آخر الأخبار

ابن خلدون في حرب إيران.. لماذا لا تكفي القوة لهزيمة الدول؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يقول جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو، إنه لا توجد نظرية واحدة قادرة على تفسير كل ظواهر العلاقات الدولية مهما بلغت من قدرة تفسيرية. لذلك، ورغم انحيازه للمدرسة الواقعية، فإن كتابه عن اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية ركز على تحليل وفهم الاختيارات "غير الرشيدة" للولايات المتحدة في سياساتها الخارجية، على خلاف ما تدعو إليه النظرية الواقعية في العلاقات الدولية من أن سلوك الدول هو استجابة لبنية النظام الدولي والتهديدات والفرص القادمة منه والتوازنات القائمة داخله.

وبالنظر إلى حرب إيران، يمكن القول إن الإسهام الرئيسي لها أكاديميا هو إعادة الاعتبار لهذا المذهب التحليلي، خاصة بعد ما كشفته الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز حول كواليس اتخاذ قرار بدء الحرب ودور رئيس الوزراء الإسرائيلي واللوبي الصهيوني في هذا القرار. هذا التأثير الإسرائيلي في القرار الأمريكي لم يتوقف عند لحظة بدء الحرب بل إنه أثر في مراحل الصراع الممتدة إلى الآن.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 عبد الرحمن السيد وأوشا فانس.. كيف تعيد أمريكا تعريف نفسها؟
* list 2 of 2 معركة بلا رصاص.. هل سقطت تايوان في فخ الأناكوندا؟ end of list

في هذا السياق، فإن إعادة النقاش حول تراث ابن خلدون وإسهامه في النظرية الدولية يفرض نفسه بشدة، حيث إن إسهامه الرئيسي لم ينحصر في تقديم مفهومه عن قوة الدول وعوامل تماسكها وبقائها من فنائها في مواجهة التحديات التي تواجهها، بل امتد لرؤية العالم دون الحواجز النظرية في العلاقات الدولية بين الداخل والخارج، فشمل الظاهرة السياسية بجميع أبعادها الاجتماعية والاقتصادية. وهذا أحد الأركان التي استندت إليها مدرسة القاهرة في منظورها، وهي مشروع بحثي تراكم عبر عقود لتأسيس إطار معرفي ومنهجي لفهم السياسة العالمية من منظور إسلامي حضاري.

"من المهم إعادة طرح أفكار ابن خلدون حول الدول وسلوكها واختبار قوتها التفسيرية في العصر الحالي"

يطرح هذا المقال عدة أفكار لابن خلدون عن الدول وسلوكها ويحاول تطبيقها على حرب إيران لنرى مدى القوة التفسيرية لأفكاره في عصرنا هذا. ورغم وفرة الأفكار السياسية الأصيلة لابن خلدون عن الدول والأمم ووظائف الدولة والنخب وبناء القوة، فإنه ظل محصورا لقرون في عالمنا العربي والإسلامي، كما اختزل إرثه في العالم الغربي، في خانة المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع. وفي النهاية، فإن عدد من اهتموا بإسهامه في مجال العلاقات الدولية محدود، ومنهم روبرت كوكس ومصطفى كمال باشا ونادية مصطفى، وقد انطلق كل منهم من أرضية مختلفة في تناوله للإسهام الخلدوني، ولكنهم جميعا اتفقوا على نقد حقل العلاقات الدولية في وضعه الراهن.

مصدر الصورة من المهم إعادة النقاش حول تراث ابن خلدون وإسهامه في النظرية الدولية الحديثة (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

التراث وواقعنا المعاصر

قد يتساءل البعض عن جدوى العودة إلى التراث الفكري لحضارتنا في الأزمات الراهنة، خاصة أن المفكرين السابقين كانوا يواجهون عصورا شديدة الاختلاف عما نواجهه اليوم من عدة أبعاد، وعلى رأسها التكنولوجيا وموازين القوى. والإجابة عن ذلك هي أن العودة إلى الأفكار الكبرى في التراث والاسترشاد بها في الأزمات الحديثة هي عادة إنسانية في جميع الحضارات.

إعلان

على سبيل المثال، خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة إلى الصين في مايو/أيار الماضي، استدعى الرئيس الصيني شي جين بينغ مفهوما تاريخيا وحذر من الوقوع فيه، مشيرا إلى ما يُعرف بـ"فخ ثيوسيديدس" (المؤرخ الإغريقي الشهير)، وهو مصطلح في العلاقات الدولية بات يصف النزعة نحو الحرب عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة مهيمنة قائمة.

ثيوسيديدس هو أشهر من كتب عن الحرب البيلوبونيسية الإغريقية (بين أثينا وإسبرطة)، التي وضعت الأساس الحالي للنظرية الواقعية في العلاقات الدولية، واستدعاه غراهام أليسون في كتابه "حتمية الحرب: هل تستطيع أمريكا والصين الهروب من فخ ثيوسيديدس؟". وبالمثل، فإن العديد من باحثي العلاقات الدولية استرشدوا بأفكار نيقولا ميكافيللي في إطار ذات المدرسة، بينما اهتم رواد المدرسة الليبرالية بإسهامات مفكرين مثل إيمانويل كانط لتأسيس نظرية السلام الديمقراطي التي تتنبأ بأن يسود السلام بين النظم الدستورية. إذن، فهو تقليد راسخ ومتبع في حقل العلاقات الدولية، والقراءة في التراث الخلدوني ليست استثناء بل هي امتداد لهذا التقليد.

الدور الإسرائيلي

كشف تقرير نيويورك تايمز عن الدور المحوري لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد السابق دافيد برنياع في إقناع الرئيس الأمريكي ترمب باتخاذ خطوة الحرب، على قاعدة أنها ستكون حربا سريعة قوية تبدأ بقطع رأس القيادة الإيرانية، مما سيشجع المعارضة الإيرانية الداخلية على الانقضاض على النظام وإسقاطه خلال فترة قصيرة. ورغم معارضة أجهزة الأمن الأمريكية لهذا السيناريو وتشكيكها فيه، فإن الرئيس الأمريكي قرر الأخذ بمشورة رئيس الوزراء الإسرائيلي وأجهزته.

يعتقد عدد من المحللين أن موقف الرئيس الأمريكي تأثر كذلك بحالة التفاؤل المسيطرة عليه منذ نجاح عملية "اختطاف" الرئيس الفنزويلي في يناير/كانون الثاني 2026، واقتياده للمحاكمة في الولايات المتحدة، وفرض واشنطن وصايتها السياسية عمليا على كراكاس من ذلك الحين. هناك سبب آخر يُرجَح أن الرئيس ترمب استند إليه في هذه الحرب، وهو حاجته إلى إنجاز كبير في ظل تعثر أغلب وعوده بشأن تحسين الأوضاع الاقتصادية منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي.

وبالتالي، يمكن إسناد قرار الحرب إلى مزيج من أسباب داخلية تشمل الوضعية الاستثنائية للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وتأثيره في القرار الأمريكي، وصورة الرئيس أمام أنصاره والرغبة في تحقيق إنجاز سريع، في حين غابت عن القرار الاعتبارات الإستراتيجية لجدوى الخطة الأمريكية، وتأثير ذلك في القدرات الأمريكية العسكرية في مواجهة الصين، وكذلك احتمالية التأثير في الاقتصادين الأمريكي والعالمي. الأمر الذي يمكن معه القول إن الإسهام الرئيسي للحرب على إيران أكاديميا هو إعادة الاعتبار لدور العوامل الداخلية في تحديد سلوك الدول خارجيا.

"الإسهام الرئيسي للحرب على إيران أكاديميا هو إعادة الاعتبار لدور العوامل الداخلية في تحديد سلوك الدول خارجيا"

ولقد رأى ابن خلدون في قراءته لتاريخ الأمم التي سبقته سلوك الدول الخارجي في أغلبه انعكاسا ومرآة لأوضاعها الداخلية، متحررا من أي فصل نظري بين الداخل والخارج وناظرا إلى الظاهرة السياسية في شمولها كجزء من الظاهرة المجتمعية. وفي تحليله لهذه الظاهرة، كان تركيزه منصبا على النخب أو أولي الأمر من أصحاب السلطة. فبغض النظر عن طبيعة النظام السياسي (طبيعة الملك) كان سلوك الدولة الخارجي بيد النخبة في تصريفها لشؤون البلاد والعباد.

إعلان

لقد رصد ابن خلدون خمسة أبعاد للسلوك الخارجي للدولة، ربط فيها بين طبيعة نشأتها وسلوكها، أولها دور الدين في قوة الدولة، وثانيها القدرة على التوسع خارجيا ومواجهة عدو أكثر قوة وعددا، وثالثها القدرة على توحيد الناس تحت لواء الإسلام في دولة واحدة، ورابعها أسباب انحسار التوسع، وخامسها دوافع الحروب وأنماطها. ومن هذه الأبعاد نستطيع التركيز على ثلاثة وتطبيقها على حرب إيران، وهي دور الدين في تشكيل قوة الدولة، وأسباب انحسار توسع الدول، وأخيرا دوافع الحروب وأنماطها.

مصدر الصورة تقرير نيويورك تايمز كشف دور رئيس الوزراء الإسرائيلي والموساد في إقناع الرئيس الأمريكي بالحرب (الأناضول)

الدين وقوة الدولة

عبر الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة على مدار الحرب عن دهشته من عدم استسلام الإيرانيين بالرغم من الحشود الأمريكية العسكرية ما قبل الحرب، ثم القضاء على كامل القيادة الإيرانية في الساعات الأولى للحرب، وأخيرا تدمير البحرية الإيرانية وفق قوله. وكشف تقرير لموقع أكسيوس في أغسطس/أب الماضي النقاب عن محاولة أمريكية للتواصل مع قيادة الحرس الثوري الإيراني، وتحديدا القائد العام أحمد وحيدي، لمحاولة التوصل معه إلى اتفاق، لكن المحاولة باءت بالفشل.

والحقيقة أن مجمل مواقف ترمب تطرح التساؤل الذي يدور في عقله منذ البداية: لماذا لم تكن إيران مثل فنزويلا؟ ولماذا لا يوجد "ديلسي رودريغيز" إيرانية؟ وهنا يجيب ابن خلدون مشيرا إلى عامل الدين الذي يمكن توسعته ليشمل الأيديولوجيا أيضا في تشكيل قوة عصبية الملك قائلا إن "الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها، والسبب في ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية. فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء، لأن الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم، وهم مستميتون عليه".

"يرى ابن خلدون أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها"

وليس معنى ما سبق افتراض صواب القيادة الإيرانية أو إنكار مثالب نظامها السياسي، ولكنه يكشف عن تصديقها لما تدعيه من أفكار، وهذا ما يدعمه خبير الشأن الإيراني محمد محسن أبو النور في تناوله "للرؤية الكربلائية" للقيادة الإيرانية. فقد أشار قبل أيام من اندلاع الحرب إلى أن "خامنئي رجل نادر في التاريخ، فهو حاكم سياسي وديني معا، ونظامه ثوري إسلامي شيعي اثنا عشري، وهو يرى نفسه وريثا للحسين. ويظن خامنئي أنه أحد امتدادات تسلسل الحسين، ويريد أن يكون حسينا جديدا، لذا فإن أي محاولة لاغتياله أو اعتقاله هي تكريم له، وهو ما يفسر لنا التصلب الإيراني في الرأي".

