الحرب، تراجعت حركة التجارة في إيران، وزادت القيود الأميركية على الملاحة البحرية من صعوبة وصول الإمدادات بحراً. لكن الرحلات الجوية القادمة من الصين لم تسلك الاتجاه نفسه، بل ارتفعت وتيرتها.
ففي مطلع آذار/مارس، كانت شركة "ماهان إير" الإيرانية، الخاضعة للعقوبات الأميركية، تسير أربع رحلات أسبوعياً من بكين وشنغهاي وغوانغجو إلى العاصمة الإيرانية. وبحلول أواخر نيسان/أبريل، ارتفع العدد إلى نحو 27 رحلة أسبوعياً، وفق بيانات "فلايت رادار 24".
وفي الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر، سيرت الشركة 39 رحلة من الصين إلى إيران، أي نحو ضعف العدد المسجل قبل الحرب. وذكرت "وول ستريت جورنال" أن عدداً من هذه الرحلات لم يكن متاحاً للحجز أمام المسافرين وبدا مخصصاً للشحن.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن شبكة مشتريات حاولت الحصول على أنظمة صواريخ صينية محمولة على الكتف لصالح إيران عبر بيلاروس ، في محاولة لإخفاء الجهة التي ستتسلمها. ولم تتم الصفقة.
وبحسب مسؤولين أميركيين تحدثوا للصحيفة، حصلت الجمهورية الإسلامية أيضاً على صور التقطتها أقمار اصطناعية من جهات صينية قبل وبعد ضربة في 17 تموز/يوليو أسفرت عن مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين في الأردن.
والجدير بالذكر أن واشنطن كانت قد فرضت في أيار/مايو عقوبات على ثلاث شركات صينية تعمل في مجال صور الأقمار الاصطناعية، متهمة إياها بتوفير معلومات يمكن أن تساعد طهران في استهداف القوات الأميركية.
تقوم العلاقة بين بكين وطهران على مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية، لكنها لا ترقى إلى تحالف عسكري ملزم. فقد وقعت الدولتان عام 2021 اتفاق تعاون يمتد 25 عاماً، فيما تجنبت الصين تقديم ضمانات دفاعية لإيران أو الانخراط عسكرياً إلى جانبها.
ويحتل النفط موقعاً أساسياً في هذه العلاقة. فالصين هي أكبر مشترٍ للخام الإيراني، وتستفيد من الحصول عليه بأسعار مخفضة، بينما توفر مشترياتها لطهران سوقاً لصادراتها رغم العقوبات الأميركية.
وترى لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، التابعة للكونغرس، أن إيران تمثل شريكاً لبكين في مساعيها للحد من النفوذ الأميركي.
لكن ذلك لا يعني تطابق مصالحهما. فالصين ترتبط أيضاً بعلاقات تجارية واستثمارية كبيرة مع دول الخليج ، وتعتمد على استقرار إمدادات الطاقة وطرق التجارة في المنطقة. كما أنها امتنعت تاريخياً عن تقديم دعم عسكري مباشر لطهران، حتى في مراحل التصعيد السابقة.
رغم ذلك، تثير طبيعة الدعم الذي تحصل عليه إيران من الصين سؤالاً آخر في واشنطن: إلى أي مدى يمكن الضغط على بكين من دون توسيع المواجهة معها؟
فقد فرضت الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية عقوبات على شركات وأفراد وشبكات مرتبطة بالصين، واتهمتها بمساعدة إيران في الحصول على مكونات وتمويل، لكنها لم توسع هذه الإجراءات لتشمل المؤسسات المالية والشركات الصينية الكبرى على نطاق واسع.
ويصعب فصل أي تصعيد أميركي في هذا الملف عن العلاقة الأوسع مع بكين. فالبلدان يخوضان مفاوضات بشأن التجارة والرسوم الجمركية والقيود على التكنولوجيا والمعادن النادرة، وهي ملفات ستكون حاضرة أيضاً في محادثات ترامب وشي .
كما أن استهداف تجارة النفط الإيراني يعني عملياً التعامل مع الصين، بوصفها المشتري الأكبر له. وقد ركزت الإجراءات الأميركية حتى الآن على شركات ووسطاء وناقلات وشبكات مشتريات، بدلاً من فرض عقوبات شاملة على المؤسسات الصينية الكبرى.
وتباينت تصريحات مسؤولي إدارة ترامب بشأن حجم الدور الصيني. فقد اتهم وزير الدفاع بيت هيغسيث الصين و روسيا بمساعدة طهران، بينما قال ترامب إنه تلقى تأكيدات من شي بعدم إرسال أسلحة إلى إيران. أما وزير الخارجية ماركو روبيو، فقال إن المساعدة الصينية لم تغير مسار الحرب.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن أشخاص مطلعين على المناقشات داخل الإدارة أن ترامب أبلغ مساعديه، قبيل القمة، بأن الحفاظ على علاقته مع شي يمثل أولوية بالنسبة إليه.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة