في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مراكش- من أعالي جبال الجماعة الترابية في تهلوانت بإقليم الصويرة، يواصل المرشح للانتخابات التشريعية أحمد أحرشان حملته الانتخابية، وعينه على نتائج اقتراع 23 سبتمبر/أيلول الجاري. بسترة بيضاء وقبعة تحملان شعار حزب "الأمل"، يحاول هذا الشاب الثلاثيني أن يصل بسيارته الخاصة إلى أبعد نقطة في دائرته الانتخابية الممتدة على مساحة شاسعة.
لمن يتابع حركته، يبدو المشهد بسيطا، وفرص الفوز بمقعد غير معروفة، لكنه ينقل جزءا من الحملة الانتخابية من أماكنها المعتادة في المدن الكبرى، بعيدا عن المنصات والأضواء، وقريبا من الأسئلة التي يعيشها الناس يوميا.
يقول أحمد، للجزيرة نت، إنه الشاب الوحيد الذي يترأس لائحة انتخابية في دائرته، ويخوض المغامرة أمام وجوه مألوفة، بلا مقعد سابق ولا تجربة انتدابية، وهدفه "زرع الأمل في المواطنين، خاصة الشباب منهم، من أجل التغيير المنشود".
وتمثل الفئة العمرية الواقعة بين 18 و24 سنة 4% فقط من عدد المسجلين (نحو 15,8 مليونا)، مقابل 15% لفئة ما بين 25 و34 سنة، في حين تتجاوز نسبة من تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر 29%، حسب المعطيات الرسمية.
ويتنافس في الاستحقاقات التشريعية 27 حزبا، للفوز بـ395 مقعدا، ويبلغ عدد لوائح الترشيح 1850 لائحة، تضم 7288 ترشيحا، بمعدل يفوق 18 ترشيحا لكل مقعد. أما الدوائر المحلية فتضم 1615 لائحة و5505 مترشحين ومترشحات.
تحاول المنظومة الانتخابية في المغرب تعزيز حضور الشباب من خلال آليات للدعم المالي لفائدة لوائح الترشيح التي تضم مترشحات ومترشحين لا تزيد أعمارهم على 35 سنة، كما ينص النظام الجديد على رفع الدعم المالي الممنوح لكل مقعد يفوز به شاب في الدوائر الانتخابية المحلية إلى 6 أضعاف المبلغ المخصص لباقي الترشيحات.
لكن هذه التحفيزات لا تنعكس بوضوح على حضور الشباب في صدارة اللوائح، وفق ما يظهر من معاينة لوائح الترشيح وشهادات مرشحين وأكاديميين تحدثوا للجزيرة نت. وفي غياب أرقام رسمية تفصيلية تحدد نسبة الشباب بين المترشحين وفي صدارة اللوائح، تتقاطع هذه الشهادات حول استمرار محدودية حضورهم، رغم الآليات المالية التي أقرتها المنظومة الانتخابية.
ويضع أستاذ العلوم السياسية عبد الحفيظ اليونسي هذه الفجوة بين التحفيزات والواقع في إطار أوسع يتعلق بالشروط المناسبة للترشح، ويقول للجزيرة نت إن حضور الشباب في اللوائح المحلية للأحزاب يظل ضعيفا، بالرغم من التحفيزات التي حفل بها القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، وخصوصا ذات الطابع المالي.
وهي الملاحظة نفسها التي ترصد في لوائح المستقلين، التي يكاد ينعدم فيها حضور الشباب، بسبب شروط يصفها اليونسي بأنها "تعجيزية"، في مقدمتها اشتراط عدد ونسب محددة من توقيعات الناخبين لتقديم الترشح.
على امتداد إقليم الصويرة، يحاول أحرشان الوصول إلى السكان في مناطق مختلفة، ويقول إن تجربته خلال الحملة الانتخابية أظهرت له أن "الساكنة تتوق للتغيير"، لكنه يقر بأن التحدي ما زال قائما. ويضم إقليم الصويرة 57 جماعة ترابية، لكل واحدة منها ظروفها وحاجاتها المحلية.
وشهد أحمد خلال جولاته الحاجة إلى تعميم خدمات الماء الصالح للشرب، وتعزيز الخدمات الصحية، ودعم العمل الجمعوي. ويضيف أن ترشحه يأتي أيضا في سياق الحاجة إلى "تشبيب العمل الانتدابي".
وتقول رجاء ميسو، المرشحة عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدائرة أكادير إداوتنان، للجزيرة نت إن ترشيحها "لم يكن وليد المصادفة، بل تتويجا لمسار نضالي متواصل، ودينامية تنظيمية راسخة" داخل الحزب، مرورا بالعمل الجمعوي والشبيبي، وصولا إلى مهامها الحالية في عدد من المؤسسات الحزبية والمنتخبة.
وتشير رجاء إلى صعوبات تواجه الشباب عموما، من بينها "هيمنة الأعيان وطبقة رجال الأعمال وارتفاع تكلفة الحملات الانتخابية"، إضافة إلى ثقافة سياسية تعطي، بحسب تقديرها، الأسبقية للأقدمية الحزبية والخبرة الميدانية.