تأثير الدين والأيديولوجيا لم يتوقف عند حسابات القيادة الإيرانية قبل الحرب وخلالها، ولكنه ممتد كعنصر رئيسي في تشكيل تحالفات إيران الرئيسية في المنطقة مع حزب الله في لبنان، وجماعة أنصار الله في اليمن، وأخيرا الجماعات العراقية الشيعية. حيث يلعب الولاء (أو التقارب) الديني والمذهبي دورا رئيسيا في تشكيل مواقف هذه الأطراف واصطفافها إلى جانب إيران. وهذه العلاقة تسير في طريقين متوازيين، حيث حرصت إيران على تأمين مصالح حزب الله في أي اتفاق للتهدئة أو الهدنة مع الولايات المتحدة، مما تسبب في توترات أمريكية إسرائيلية أحيانا.

مصدر الصورة أنصار خامنئي خلال مراسم تشييعه، في مشهد يعكس دور الدين والأيديولوجيا في حشد التأييد للقيادة الإيرانية (رويترز)

انحسار الولايات المتحدة

في فصل أسماه ابن خلدون "في أن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها"، يقول: "والسبب في ذلك أن عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بد من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم، ويستولون عليها لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك. فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بد من نفاد عددها، وقد بلغت الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغرًا للدولة، وتخما لوطنها، ونطاقا لمركز ملكها. فإن تكلفت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدو والمجاور، يعود وبال ذلك على الدولة، بما يكون فيه من التجاسر وخرق سياج الهيبة".

إعلان

في هذا الفصل، يشرح ابن خلدون كيف تنحسر الدول إذا أكلت أكثر مما يمكنها مضغه ووزعت قدراتها وقواتها على أكثر مما تستطيع، وهذا تحديدا هو التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد من الزمان. فقد عبر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عن هذا التحدي بوضوح ضمن "عقيدة أوباما" القائمة على فرضية أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القدر نفسه من الموارد الذي يمكنها من الهيمنة على النظام العالمي على غرار ما حدث في أعقاب نهاية الحرب الباردة، لذلك اقترح أوباما ضرورة إعادة حشد الموارد للتحول نحو الشرق في إشارة إلى التهديد الصيني للهيمنة الأمريكية.

"يشرح ابن خلدون كيف تنحسر الدول إذا أكلت أكثر مما يمكنها مضغه ووزعت قدراتها وقواتها على أكثر مما تستطيع"

ورغم أن ترمب يختلف عن أوباما في كل شيء، فإنه يتفق معه على هذه الفرضية حول محدودية الموارد الأمريكية، ولذلك فقد كرر في حملاته الانتخابية معارضته للانخراط في أي حروب خارجية. وعلى الرغم من أن الانخراط في الحرب الإيرانية يناقض ما أعلنه ترمب سابقا، فإنه كشف صحة ما أشار إليه أوباما في عقيدته وتغنى به ترمب في حملاته الانتخابية وخلال فترتي حكمه، وهو أن الولايات المتحدة لا تمتلك من الموارد ما يمكنها من التورط في المواجهات العسكرية حول العالم بما يشتت مواردها.

ويؤكد ذلك ما نقلته الصحف بشأن نقص مخزون صواريخ الدفاع الجوي الأمريكية، وتردد الولايات المتحدة في التدخل البري في إيران بسبب عدم شعبية هذه الحرب داخليا بين الأمريكيين. وفي ضوء نقص الموارد الداخلية السياسية والاقتصادية، فإن الولايات المتحدة ظلت مكبلة بعد أن استنفدت مواردها في الحروب السابقة، وأصبحت أي حرب جديدة انكشافا للولايات المتحدة واستنزافا لمواردها.

أسباب الحروب وأنماطها

تحدث ابن خلدون كذلك عن أسباب وأنماط الحروب، وكذلك أثر أوضاع الدول والأمم وحالتها الحضارية في طريقة خوضها للحروب كأحد أشكال السلوك الخارجي قائلا: "اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ براها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام، والأخرى تدافع كانت الحرب، وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل".

ويضيف موضحا أن سبب هذا الانتقام في الأكثر إما غيرة ومنافسة، وإما عدوان، وإما غضب لله ولدينه، وإما غضب للملك وسعي في تمهيده، "فالأول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة، والعشائر المتناظرة، والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الأمم الوحشية الساكنين بالقفر … لأنهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم، ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم، ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب، ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك، وإنما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم، والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد، والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها".

لقد صنف ابن خلدون الحروب حسب الدافع وراءها إلى أربعة أنواع: حروب تنشب بسبب غيرة ومنافسة تقوم بين القبائل والعشائر، وعدوان تقوم به "الأمم الوحشية" على غيرها من الأمم، لأنها جعلت رزقها في رماحها، والجهاد الذي نزل في الشريعة من أجل الدعوة إلى الدين، وأخيرا حروب الدول ضد الخارجين عنها من داخلها.

"صنف ابن خلدون الحروب حسب الدافع وراءها إلى أربعة أنواع"

ولم يتوقف ابن خلدون عند هذا التصنيف، بل فصّل كيف أن الحالة العمرانية والحضارية التي تحيط بكل جماعة إنسانية وما تفرضه من ظروف مادية مثل شظف المعيشة، وظروف معنوية مثل عامل الدين، تؤثر في طريقة وأسلوب القتال، أي أن الوضع الداخلي يفرض التزامات بعينها على الدول مثل الحفاظ على المكانة وسط الجماعات الإنسانية الأخرى، والبحث عن موارد للثروة والعيش، ونشر دعوة دينية، والحفاظ على استقرار الدولة والنظام القائم بها.

وقد تكون بعض أو كل هذه الأسباب معا هي ما يدفع الدولة إلى خوض الحرب. أما طباع هذه الدولة وحالتها العمرانية فتسهم كظروف مادية، والدين كعامل معنوي، في تشكيل أساليب وطرق الحروب المختلفة، إذ لم يكن الجهاد الدافع الوحيد، بل كانت هناك أنماط أخرى ذات دوافع أخرى.

مصدر الصورة الحرب على إيران -وفق الرؤية الخلدونية- نشبت طمعا في تحقيق المكانة الدولية وربما المكاسب الاقتصادية (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

وبالنظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران، وأهداف الولايات المتحدة التي تم إعلانها عند بدء الحرب من تبديل النظام، وتغيير سلوك إيران الإقليمي والقضاء على برنامجها النووي، يمكن القول إن الحرب تأتي -وفق التصنيف الخلدوني- تحت فئة "العدوان" الطامع في تحقيق المكانة الدولية والداخلية والمكاسب الاقتصادية للإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، خصوصا قبل الانتخابات المرتقبة هذا العام، التي تهدد بفقدان الطرفين الأغلبية.

إعلان

ولكن مع تطور العمليات العسكرية وتراجع الولايات المتحدة عن الأهداف السابقة، والاكتفاء بتدمير جزء من البرنامج النووي والقدرات البحرية الإيرانية، يظل الهدف الأمريكي الأوضح حاليا (من الناحية العملية) هو ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز كما كان قبل الحرب، وذلك حفاظا على المكانة الدولية والإقليمية للولايات المتحدة ومنعا لفرض السيطرة الإيرانية على المضيق.

وأخيرا يظل التساؤل قائما: هل العودة إلى التراث تمكننا من تقديم فهم أعمق لما نواجهه اليوم؟ والإجابة التي يقدمها ابن خلدون بجلاء هي نعم. فبعيدا عن الاسترشاد ببعض أفكار ابن خلدون والعبر التي استخلصها من تاريخ الأمم والبلاد لتقديم رؤية أكثر عمقا لحدث معاصر، فإن النهج الخلدوني المتحرر من الحدود النظرية في عالمنا الحديث، يمثل أساسا لرؤية منظومية حضارية يمكنها الإسهام في نظرية العلاقات الدولية الحديثة استنادا إلى مفاهيم مثل العصبية والعمران. وحتى مفهومه عن الدولة، ورغم كونه مغايرا – بل ومجافيا – لمفهوم الدولة الحديثة في شكلها وتطورها ووظائفها، فإنه يفتح نافذة لفهم أعمق للعديد من الظواهر في الدولة الحديثة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا