تشهد العلاقات السورية الأوروبية مرحلة انفتاح غير مسبوق مع دمشق الجديدة بعد سنوات من القطيعة الأوروبية احتجاجا على ممارسات النظام المخلوع، وسط تفاؤل حذر ترافقه واقعية بشأن التحديات التي تعترض طريق "التعاون الشامل"، وترتبط بإصلاحات سياسية وإدارية تراعي رغبات ومصالح الطرفين.
وبدأ الانفتاح الأوروبي مع إزالة العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا في عهد نظام الأسد تدريجيا، وإعادة تفعيل البعثات الدبلوماسية والتواصل عبر القنوات الرسمية السورية-الأوروبية، واستمرار المحادثات بين المسؤولين، وتفعيل اللجان الاقتصادية ومجالس الأعمال.
وأكدت سالي شوبط، مديرة إدارة الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، أن العلاقات السورية الأوروبية وصلت إلى "ذروتها" في الوقت الراهن، مشيرة إلى وجود 16 بعثة دبلوماسية أوروبية في سوريا حاليا، مع العمل على توسعتها، كما كشفت عن أن المرحلة المقبلة ستشهد وصول بعثات دبلوماسية أوروبية جديدة إلى دمشق لأول مرة.
وقالت شوبط في تصريحات لـ"سوريا الآن" هذا الأسبوع، إن "من أولوياتنا عودة السلك الدبلوماسي الأوروبي كاملا إلى دمشق وتفعيل بعثاتنا في أوروبا"، مشيرة إلى أن سوريا تملك حاليا 17 بعثة دبلوماسية في أوروبا.
وشددت على أن الأجندة السورية الأوروبية القادمة تُبنى بالتشاور مع إدارات التعاون الدولي في الوزارات السورية، وفقا لأولويات التعافي والمصالح السياسية والمتغيرات الإقليمية.
وجاءت تعليقات المسؤولة السورية على هامش افتتاح السفارة الدانماركية في دمشق، أواخر أغسطس/ آب الماضي، بحضور وزيري خارجية البلدين، بعد إغلاق دام 14 عاما.
وقال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني عقب الافتتاح، إن العلاقات السورية الأوروبية تتقدم "بوتيرة متسارعة بعد التحرير"، معربا عن تطلع دمشق إلى وقوف أوروبا إلى جانب الشعب السوري زمن السلام وبناء الدولة، كما وقفت إلى جانبه خلال سنوات الحرب.
ويرى المحلل السياسي رامي الخليفة أن سقوط نظام بشار الأسد كان "زلزالا ضرب منطقة الشرق الأوسط لكن تداعياته وصلت إلى القارة الأوروبية"، مشيرا إلى أن الانفتاح الأوروبي على القيادة الجديدة "يعبر عن توافق داخلي إقليمي دولي، خصوصا مع الإدارة الأمريكية، وكذلك الانفتاح التركي والعربي".
وأوضح الخليفة أن أوروبا مرتبطة أمنيا وإستراتيجيا بمنطقة الشرق الأوسط، وتتشارك مع أمريكا ودول المنطقة في الاعتقاد بأن "استقرار سوريا يؤثر على استقرار المنطقة برمتها"، وهو ما دفع الدول الأوروبية لدعم هذا الاستقرار.
وأضاف أن الجانب الثالث المهم هو "السياسة التي اتبعتها الإدارة السورية الجديدة والخطاب البراغماتي والمرن"، مشيرا إلى أن الجانب الرابع يتمثل في المصالح المشتركة، حيث تأثرت الدول الأوروبية بموجة اللجوء السوري التي ما تزال تشكل عنصرا مؤثرا في سياساتها الداخلية.
ووصف الخليفة قرار الانفتاح الأوروبي بالإستراتيجي، معتبرا أن الدول الأوروبية منفتحة على بناء شراكة مع الجانب السوري، لكنها مرتبطة بشروط عدة، من وجهة نظره وهي "الاستقرار الداخلي، وحالة من الأمن، واستمرار السياسة البراغماتية، والوصول إلى بناء مؤسسات تجعل التعاون أكبر بين سوريا ودول الاتحاد الأوروبي".
من جانبه، أشار الدبلوماسي السوري الأسبق في السويد، محمد بسام العمادي، إلى أن أوروبا كانت "مستاءة من تجارة الكبتاغون والتعاون مع إيران وحزب الله"، معتبرا أن تغير هذا الواقع مع النظام الجديد يشكل نقطة تحول مهمة بالنسبة للأوروبيين.
لكن العمادي حذر من أن موضوع "الأقليات" مهم جدا بالنسبة للأوروبيين، إضافة إلى "الديمقراطية والحكم الرشيد"، مؤكدا أنهم يرفضون "الحكم ذا اللون الواحد ولا يعتبرونه قادرا على الاندماج في النظام العالمي".
وتعقيبا على دور مستقبلي أوروبي في إعادة الإعمار في سوريا، اعتبر المحلل الخليفة أن إستراتيجية الحكومة السورية فيما يتعلق بإعادة الإعمار "غير واضحة" حتى الآن، مشيرا إلى أن كل ما يجري الحديث عنه هو أن تكون عملية إعادة الإعمار من خلال الاستثمار والشركات، لكن سوريا لم تطرح حتى الآن مؤتمرا للمانحين.
وأوضح أن المرحلة الأولى كانت استعادة وحدة سوريا "وهو ما تحقق بنسبة 90 بالمئة"، لكن الرؤية الاقتصادية ما زالت غائبة.
في المقابل، عبر نقيب الاقتصاديين السوريين، محمد البكور، عن تفاؤله بقدرة سوريا على أن تتحول تدريجيا إلى بيئة استثمارية جاذبة للأوروبيين، لكنه شدد على أن "جاذبية الاستثمار لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما بالاستقرار والتشريعات والشفافية وضمانات الاستثمار والقدرة على تحويل الأرباح وتأمين بيئة مصرفية سليمة".
وكشف البكور عن أبرز القطاعات المرجحة للاستثمار الأوروبي، مقدما "الطاقة والكهرباء، البنية التحتية، النقل والمرافئ واللوجستيات، الاتصالات والتكنولوجيا، المصارف والخدمات المالية، الصناعات الغذائية والدوائية، الزراعة والتصنيع الزراعي، السياحة، إضافة إلى قطاعات المياه وإدارة النفايات والطاقة المتجددة".
وشدد على أن سوريا ليست مجرد سوق تحتاج إلى إعادة إعمار، بل "دولة تمتلك موقعا جغرافيا مهما يمكن أن يجعلها مستقبلا نقطة وصل بين أوروبا والبحر المتوسط والمنطقة العربية"، معتبرا أن الاستثمار الأوروبي يمكن أن يكون بوابة إلى أسواق إقليمية أوسع.
ويرى بسام العمادي أن "إعادة الأوروبيين للعلاقات مع سوريا له دافع كبير بالنسبة لهم، وهو إعادة اللاجئين وجعل سوريا آمنة تمهيدا لإعادتهم، لأن قضية اللاجئين سببت لهم مشكلة كبيرة".
وفي تقدير نسبي، قال الخليفة إنه "من غير المتوقع أن يعود أكثر من 20 بالمئة" من اللاجئين، مشيرا إلى أن الكثيرين في أوروبا "انخرطوا في الحياة اليومية وأصبحوا جزءا من منظومة العمل".
ودعا الخليفة إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة تتمثل في التعاون بين المهاجرين السوريين في أوروبا والوطن الأم، بحيث يكونون "سفراء لسوريا"، مستثمرين في إمكانياتهم لربط البلدين.
المصدر:
الجزيرة