وفي هذا السياق، يقول نوح أعراب، المرشح الاتحادي بدائرة تيزنيت، للجزيرة نت إنه يخوض الانتخابات باعتبارها "مهمة نضالية وترشيحا سياسيا"، ويرى كذلك أن الشباب يواجه صعوبة في تحقيق تكافؤ الفرص خلال الحملة الانتخابية.
وتتقاطع هذه الشهادات الميدانية مع تشخيص اليونسي الأكاديمي، إذ يرى أن الأحزاب السياسية بالمغرب تعرف "ظاهرة الكهولة أو الشيخوخة" على مستوى بنيتها الديمغرافية، ويعتبر أن ذلك يهدد حضور الشباب ووظائف الأحزاب، ويربط هذه الملاحظة بما يسميه غياب "رهانات حقيقية" تهم الشباب، وفي مقدمتها التعليم والصحة والتشغيل والترفيه.
ويمتد موضوع ترشح الشباب إلى مضمون البرامج الانتخابية نفسها، وإلى الطرق التي تصل بها هذه البرامج إلى الشباب. يقول أستاذ التعليم العالي الحسن بولعسير، للجزيرة نت، إن قضايا تمكين الشباب وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم تتصدر سلم الأولويات في البرامج الانتخابية.
ويميز بولعسير في قراءته بين توجهات حزبية تعالج هذه الملفات بمنطق الاستثمار، وأخرى تشدد على العدالة الاجتماعية وحماية المرفق العمومي. ويربط تنفيذ هذه البرامج بـ "دمقرطة المرافق العمومية" و"ربط المسؤولية بالمحاسبة"، محذرا من أن تتحول التعاقدات مع الناخبين إلى "مجرد تصريحات غير ملزمة".
وتحضر القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة والتشغيل في النقاش الانتخابي لدى الشباب، إلى جانب الحاجة إلى الإنصات لصوتهم. ويجسد زكريا (29 سنة)، وهو موظف وطالب جامعي من سطات، هذا الانشغال، إذ يضع القدرة الشرائية وارتفاع الكلفة المعيشية في صدارة انتظاراته، داعيا إلى الاهتمام بدعم الفلاحين والأمن الغذائي.
أما فيما يخص طريقة الوصول إلى الشباب، فتحاول ميسو مواجهة هذه العوائق من خلال التواصل المباشر مع الناخبين، مستعينة بمنصات التواصل الاجتماعي لنشر برنامجها الانتخابي ومخاطبة الشباب، إلى جانب تنظيم لقاءات حوارية في الأحياء والمداشر تتيح الإنصات إلى مطالبهم مباشرة. وتضيف أن الهدف من ذلك كله هو التعامل مع الشباب باعتبارهم "صناع قرار وقادرين على التغيير من داخل المؤسسات"، وليس فقط كتلة من الناخبين.
وفي مقابل هؤلاء المرشحين الذين يطلبون الثقة، يقف ناخبون شباب تباينت مواقفهم في تصريحات للجزيرة نت.
ففي الحوز، يذكر التاجر إبراهيم (22 سنة) أن أوراقه الانتخابية جاهزة، لكنه لم يقرر بعد لمن سيصوت. يقول "لم أحدد لمن سأصوت، أنا وعائلتي"، ثم يضيف سائلا باختصار: "فيمن سأثق؟" ولا يتوقف تردده عند عدم اختيار حزب بعينه، إذ ينتقد أيضا وجود مرشحين لا ينتمون إلى المنطقة، ويقول إن بعض وكلاء اللوائح "لا يقيمون بيننا".
في المقابل، يرى عبد الإله (35 سنة)، وهو مقاول من تارودانت، إن الانتخابات تمثل "محطة حاسمة في المسار الديمقراطي بالمغرب"، وفرصة لتصحيح المسار. وبنبرة أكثر تفاؤلا، تقول وئام (21 سنة)، وهي طالبة من الناظور، إنها تنتظر من هذه الانتخابات تغييرا فعليا في حياة الشباب اليومية.
هذه الشهادات الفردية لا تعكس موقفا موحدا للشباب من الانتخابات، لكنها تكشف تنوع العلاقة بين الناخب الشاب والعملية الانتخابية.
ولأن وجود مرشحين شباب في اللوائح لا يعني تلقائيا أن الناخبين الشباب سيصوتون لهم، كما أن التردد في اختيار حزب لا يعني بالضرورة رفض المشاركة، فإن الموقف من الانتخابات يتأثر بعوامل مختلفة، من القرب من المرشح إلى مضمون البرنامج ومستوى الثقة في المؤسسات، كما يقول بولعسير.
ومن الزاوية نفسها، يدعو أعراب الناخبين إلى التصويت على أساس الكفاءة والنزاهة، في محاولة للمساهمة في محاربة سلوكيات مرفوضة قد تشوب العملية الانتخابية.
في الصويرة، كما في مناطق أخرى، سيحدد الاقتراع أسماء من يصلون إلى البرلمان، لكن الحوافز المالية وحدها لا تحسم شروط الحضور السياسي للشباب. فبين كلفة الحملات، وبنية الأحزاب، وشروط الترشح، وشبكات النفوذ المحلية، تظل قدرة الشباب على الوصول إلى المؤسسات مرتبطة أيضا بمواقعهم داخل التنظيمات السياسية وبمدى قدرتهم على بناء علاقة ثقة مع الناخبين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة