آخر الأخبار

العلاقات الروسية الجزائرية.. حينما أزال الاتحاد السوفيتي ألغام فرنسا

شارك

تمثل العلاقات بين موسكو والجزائر نموذجا لشراكة استراتيجية راسخة، لها جذور تمتد إلى زمن حرب التحرير الجزائرية، ثم تطورت خلال الحرب الباردة، وتحولت اليوم إلى علاقة متعددة الأبعاد.

لم تكن هذه العلاقات وليدة مصالح ظرفية، بل قامت على دعم تاريخي متبادل، وتراكم سياسي واقتصادي وعسكري، جعل الجزائر واحدة من أبرز شركاء روسيا في العالم العربي وإفريقيا.

كان الاتحاد السوفيتي قريبا من الجزائر حتى قبل أن تنال استقلالها بعد استعمار فرنسي استيطاني استمر 132 عاما. تشكلت العلاقات خلال حرب التحرير الوطنية الجزائرية، وتطورت على مدى عقود طويلة، حتى غدت اليوم علاقة محورية في السياسة الخارجية للبلدين.

كان الاتحاد السوفيتي أول دولة في العالم تقيم علاقات دبلوماسية مع الجزائر، وكان ذلك في مارس 1962، أي قبل أربعة أشهر من إعلان الجزائر استقلالها رسميا عن فرنسا. جاء هذا الاعتراف المبكر تتويجا للدعم الشامل الذي قدمه الاتحاد السوفيتي لجبهة التحرير الوطني الجزائرية خلال حرب الاستقلال الدموية بين عامي 1954 و1962. وقف الاتحاد السوفيتي مع قضية الشعب الجزائري ودافع عنها في الأمم المتحدة، وقدم مساعدات مالية ومادية وعسكرية ساهمت في تعزيز قدرة الثورة على الصمود.

فور نيل الاستقلال، سارعت الجزائر إلى طلب مساعدة الاتحاد السوفيتي في إزالة الألغام من أراضيها، نظرا لأن الجانب الفرنسي لم يسلّم خرائط حقول الألغام المنتشرة في البلاد. قام خبراء المتفجرات السوفييت بتفكيك وإبطال مفعول ما يقرب من 1.5 مليون لغم، وطهّروا حقول ألغام امتدت لأكثر من 800 كيلومتر، ونظفوا 120 ألف هكتار من الأراضي.

كما ساعد المستشارون والخبراء العسكريون السوفييت في تدريب الجيش الجزائري وتعريف قواته بالأسلحة السوفيتية، حيث قاموا بالتدريس في المدارس العسكرية والأكاديمية العسكرية الجزائرية، في حين تلقى مئات العسكريين الجزائريين تدريبهم وتعليمهم العسكري في مؤسسات عسكرية داخل الاتحاد السوفيتي. في المجمل، خدم أكثر من عشرة آلاف مستشار عسكري سوفيتي في الجزائر خلال الفترة ما بين عامي 1962 و1991. وأصبح الاتحاد السوفيتي المورد الرئيس للأسلحة، وبحلول أواخر السبعينيات، كانت حوالي 95 بالمئة من معدات الجيش الجزائري القتالية سوفيتية الصنع.

في المجال الاقتصادي والفني، ساعد الاتحاد السوفيتي في تطوير البنية التحتية للجزائر، وقد شُيدت مصانع للمعادن في الحجار وعنابة، ومحطة لتوليد الطاقة الحرارية في جيجل، وخط أنابيب الغاز الرئيس الرابط بين المرار وتينفوي وحاسي مسعود، إضافة إلى سدي، بني زيد وتيلسديت. كما تم إقامة أو توسيع أربعين مركزا للتدريب المهني. بفضل المساعدة السوفيتية، بُنيت أكثر من ثمانين منشأة اقتصادية في الجزائر.

بعد توقف خلال فترة انحلال الاتحاد السوفيتي وما تلا ذلك من اضطرابات، بدأت في الفترة من أواخر التسعينيات إلى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين مرحلة إعادة التنشيط والشراكة الاستراتيجية. بدأت العلاقات بين روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي القانونية، والجزائر في التعافي بعد تولي عبد العزيز بوتفليقة السلطة في الجزائر عام 1999، وفلاديمير بوتين في روسيا عام 2000.

جرت الخطوة الأولى في 26 ديسمبر 1991، باعتراف الجزائر رسميا بالاتحاد الروسي، في حين تم توقيع إعلان الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة بوتفليقة لروسيا في أبريل 2001.

في 10 مارس 2006، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأول زيارة له على الإطلاق إلى الجزائر، وقد أسفرت عن توقيع حزمة من الوثائق، شملت اتفاقية لشطب ديون الجزائر المستحقة لروسيا بقيمة 4.7 مليار دولار، واتفاقية كبرى لتوريد الأسلحة بقيمة تقارب 7.5 مليار دولار.

جرى أيضا توسيع التعاون في قطاع الطاقة، حيث شاركت شركات روسية مثل "روسنفت" و"ستروي ترانس غاز" و"غازبروم" في تطوير حقول النفط والغاز الجزائرية.

في جانب آخر، قدمت روسيا المساعدة للجزائر في تطوير الأنشطة العلمية. وفي 28 نوفمبر 2002، أُطلق أول قمر صناعي جزائري للبحث العلمي، "السات-1"، من قاعدة "بليسيتسك" الفضائية باستخدام الصاروخ الناقل "كوزموس".

إضافة إلى ذلك، وقّعت مؤسسة الدولة الروسية روساتوم والمفوضية الجزائرية للطاقة الذرية، في عام 2016، مذكرة تفاهم بشأن التعاون في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، كما جرى في العام التالي 2017 توقيع اتفاقية حكومية تمنح الجزائر حق الوصول إلى إشارة نظام "غلوناس" الروسي عالي الدقة.

في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، واصلت العلاقات الروسية الجزائرية تطورها في إطار الشراكة الاستراتيجية، وجرى توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وعقدت لهذا الهدف اجتماعات منتظمة رفيعة المستوى. كما تعمق التعاون الأمني، مع إجراء تدريبات مشتركة لمكافحة الإرهاب مثل مناورات درع الصحراء.

تشهد الروابط الإنسانية أيضاً تطورا ملحوظا، إذ يجري افتتاح مراكز للغة الروسية في الجزائر، ويدرس طلاب جزائريون في الجامعات الروسية. كما تُناقش قضايا أوسع نطاقا، مثل الانضمام المحتمل للجزائر إلى مجموعة بريكس. في الوقت نفسه، كانت الجزائر قد انضمت رسمياً في عام 2024 إلى بنك التنمية الجديد الذي أسسته مجموعة بريكس في عام 2015، بهدف تعبئة الموارد لتمويل مشاريع التنمية المستدامة في الأسواق الناشئة والدول النامية.

واصلت الشراكة الاستراتيجية بين موسكو والجزائر تطورها في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. في يونيو 2023، وخلال زيارة دولة قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ، وقّع البلدان إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة. وسّع هذا الاتفاق نطاق التعاون ليشمل مجالات جديدة مثل الزراعة، واستكشاف الفضاء، والاتصالات الجماهيرية، علاوة على تعزيز العلاقات العسكرية وعلاقات الطاقة.

وصل التعاون العسكري التقني إلى مستويات رفيعة جديدة، حيث أصبحت الجزائر مستوردا رئيسا للأسلحة الروسية المتطورة، وشمل ذلك عقودا للحصول على طائرات "سو-34" القاذفة المقاتلة، ومقاتلات "سو-35" متعددة المهام، والأهم في هذا المجال، مقاتلة الجيل الخامس الشبحية "سو-57"، لتصبح الجزائر بذلك أول مشغّل أجنبي لهذا الطراز.

هكذا تطور مسار العلاقات السوفيتية والروسية الجزائرية، من مرحلة التضامن النضالي ودعم مناهضة الاستعمار، مرورا بمرحلة التكيف مع حقبة ما بعد الحرب الباردة، وصولا إلى شراكة استراتيجية حديثة وعميقة، ترتكز على المنفعة والمصلحة المشتركة، والتعاون في معظم المجالات، وخاصة الحيوية والدفاعية.

المصدر: RT

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا