آخر الأخبار

نبوءة حشاد لتونس.. من سيرحل أولا الاتحاد أم النظام؟

شارك

في ساحة محمد علي بقلب العاصمة تونس، على مقربة من سفارة فرنسا، يبدو مقر الاتحاد العام التونسي للشغل (أعرق منظمة نقابية في البلاد)، بلا حراك، ولا فاعلية، تلفه الكآبة، وتهيمن عليه مسحة حزينة، كما لو أنه يقيم جنازة بلا مودعين أو مشيعين.

لوحة تصويرية، لا مبالغة فيها، قياسا بوضعه قبل خمس سنوات، عندما كانت الساحة الأمامية لمقر المنظمة، المعروفة باسم "البطحاء"، كما يطلق عليها النقابيون والسياسيون، بمثابة خلية نحل لا تتوقف، محتضنة احتجاجات النقابيين والعمال؛ دفاعا عن مصالحهم وطبقتهم الاجتماعية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 تطهير الجنرالات.. كيف تعيد الصين ضبط جيشها قبل 2027؟
* list 2 of 2 لهجة أردنية حازمة تجاه إسرائيل.. ما الذي تغير في حسابات عمّان؟ end of list

منذ أكثر من عام، سُجلت آخر إطلالة للأمين العام السابق، نور الدين الطبوبي من شرفة مكتبه، ليلقي خطابا أمام عدد من النقابيين من أنصاره، صُنف على أنه الأخير في عمر الرجل على رأس المنظمة، التي غادرها لاحقا، دون أن يترك أي أثر في سرديتها التي فقدت بريقها منذ انقلاب 25 يوليو/تموز 2021، الذي قاده الرئيس قيس سعيد.

يومها، خرج الطبوبي، مبتسما ومستبشرا بالانقلاب، ووقف في شرفة غرفته ذاتها، مدافعا عنه، بل أطلق عليه صفة "التصحيح" لمسار الثورة التونسية، ظنا منه أن الأمور ستسير "سمنا على عسل"، بينه وبين الانقلاب، وأن موقفه ذاك، سيرشح منظمته للعب دور سياسي جديد، بلا انتقال ديمقراطي، ومن دون إسلاميين، وبلا برلمان صاخب، وعلى أنقاض دستور، ساهم الاتحاد في صياغة جزء من مضمونه (دستور عام 2014)، في سياق عملية توافقية غير مسبوقة في التاريخ السياسي الحديث لتونس والمنطقة العربية.

وعندما شرع الرئيس التونسي، في تمشيط المشهد من الأحزاب والمنظمات والسياسيين والإعلاميين والمدونين، بالاعتقالات والسجون، ضمن ما يعرف بـ"قضية التآمر على أمن الدولة"، كانت قيادة اتحاد الشغل، تقدم دعمها النقابي والسياسي للرئاسة التونسية، دون أن تفكر لحظة، في أنها يمكن أن تكون بدورها، "قطعة لحم شهية" في توقيت ما، من الزمن السياسي التونسي المعقد.

إعلان

عند هذه اللحظة، ارتفعت أصوات كثيرة من داخل المنظمة النقابية، ومن خارجها، تدعو لعدم الذهاب بعيدا في مساندة "انقلاب قيس سعيد"، واتخاذ مسافة عما يجري في البلاد، من اتجاه يحيل إلى الانفراد بالحكم، وتشييد ما أسموه بـ"السلطة المستبدة"، غير أن القيادة النقابية، صمت آذانها عن هذه الدعوات، طمعا في تحقيق منجزات نقابية للعمال والموظفين المنضوين تحت لواء المنظمة.

ورغم وصف المعارضة النقابية موقف الاتحاد بـ"السقوط السياسي غير المبرر"، فإن المكتب التنفيذي للاتحاد، مضى في موقفه، غير عابئ بهذه التقديرات والتقييمات التي كشفت الأيام والسنون، وجاهتها.

لم يعد ثمة التفاف سياسي حول الاتحاد، بالشكل الذي كان عليه قبل انقلاب عام 2021، أي إن القاعدة السياسية-الحزبية والجمعياتية للاتحاد، تراجعت كثيرا، وهو ما يمنعه من قيادة طيف سياسي واسع

خطوات متسارعة

مضت "ماكينة" النظام، بعكس ما توقعت القيادة النقابية تماما. فألغت الدستور، وأغلقت البرلمان، ورفضت ما تسميه "الأجسام الوسيطة" (الأحزاب والمنظمات والنقابات)، ولم تنجح في تغيير الوضع الاقتصادي والتنموي، ولم تفلح في تفكيك "أخطبوط الفساد"، و"اللوبيات"، كما وعدت، وكرست عزلة النظام عن محيطه الإقليمي والدولي، وأضحت الحريات والديمقراطية "في خبر كان"، بل وجد اتحاد الشغل ذاته، محاصرا بتصريحات الرئيس سعيد، وبتسريبات مكثفة، تتحدث عن "قرب ساعة النقابيين"، بموجب ما تردد عن إمكانية إحالة جزء مهم من قيادته إلى القضاء بتهم الفساد المالي، وسط صمت الاتحاد ورجاله بشكل مثير.

في هذا الخضم المتسارع، قررت السلطة، وقف الشلال المالي، الذي كان يتمتع به اتحاد الشغل، بموجب الاقتطاع الآلي لاشتراكات منخرطي المنظمة من رواتبهم، ما أدخل الاتحاد في أزمة مالية خانقة، حيث تراجعت موارده لما يزيد على 70%، وأدى الأمر إلى إغلاق العديد من المقرات، نتيجة العجز عن سداد الإيجارات، بل إن بعض سيارات المنظمة النقابية، تعرضت للحجز القانوني؛ بسبب المستحقات المالية غير المسددة، كما تم الزج ببعض القيادات النقابية، الجهوية والقطاعية في السجون، بتهم الفساد، وهو ما أرهب نقابيين آخرين، وأحرج القيادة النقابية، التي لم تعد تفهم ما يجري من حولها.

وعلى الرغم من تغيير القيادة النقابية في أعقاب مؤتمر استثنائي عقد بالمنستير في مارس/آذار 2026، حيث جيء بصلاح الدين السالمي، أمينا عاما للاتحاد، فإن موجة "تدجين" الاتحاد، لم تتوقف.

ومارست السلطة، سياسة "سحب البساط" من تحت أقدامه من خلال عدم إشراكه في قرار الزيادة في رواتب العمال والموظفين، وغلق باب الحوار الاجتماعي، واستبعاده من المناقشات حول تعديل قانون العمل (مجلة الشغل)، وإعلان زيادات في أجور المتقاعدين مرتين من دون الإنصات لموقف الاتحاد، والتنكر للاتفاقيات الموقعة بين الحكومة والاتحاد منذ سنوات، وتأجيل إصلاح ملف الصناديق الاجتماعية، الراقد على رفوف الدولة منذ عدة سنوات، بالإضافة إلى تجميد التوظيف في القطاع العمومي، وعدم تفعيل "المجلس الوطني للحوار"، وهي كلها "مجالات حيوية" في عمل المنظمة النقابية ودورها.

إعلان

وكان من تبعات هذه السياسة الحكومية، ولادة أزمة داخل اتحاد الشغل بين القيادة المركزية، وقيادات جهوية وقطاعية، على خلفية ما يصفونه بـ"صمت الاتحاد"، و"برود مواقفه"، واتهام القيادة الحالية، باتباع النهج ذاته الذي سار عليه المكتب التنفيذي السابق، وهذا بالضبط ما راهنت عليه السلطة القائمة: اللعب على التناقضات الداخلية، وتفجير الوضع النقابي من الداخل، بما يضعف المنظمة، ويفقدها ثقة قواعدها التي يبلغ عددها نحو 500 ألف منخرط.

كيف واجهت القيادة النقابية هذا المسار التفكيكي الذي انتهجته السلطة بكل هدوء، ودون أي ضجيج إعلامي؟

يبدو الاتحاد اليوم، كمن يمشي على الجمر: إذا رفع سقف النضال والمواجهة مع السلطة، فسيتعرض للاستهداف، وإذا ما بقي صامتا -كما تتهمه قواعده- فسيفقد دوره الاجتماعي والسياسي. وسيكون النظام قد نجح في تكبيله، دون وضع الأغلال على يدي

إستراتيجية الاتحاد

أربع خطوات قررها المكتب التنفيذي لإحراج نظام الرئيس قيس سعيد، وإجباره على إيقاف تفكيك المنظمة:


* تقديم تصورات وبدائل للأزمة الاقتصادية والاجتماعية، التي كان من تداعياتها، انقطاع الكهرباء والماء عن التونسيين لأسابيع، والذين خرج بعضهم محتجين في المحافظات الداخلية.
* المطالبة الملحة باستئناف الحوار الاجتماعي المعطل من قبل السلطة.
* تشكيل الاتحاد "تنسيقية" تضم رابطة حقوق الإنسان ونقابة المحامين، بالإضافة إلى منظمات أخرى في المجتمع المدني، على غرار منظمة "نفس" الاحتجاجية، ونقابة الصحفيين واليسار الراديكالي؛ بهدف إيجاد ورقة ضغط على السلطة، بالموازاة مع تصاعد تحركات الأحزاب السياسية، وتنامي عدد الغاضبين في البلاد، جراء ارتفاع الأسعار، وانقطاع الماء والكهرباء لفترات متقطعة من اليوم، وعدم توفر المواد المعيشية بالشكل المطلوب.
* بداية تدويل موقف الاتحاد، عبر حضور أمينه العام، اجتماعات "منظمة العمل العربية" بالقاهرة، حيث تحدث بوضوح لا لبس فيه، عن "شيطنة الاتحاد" من قبل السلطة ومعسكرها، و"القطيعة" بينه وبين الحكومة على صعيد المفاوضات، و"التضييق على الحريات"، و"المحاكمات غير العادلة"، وهيمنة الخيار القضائي-الأمني في التعامل مع المعارضين، والزج بهم في السجون والمعتقلات، مشيرا إلى عزم الاتحاد على جر سلطة قيس سعيد إلى "الحوار الوطني"، من أجل "استقلال القضاء"، و"تنقية المناخ العام" في البلاد، وإنهاء الأزمة الراهنة، والشروع في الإصلاح الحقيقي.

ويبدو أن السلطة انزعجت لهذا الخطاب التدويلي للشأن الداخلي التونسي، نظرا لحساسيتها المفرطة من موضوع "الخارج"، غير أنها لا تزال مطمئنة لمسار المنظمة النقابية، لاعتبارات أساسية، أهمها:

الحقيقة الواحدة البادية للعيان، هي أن لا أحد يملك جميع الأوراق بين يديه. الأوراق مبعثرة هنا وهناك، ولحظة تجميعها لم تحن بعد. وحده الزمن السياسي في تونس، قادر على تغيير الوضع نحو بوصلة لا يعرف أحد اتجاهها

سيناريو السلطة


* أنها تعاني أزمة ثقة في صفوفها، بما يجعل تحركاتها، تواجه اعتراضا من هياكل نقابية داخلية، خصوصا ما يعرف بـ"المعارضة النقابية"، التي تتهمها القيادة النقابية، بالتعاون مع السلطة، لضرب وحدة الاتحاد، التي تعد مصدر قوته، وملجأ النقابيين في جميع الصراعات والمعارك التي يخوضها.
* ترهل القواعد النقابية، وعدم استعدادها لكي تكون "حطب" معارك القيادة النقابية.
* الخلافات داخل اليسار السياسي-الحزبي، ستنعكس على المكونات النقابية التابعة لها، بما يفقد الاتحاد الانسجام المطلوب في مواقعه، لا سيما أن غالبية النقابات، ذات انتماءات يسارية أو قومية ماركسية واضحة.
* أن ضغوط المنظمات النقابية، الإقليمية والدولية (منظمة العمل العربية و"سيزل"، وغيرهما.)، لا تؤثر في قرارات السلطة، التي تعتبر أي تدخل من قبلها، مساسا بالسيادة الوطنية.
* لم يعد ثمة التفاف سياسي حول الاتحاد، بالشكل الذي كان عليه قبل انقلاب عام 2021، أي إن القاعدة السياسية-الحزبية والجمعياتية للاتحاد، تراجعت كثيرا، وهو ما يمنعه من قيادة طيف سياسي واسع. وتعمل سلطة قيس سعيد جاهدة، على منع التحام الاتحاد بالمحيط السياسي؛ لأن ذلك سيجعل النظام في وضع الفاقد لأي مشروعية سياسية وشعبية، وسيوسع من دائرة معارضيه. لذلك تراقب السلطة حراك اتحاد الشغل، بعيون لا تعرف النوم، فذلك خط أحمر، ممنوع الاقتراب منه.
إعلان

والحقيقة، أن المنظمة النقابية، لم تخرج من دوامة السياسي، منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011، ما جعل عالم الاجتماع التونسي، هشام الحاجي، المتابع للشأن النقابي منذ نحو 40 عاما، يؤكد أن "من الأخطاء الجسيمة للاتحاد، أن قيادته قرأت ما بعد 14 يناير/كانون الثاني 2011، بشكل خاطئ، من خلال محاولة الاستحواذ على جانب كبير من الحقل السياسي. واستخدم شعار "الاتحاد أكبر قوة في البلاد"، واصفا ذلك بـ"الشعار المخادع"، الذي أوصل المنظمة إلى وضعها الراهن، وفق تقديره.

لقد اصطدم الاتحاد تاريخيا مع السلطة، في أحداث عام 1978، ولاحقا فيما يُعرف بـ"ثورة الخبز"، أو "الخميس الأسود" (عام 1984)، إلى جانب أحداث "الحوض المنجمي" (عام 2008)، وخضع مع انقلاب الرئيس الراحل زين العابدين بن علي على بورقيبة (7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987)، إلى عملية جراحية، أزيح الزعيم النقابي، الحبيب عاشور بموجبها، وتم تنصيب إسماعيل السحباني، رئيسا للمنظمة، قبل إزاحته بدوره في عام 2000، بتهمة الفساد المفبركة.

وفي كل هذه المعارك، كانت السلطة هي التي تمسك بخيوط اللعبة، مع الإبقاء على الاتحاد، ضمن سياق من القوة المحسوبة.

ويبدو الاتحاد اليوم، كمن يمشي على الجمر: إذا رفع سقف النضال والمواجهة مع السلطة، فسيتعرض للاستهداف، وإذا ما بقي صامتا -كما تتهمه قواعده- فسيفقد دوره الاجتماعي والسياسي. وسيكون النظام قد نجح في تكبيله، دون وضع الأغلال على يديه.

وضع ضبابي معقد

في المحصلة، لا يبدو الاتحاد اليوم، بخير. وكلما كانت المنظمة النقابية في أزمة، كان ذلك مفتاحا لمزيد من الانفراد بالحكم، وتراجع الحريات، لا سيما في ظل معارضة ضعيفة ومشتتة، تهيمن عليها الاختلافات والتناقضات، وتكبلها صراعات الماضي، وحسابات الحاضر الخاطئة.

لكن المنظمة النقابية، بما يتوفر لها من زخم تاريخي كبير، وتقاليد في مواجهة السلطة، والقدرة على الخروج من الأزمات بأقل الأضرار، قادرة على أن تقفز من السفينة في الوقت المناسب الذي كان دائما يفاجئ الجميع، سلطة ومعارضة.

كان الزعيم النقابي الوطني، الشهيد فرحات حشاد، مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل، في يناير/كانون الثاني 1946، يقول لرفاقه النقابيين قولته الشهيرة: "هذه المنظمة لن تموت.. ومن يعد لها نعشها، سيُرفع فيه هو، على الأكتاف".

السلطة لا تريد للمنظمة أن تموت. لكنها لا تريدها قوية وفاعلة. والأحزاب تحرص على أن تستظل بخيمة الاتحاد، والإسلاميون، الرقم غير المعلن في معادلة الوضع العام، يتلذذون بما يحصل للاتحاد، لكنهم لا يشاركون السلطة سطوتها عليه، وفي كل هذه الأجواء التي تخيم على تونس، تبدو البلاد أمام وضع ضبابي غير مسبوق في تاريخها.

الحقيقة الواحدة البادية للعيان، هي أن لا أحد يملك جميع الأوراق بين يديه. الأوراق مبعثرة هنا وهناك، ولحظة تجميعها لم تحن بعد. وحده الزمن السياسي في تونس، قادر على تغيير الوضع نحو بوصلة لا يعرف أحد اتجاهها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا