غزة – فيما تحاصر حرب الإبادة الإسرائيلية سكان غزة بالخوف والفقد والنزوح والتجويع، يجد الشاعر والصحفي الفلسطيني محمد الشاعر في الكلمات مساحة صغيرة للنجاة، فيكتب عن الحب كأنه يستعير حياة أخرى من الخيال، ثم يعود بها إلى واقع مثقل بالدم والحصار.
ومن بين الركام الذي ابتلع منزله، وخيمة تلازمه كصحفي ونازح في ليله ونهاره، ولد كتابه "حب مستعار تحت الحصار "، ليصدر للعالم قصائد من غزة تتقلب بين الحرب والغزل، والحزن والأمل.
محمد (27 عاما)، تخرج من جامعة الأقصى بغزة في قسم الإذاعة والتلفزيون قبل يوم واحد من اندلاع حرب الإبادة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي لم تمهله طويلا لالتقاط أنفاسه وتلمس خطواته نحو بدء مرحلة جديدة في حياته، ليجد نفسه وسط أتون حرب غير مسبوقة.
وخلال الحرب، عمل محمد مراسلا ومصورا صحفيا بشكل حر مع وكالات ومنصات إعلامية، محاولا نقل ما يجري من حوله بالصوت والصورة والكلمة، حتى كان نفسه ضحية لها بخسارة منزله في منطقة "البطن السمين " بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، ودفنت تحت ركامه مقتنيات شخصية وذكريات.
يقول محمد للجزيرة نت إن خسارته لم تقتصر على الممتلكات والماديات، إذ فقد أيضا عددا من أحبته وأصدقائه وزملاء المهنة، وذكر من بينهم الأعز على قلبه مصور قناة الجزيرة محمد سلامة، الذي ترك رحيله أثرا بالغا في نفسه.
وبين خسارة الأشخاص والأماكن، عمل محمد على إعادة ترتيب ذاكرته من خلال الكتابة، ونجح خلال سنوات الحرب في إصدار كتابين شعريين إلكترونيين.
بدأت علاقة محمد بالشعر بعد حرب 2014 على غزة وكان وقتها طالبا في المرحلة الثانوية، حين كان يتابع ما يجري حوله من حصار وأزمات يومية وظروف معيشية قاسية، وعن تلك المرحلة من موهبته يقول: "آنذاك بدأت الكتابة بصورة عشوائية، قبل أن تتطور كتاباتي وتتعمق تدريجيا بالتجربة والممارسة ".
في بداياته، كانت العناوين الشعرية وموضوعاتها مستمدة من الحياة اليومية، وما يعانيه زهاء مليوني فلسطيني في القطاع الساحلي المحاصر من أزمات مركبة، وما تتركه هذه الظروف الحياتية القاسية من آثار على تفاصيل حياتهم.
ومع اندلاع حرب الإبادة عام 2023، اتسعت مساحة الكتابة لدى محمد لتشمل تفاصيل المأساة الجديدة بكل ما حملته من قتل ونزوح وفقد ومجاعة وخوف، لكنه لم يرد أن تكون قصائده مجرد تسجيل مباشر للألم، بل حاول أن يمنح المأساة لغة مختلفة، فاختار الحب والغزل مدخلا للحديث عن واقع يفتقد أبسط مقومات الحياة الطبيعية.
إن المحبوبة في قصائد محمد، حسبما يشرح، تتحول أحيانا إلى مرآة يخاطب من خلالها العالم، فيحدثها عن واقعه وألمه وحياته تحت الحرب والحصار، وفي الوقت نفسه يترك لخياله فرصة رسم ملامح امرأة يتصورها كما يريد، ويحمل إليها أمنياته ومشاعره.
وفي هذا الكتاب، تتجاور قصائد الحرب مع قصائد الغزل، وكأن محمدا كشاعر وصحفي لا يغادر الميدان بكل تفاصيله المؤلمة، يحاول بناء عالم مواز يستطيع فيه للحظات أن ينسى واقع الخيام والركام والخوف والفقد، وأن يستعيد صورة الحياة التي يريدها.
ويضم "حب مستعار تحت الحصار " بين طياته 21 قصيدة باللغة العربية، مترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وجميعها قصائد موزونة على الأبحر الشعرية، وفقا لصاحب الكتاب.
لقد أصبح الفقد بالنسبة لمحمد عبارة عن قصيدة، ينسج من مشاعره شعرا للتعبير عن مآسي فقد الأشخاص والأماكن، ويقول إن القصيدة هي الطريقة الأكثر قدرة وتأثيرا على شرح ما تعجز الأحاديث اليومية عن وصفه.
"حب مستعار تحت الحصار " هو الكتاب الثاني لمحمد، بعد مجموعته الشعرية الأولى "تغريدات في الحب والحرب "، التي تضم 45 قصيدة، وفيه تنقل الشاعر بين موضوعات الحب والغزل، وبين تفاصيل الحرب المستعرة، فكتب عن المجازر والمجاعة والنزوح ودموع الأمهات والفقد والحصار، وفي المقابل كتب عن الحب والغرام والأمل الذي يحاول الإنسان أن يتمسك به وسط الألم.
ويشير محمد إلى أن مساحة الحب في كتابه الأول أكثر حضورا، لكنه حب من وحي الحرب ولا ينفصل عنها، ويولد منها ويتداخل معها، ويوضح: "الحب هنا ليس مجرد موضوع شعري، وإنما وسيلة للهروب المؤقت من واقع يطغى عليه الموت والدمار، ومحاولة لاستعادة شيء من الحياة التي سلبتها حرب الإبادة ".
في ظل دمار هائل ألحقته الحرب بدور الطباعة والنشر، والمكتبات والمراكز الثقافية، لم تتح الفرصة لمحمد لاحتضان مولوديه الأدبيين، وأصدرهما إلكترونيا، لتتحول قصائده إلى وسيلة للوصول إلى القراء خارج غزة، ونقل تجربة شاب عشريني عاش الحرب صحفيا وشاعرا في الوقت نفسه.
إن قيمة الشعر والأدب في زمن الحرب لا يراها محمد تكمن فقط في التخفيف عن الكاتب أو القارئ، وإنما في قدرتهما على حفظ الذاكرة الإنسانية وتوثيق ما عاشه الناس والضحايا، ويشبه الكتابة في ظل واقع غزة البائس والمستمر منذ 3 أعوام بمن يتقن حرفة يدوية ولا يمتلك معداتها اللازمة، فالمهمة تصبح أكثر صعوبة، لكن النتيجة قد تحمل قيمة أكبر لأنها نتاج إصرار على الإبداع ومقاومة من أجل البقاء رغم قسوة الظروف.
ويعتقد محمد أن العالم ربما تعب من مشاهدة صور المأساة، لذلك فإنه يحاول من خلال القصيدة والشعر أن يقدم الألم بطريقة مختلفة، لعل الكلمات تصل إلى مشاعر أشخاص لم تعد الصور وحدها قادرة على الوصول إليهم والتأثير فيهم.
وبالنسبة لهذا الصحفي الشاعر فإن الأدب جزء من التاريخ وذاكرة الشعوب، ويقول: "كما حفظت القصائد الجاهلية القديمة كثيرا من تفاصيل حياة شعرائها وقبائلهم وعصورهم، فإن ما نكتبه اليوم ليس مجرد قصائد عن الحب والحرب، بل شهادة أدبية مغمسة بشعورنا الإنساني ومعبرة عن واقعنا المأساوي ".
"بهذه القصائد نحفظ مساحة صغيرة للحلم والأمل، ونحفظ حق الأجيال القادمة في المعرفة "، يختم محمد حديثه بنظرة تفاؤل نحو المستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة