يتوجه المغاربة بعد غدِ الأربعاء (23 سبتمبر/أيلول) إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 395 عضواً في مجلس النواب، في انتخابات تشريعية يتنافس فيها 27 حزباً سياسياً، وسط أجواء هادئة نسبياً وانتقال متزايد للحملات الانتخابية إلى الفضاء الرقمي مقارنة باقتراع 2021.
ومنذ انطلاق الحملة الانتخابية في 10 سبتمبر/أيلول، يسعى أكثر من سبعة آلاف مرشح إلى استقطاب أصوات نحو 16 مليون ناخب، تمهيداً لتشكيل مجلس نواب ستنبثق عنه حكومة جديدة لولاية تستمر خمسة أعوام.
غير أن المشاركة الشبابية لا تزال محدودة، إذ لا تتجاوز نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية 15 بالمئة بين من تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً، و4 بالمئة فقط بين الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاماً.
يرى مراقبون أن الانتخابات تجرى في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة، ما يضع الأحزاب أمام اختبار تقديم حلول مقنعة لقضايا المعيشة والتشغيل، في وقت يظل فيه العزوف الانتخابي أحد أبرز التحديات.
وقال أستاذ العلوم السياسية محمد شقير إن الرهانين الأساسيين لهذه الانتخابات يتمثلان في "استعادة ثقة الناخبين، خصوصاً الشباب، في العمل السياسي، وإفراز نخبة نزيهة".
من جهته، قال محمد الغواطي، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الانتخابات قد تستجيب لجزء من تطلعات المواطنين، لكنها لا تستطيع بمفردها حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
وأضاف أن التحدي لا يقتصر على تشكيل أغلبية حكومية جديدة، بل يشمل أيضاً إعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة من خلال تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس.
وتبقى نسب المشاركة موضع قلق للأحزاب والفاعلين السياسيين. فبحسب تقرير للمركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، بلغت نسبة المشاركة الرسمية في انتخابات 2021 نحو 50.35 بالمئة من الناخبين المسجلين.
ويرى الباحث في العلوم السياسية محمد شهبي أن التقلبات الكبيرة في نتائج الأحزاب بين دورة انتخابية وأخرى تعكس اتجاهاً نحو "التصويت العقابي" ضد الأحزاب الحاكمة أكثر من كونه دعماً لبرامج سياسية مستقرة، ما يساهم في تغذية العزوف الانتخابي.
تتصدر الملفات الاقتصادية الحملة الانتخابية ، في ظل استمرار القلق بشأن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما بين الشباب.
وعلى الرغم من تحقيق الاقتصاد المغربي نمواً بنحو 5 بالمئة العام الماضي، وتنفيذ مشاريع كبرى استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، فإن ذلك لم ينعكس بصورة كافية على سوق العمل.
ووفق البيانات الرسمية، بلغ معدل البطالة 9.5 بالمئة خلال الربع الثاني من عام 2026، فيما تجاوز 27 بالمئة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً.
ويرى محللون أن صعوبة الحصول على عمل ودخل مستقر تجعل كثيراً من الوعود الانتخابية أقل تأثيراً لدى الشباب، بينما يؤكد المحلل الاقتصادي أمين سامي أن استعادة الثقة تتطلب برامج واضحة وقابلة للتنفيذ، وإشراكاً أكبر للشباب في صنع السياسات العامة ومراقبة تنفيذ الوعود الانتخابية.
يسعى حزب التجمع الوطني للأحرار، بقيادة رئيس الحكومة عزيز أخنوش ، إلى الاحتفاظ بموقعه في الصدارة، فيما يبرز حزب الأصالة والمعاصرة باعتباره أحد أبرز المنافسين بعد انضمام الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع إلى صفوفه.
ويكتسب السباق أهمية خاصة لأن العاهل المغربي يكلّف رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات.
ويرجح مراقبون أن ينحصر التنافس على الصدارة بين أحزاب الأغلبية الحالية، وهي التجمع الوطني للأحرار و الأصالة والمعاصرة والاستقلال ، في حين يحظر القانون المغربي نشر استطلاعات الرأي الانتخابية.
في المقابل، دعت جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي العمالي إلى مقاطعة الانتخابات، معتبرين أن شروط المنافسة الديمقراطية وضمانات الحريات العامة لا تزال غير كافية.
وقالت جماعة العدل والإحسان إن الانتخابات بصيغتها الحالية لم تنجح في نقل المغرب إلى "أفق الديمقراطية والحرية والعدل"، معتبرة أن ذلك أسهم في توسيع دائرة العزوف عن المشاركة السياسية.
وبين رهانات الاقتصاد ومعضلة الثقة وتنافس الأحزاب على قيادة الحكومة المقبلة، تمثل انتخابات الأربعاء اختباراً جديداً لقدرة الطبقة السياسية المغربية على إقناع الناخبين بأن صناديق الاقتراع قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية.
مراجعة: خالد سلامة
المصدر:
DW