آخر الأخبار

حين استنجد قيصر ألمانيا بخليفة المسلمين لتهدئة ثورة في الصين

شارك

في صباح 18 أبريل/نيسان 1901، غادرت باخرة روسية أحد أرصفة إسطنبول في رحلة طويلة نحو الصين. مرَّت الباخرة بمدينة إزمير الساحلية، ثم توقفت في الإسكندرية في مصر، وعبرت قناة السويس إلى البحر الأحمر، قبل أن تمضي في المحيط الهندي حاملة بعثة عثمانية صغيرة من 9 أشخاص، يتقدمهم حسن أنور جلال الدين باشا، أحد ضباط بلاط السلطان عبد الحميد (لا صلة له بأنور باشا القائد العثماني المعروف). عُرفت البعثة باسم وفد النصيحة، غير أن وقعها في عواصم الغرب جاء أثقل بكثير من اسمها.

كانت الصين قد خرجت حينها من اضطراب واسع عُرِف بثورة الملاكمين (1899-1901)، بعدما انفجرت موجة غضب ضد الوجود الأجنبي والمبشرين المسيحيين. امتدت المواجهات إلى خطوط السكك الحديدية والمراكز التبشيرية، وحوصرت السفارات في بكين، ثم اندفعت 8 قوى أجنبية إلى إرسال قواتها لـ"فك الحصار وإخضاع العاصمة الصينية".

"بالنسبة لألمانيا، كانت ثورة الملاكمين تهديدا مباشرا لمستعمرتها الناشئة في شاندونغ، وللطرق والمنشآت التي تربطها بالمدن الصينية"

كانت ألمانيا طرفا مباشرا في الصراع الدائر داخل الصين قبل اندلاع ثورة الملاكمين بسنوات. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1897، احتلت قواتها خليج جياوتشو في مقاطعة شاندونغ، ثم أجبرت حكومة تشينغ على توقيع عقد يمنحها السيطرة عليه مدة 99 عاما. كما اتخذت من ميناء تشينغداو قاعدة لأسطولها في شرقي آسيا، وربطته بخطوط السكك الحديدية ومناجم الفحم وشبكات الكابلات البحرية، ليصبح بوابة تتقدم عبرها المصالح التجارية والصناعية الألمانية نحو الداخل الصيني.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 وصفة "عبدول" السرية.. لماذا يفوز المسلمون بالانتخابات في أمريكا؟
* list 2 of 2 مصيدة الأرواح الصغيرة.. لماذا أصبحت حماية الأطفال مهمة مستحيلة؟ end of list

وكانت برلين تبحث عن موطئ قدم ينافس الموانئ والقواعد التي انتزعتها بريطانيا وفرنسا وروسيا، ويوفر لأسطولها محطة تموين دائمة، ويفتح أمام البضائع ورأس المال الألماني أسواقا جديدة. ومن ثم، حملت ثورة الملاكمين بالنسبة إليها تهديدا مباشرا لمستعمرتها الناشئة في شاندونغ، وللطرق والمنشآت التي تربطها بالمدن الصينية، وللمكانة التي سعت إلى تثبيتها بين القوى المتنافسة على اقتسام النفوذ في البلاد.

مصدر الصورة اغتيال كليمنس فون كيتلر خلال ثورة الملاكمين في الصين عام 1900 (غيتي)

تضاعف وقع الأزمة في برلين حين قُتل المبعوث الألماني كليمنس فون كيتلر في بكين يوم 20 يونيو/حزيران 1900، أثناء توجهه للاحتجاج لدى الحكومة الصينية. دفع مقتله القيصر فيلهلم الثاني إلى إرسال قوة كبيرة إلى الصين، قبل أن يتولى المارشال الألماني ألفرد فون فالدرزي قيادة قوات التحالف الدولي، ويقود حملة اقترنت بعمليات عقابية واسعة طالت مدنا وقرى اتُّهم سكانها بمساندة الثورة.

إعلان

زاد ظهور قوات قانسو في المعارك من قلق الأوروبيين، وأضفى على الأزمة بُعدا إسلاميا. كانت هذه الوحدات جزءا من الجيش النظامي التابع لسلالة تشينغ يقودها الجنرال دونغ فوشيانغ، وقد نُقِلت من شمال غربي الصين إلى بكين عام 1898 لحماية العاصمة ثم أصبحت جزءا من التشكيل المعروف بجيش ووي، وضمت آلاف الجنود المسلمين من قومية الهوي (Hui) وغيرها. وقد شارك أفرادها في حصار الحي الدبلوماسي، وقاتلوا القوات الأجنبية في مدينة لانغفانغ وعند مداخل بكين، وأظهروا قدرة قتالية جعلتهم في نظر الأوروبيين من أشد الوحدات الصينية مقاومة.

"واجهت قوات التحالف وحدات صينية كان قسم مهم من جنودها من المسلمين"

استند القلق الألماني إلى واقع عسكري ظاهر، إذ واجهت قوات التحالف وحدات صينية كان قسم مهم من جنودها من المسلمين. بيد أن هذا الواقع اختلط سريعا بتصورات أوسع عن ملايين المسلمين المنتشرين في أنحاء الصين، وباحتمال تحولهم إلى قوة موحدة تقاوم الوجود الغربي. ولم تكن أعدادهم معروفة بدقة، فتراوحت التقديرات المعاصرة بين بضعة ملايين وعشرات الملايين، كما توزعوا على أقاليم متباعدة، من شاندونغ وبكين إلى قانسو وشينجيانغ ويونان.

مصدر الصورة المارشال فون فالديرزي قائد قوات الحلفاء محاطا بجنرالات الدول الحليفة يدخلون مدينة بكين عام 1900 عقب إخماد ثورة الملاكمين (غيتي)

هنا نشأت لدى القيصر فيلهلم الثاني فكرة مفادها أن تهدئة الثائرين تحتاج إلى سلطة إسلامية تتجاوز نفوذ الجيوش والقنصليات الأوروبية، فاتجه إلى السلطان العثماني عبد الحميد، في ظل التقارب الذي نشأ بين الرجلين خلال العقد السابق. فقد زار القيصر إسطنبول مرتين، ثم قام عام 1898 برحلة واسعة داخل أراضي الدولة العثمانية شملت القدس وبيروت ودمشق، التي وقف فيها قرب ضريح صلاح الدين الأيوبي، مُعلِنا أن السلطان عبد الحميد ومئات الملايين من المسلمين المنتشرين في العالم يستطيعون الاعتماد على صداقته.

وبعد أقل من 3 أعوام، طلب القيصر من السلطان عبد الحميد استخدام مكانته الدينية لدى مسلمي الصين لتهدئة الموقف والحد من انضمام المزيد منهم إلى مقاومة القوات الأجنبية. ورأت برلين في السلطان سلطة معنوية قادرة على عبور الحدود التي تتوقف عندها الجيوش والقنصليات، والوصول إلى مسلمين لم يخضعوا في أي وقت لحكم إسطنبول. ومنحت هذه الرؤية السلطان عبد الحميد دورا يتجاوز القوة المادية لدولته، ويستند إلى مكانته بوصفه خليفة يحمل نفوذا رمزيا محتملا داخل مجتمعات إسلامية تفصلها عن العاصمة العثمانية آلاف الكيلومترات.

"طلب القيصر من السلطان عبد الحميد استخدام مكانته الدينية لدى مسلمي الصين لتهدئة الموقف والحد من انضمامهم إلى مقاومة القوات الأجنبية"

وجد السلطان في الطلب الألماني فرصة للمناورة، إذ أراد الحفاظ على علاقته ببرلين، لكن مع تجنب الظهور في هيئة من يعين القوى الغربية على مسلمي الصين. ولذلك اختار عبد الحميد طريق الرسالة لا طريق القوة، وأرسل بعثة تجمع بين الخطاب الديني والحساب السياسي، وتمنح إسطنبول فرصة لاختبار ما بقي للخلافة من صدى في أرض بعيدة لا تبلغها إدارتها ولا قناصلها.

إعلان

كانت الصين عند مطلع القرن العشرين خارج شبكة التمثيل الدبلوماسي العثماني الدائم. فقد تركزت السفارات التي أنشأتها إسطنبول منذ أواخر القرن الثامن عشر في أوروبا، حيث قامت 18 من سفاراتها العشرين، واقتصر وجودها خارج القارة على الولايات المتحدة وإيران. أما حكومة تشينغ، ففتحت بكين أمام الممثليات الأجنبية تحت ضغط المعاهدات التي أعقبت حروب الأفيون، واستقبلت ممثلي القوى التي امتلكت مصالح تجارية وعسكرية وانتزعت امتيازات قانونية داخل البلاد. وظلت العلاقة مع الدولة العثمانية من دون معاهدة تنظم التمثيل الدبلوماسي أو حقوق الرعايا.

مصدر الصورة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (يسار) مع الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني (غيتي)

عيون السفارات الأوروبية

سبقت أخبار البعثة العثمانية وصولها إلى الصين. فمنذ أن وافق السلطان عبد الحميد الثاني على إرسالها، بدأت البرقيات تتحرك بين السفارات الأوروبية، تحمل الأسئلة عن المهمة التي يقودها أنور جلال الدين باشا، وعن الحدود التي يمكن أن يبلغها اتصال مبعوث الخليفة بمسلمي الصين.

ونصت التوجيهات السلطانية على الاتصال بعلماء المسلمين ووجهائهم، وإبلاغهم نصيحة السلطان بالابتعاد عن العنف وعدم الخروج على إمبراطور الصين. وحمل الوفد منشورا أعد بتكليف من القصر ووقعه شيخ الإسلام جمال الدين أفندي، استند إلى خطاب ديني يحرم التمرد على الحاكم، ويحذر المسلمين من الانخراط في أعمال قد تجلب عليهم مزيدا من القتل والعقاب، ثم تُرجم إلى الصينية وطبع قبل بدء الرحلة.

بيد أن التعليمات منحت البعثة وظيفة أخرى تتجاوز إلقاء النصيحة. فقد كان على أعضائها التعرف إلى أوضاع المسلمين، وتسجيل ملاحظاتهم عن الطرق والموانئ والقوى الأجنبية المنتشرة في شرقي آسيا، ومراسلة إسطنبول ببرقيات مشفرة عند ظهور الصعوبات. ولا تظهر في الوثائق المتاحة أوامر سرية تدعو إلى تحريك المسلمين أو إنشاء تنظيمات موالية للسلطان. إلا أن تكوين الوفد، وطول الطريق الذي سلكه، والأسئلة التي طرحها أعضاؤه خلال الرحلة، جعلت المهمة أوسع من تسليم رسالة طلبتها ألمانيا ثم العودة إلى إسطنبول.

وبينما كانت السفينة تعبر المحيط الهندي، بدأت برلين تفقد اهتمامها بالمهمة التي اقترحتها. ففي 4 مايو/أيار 1901، أبلغت الخارجية الألمانية السفير العثماني لديها أن إرسال البعثة لم يعد ضروريا. واستند القرار إلى تقدير المارشال ألفرد فون فالدرزي، قائد القوات الدولية في الصين، بأن نفي الجنرال دونغ فوشيانغ وتفريق القوات التابعة له أزالا احتمال اندلاع حركة إسلامية مسلحة جديدة.

"بينما كانت السفينة تعبر المحيط الهندي، بدأت برلين تفقد اهتمامها بالمهمة التي اقترحتها"

وصل التراجع الألماني بعد فوات الأوان. وكان الوفد قد غادر إسطنبول وعبر البحر المتوسط وقناة السويس، ولم تعد إعادته ممكنة من دون إحراج السلطان وإظهار البعثة كأنها تحركت بأمر من برلين وتوقفت بأمر آخر منها. ولذا واصلت السفينة طريقها نحو شنغهاي، بينما اختفت الوعود الألمانية التي رافقت الاستعداد للرحلة. ولم يتلق القناصل الألمان في الموانئ التي مرَّ بها الوفد تعليمات واضحة باستقباله، وعندما اقترب أنور باشا من الصين ظل ينتظر توجيهات من السفارة الألمانية في بكين لم تصل أبدا.

رست الباخرة في شنغهاي يوم 3 يونيو/حزيران 1901. وتولى نائب القنصل الفرنسي اصطحاب أنور باشا تحت حراسة الشرطة إلى الحي الذي يقيم فيه مسلمو المدينة، حيث تجمع لاستقباله ما بين 200 و300 مسلم صيني، إضافة إلى نحو 50 شخصا من أبناء الشرق الأوسط المسجلين لدى القنصلية الفرنسية.

كان اللقاء محدودا في مكانه وعدد المتواجدين فيه، لكن صورته السياسية تجاوزت الحاضرين. فقد وقف مبعوث السلطان أمام مسلمين صينيين قدم إليهم من عاصمة الخلافة، وأكد أنه يحمل رسالة سلام، وأن السلطان يريد تجنيب المسلمين مواجهة جديدة لا يملكون أدواتها. ومع ذلك، قرأت السفارات كلماته من خلال مصالح دولها ومستعمراتها ومخاوفها من أي رابطة دينية تعبر الحدود.

مصدر الصورة جسر الحديقة في شنغهاي أكبر مدينة وميناء بحري في الصين. وتقع المباني الظاهرة على اليسار عند طرف منطقة الامتيازات الأجنبية والحي التجاري (غيتي)

كانت فرنسا أكثر القوى نشاطا في مراقبة الوفد. فبعد يوم من وصوله، كتب المبعوث الفرنسي في بكين إلى وزير خارجيته محذرا من أن اتصال رجال السلطان بمسلمي الصين قد يفتح الباب أمام حركة إسلامية في المقاطعات القريبة من الهند الصينية الفرنسية، ومنها يونان وغوانغدونغ وغوانغشي. وقد أحاط موظفو القنصلية الفرنسية بأنور باشا، وساعدوه في الوصول إلى مسلمي شنغهاي، ورافقته الشرطة أثناء تحركاته، ثم رفعت التقارير عن لقاءاته وأحاديثه إلى بكين وباريس. أرادت فرنسا معرفة ما يحمل أنور باشا، ومن يقابل، وما إذا كانت الرحلة تمهد لحضور عثماني دائم في الصين. وفي الوقت نفسه، حاولت أن تقدم نفسها أمامه قوة قادرة على حماية المسلمين وتسهيل اتصاله بهم، وسط منافسة دبلوماسية مع ألمانيا وبريطانيا وروسيا.

إعلان

أما بريطانيا، فراقبت الرحلة من موقع الدولة التي تحكم الهند، حيث يعيش أكبر تجمع للمسلمين الخاضعين لسلطة أوروبية. كانت لندن تخشى أن يتحول لقب الخلافة إلى رابطة سياسية تتقدم على ولاء المسلمين للتاج البريطاني. ولذلك عرض قائد القوات البريطانية في شنغهاي على أنور باشا زيارة وحدة عسكرية هندية تضم جنودا مسلمين من البلوش، في محاولة لإظهار أن المسلمين العاملين تحت الراية البريطانية لا ينتظرون أوامر من إسطنبول.

وحذر البريطانيون أنور باشا من التوغل في المناطق الصينية الداخلية، واقترحوا عليه المرور بالهند إذا أراد الاتصال بمراكز إسلامية أخرى في آسيا. وحمل العرض وجها من الحماية وآخر من الاحتواء. فمرور مبعوث الخليفة عبر الأراضي البريطانية كان سيضع خطواته تحت رقابة لندن، ويمنع تحول الرحلة إلى قناة مستقلة تصل إسطنبول بمسلمي الصين والهند.

مصدر الصورة الاهتمام الدولي بمدينة شنغهاي تزايد بفضل إمكاناتها الاقتصادية والتجارية (غيتي)

دخلت روسيا هي الأخرى دائرة التنافس على الوفد. وكانت موسكو قد شاركت في الحملة العسكرية داخل الصين، ووسَّعت وجودها في منشوريا (شمال شرق الصين)، كما حكمت جماعات تركية ومسلمة واسعة في القوقاز وآسيا الوسطى ومنطقة الفولغا. لذلك تابعت الرحلة من زاويتين متداخلتين، خشية انتشار خطاب الخلافة داخل أراضيها من جهة، ورغبة منها في منع بريطانيا وألمانيا من احتكار العلاقة بممثل السلطان من جهة أخرى.

عندما ظهرت مشكلات تمويل الإقامة والعودة، اقترب الملحق العسكري الروسي من الوفد، وعرض ترتيب طريق يمر عبر اليابان ومدينة فلاديفوستوك الروسية ومقاطعة سيبيريا. وفضَّل أنور باشا العرض الروسي على المرور عن طريق الهند، ومن ثمَّ غادر شنغهاي يوم 22 يونيو/حزيران بعد إقامة استمرت نحو 3 أسابيع. وقد حضر ممثلو فرنسا وروسيا وداعه، بينما غاب الألمان الذين انطلقت البعثة استجابة لطلبهم. ظلَّت تحركات الوفد الموثقة داخل الصين محصورة في شنغهاي. لم يصل أنور باشا إلى بكين، ولم يزر قانسو أو يونان أو المقاطعات التي شغلت تقارير الدبلوماسيين الأوروبيين.

"كشفت الزيارة الفجوة بين المجال الواسع الذي يصل إليه اسم الخلافة والوسائل المحدودة التي تملكها للوصول إلى المسلمين في تلك المناطق البعيدة"

ولا تثبت المصادر المتاحة أنه اجتمع بمسؤولين كبار في حكومة تشينغ أو بعلماء صينيين معروفين بأسمائهم، كما لا تتوافر أدلة كافية على توزيع منشور شيخ الإسلام في مدن متعددة. بدت المسافة واسعة بين المهمة كما تخيلتها السفارات وما استطاع الوفد إنجازه. خشيت فرنسا حركة إسلامية قد تقترب من حدود مستعمراتها، وحاولت بريطانيا وضع مبعوث الخليفة أمام نموذج المسلمين الموالين لإمبراطوريتها، وسارعت روسيا إلى إخضاع طريق عودته لإشرافها. وفي المقابل، أقام أنور باشا في مدينة واحدة، منتظرا تعليمات ألمانية لم تأتِ، ومستندا إلى القنصلية الفرنسية في الوصول إلى المسلمين، وإلى الروس في تدبير المرحلة التالية من رحلته.

ومع ضيق الحركة، خرج الوفد بملاحظات تجاوزت المهمة التي حملها من إسطنبول. ورفع إلى السلطان تقريرا عن الطريق البحري إلى الصين، وتوزع القوى الأوروبية على امتداده، وغياب القناصل والمؤسسات العثمانية، وأوضاع جماعات سكانية مسلمة يصعب بلوغها من دون حضور دائم. وكشف التقرير الفجوة بين المجال الواسع الذي يصل إليه اسم الخلافة والوسائل المحدودة التي تملكها للوصول إلى المسلمين في تلك المناطق البعيدة.

القوزاق الروس في منشوريا يرافقون سجناء صينيين عام 1901 (غيتي)

راية الخلافة في كاشغر

كان أول حضور سياسي عثماني قد إلى المجال الخاضع للصين من بوابته الغربية، حين استقبل محمد يعقوب بك في كاشغر عام 1873 بعثة تحمل راية السلطان عبد العزيز وفرمان الاعتراف وأسلحة ومدربين. وارتفعت الراية العثمانية فوق المدينة، وذكر الخطباء اسم السلطان على المنابر، وظهرت إشارات إلى سيادته على بعض العملات النقدية. وقد جاء هذا الحضور استجابة لطلب حاكم كاشغر الذي احتاج إلى شرعية تعزز سلطته، ولم يصدر عن خطة عثمانية للتوسع داخل الصين.

كان يعقوب بك قائدا عسكريا قدم من خانية خوقند بعد انهيار سلطة أسرة تشينغ في أجزاء من تركستان الشرقية إثر انتفاضات عام 1864. وقد أخضع الحكومات المتنافسة ووسَّع حكمه وأقام دولة. وقد منحته انتصاراته أرضا وجيشا، لكنه ظل حاكما وافدا لا ينحدر من أسرة مالكة، وتنازعه الشرعية قادة الواحات والخواجات والضباط القادمون من خوقند. لذلك أرسل مبعوثه إلى إسطنبول طالبا الاعتراف والمساعدة العسكرية، وعرض ولاءه للسلطان، وتعهد بإقامة الخطبة وضرب النقود باسمه ورفع الراية العثمانية. وقد أراد أن يظهر أمام رعاياه وخصومه أميرا يحظى باعتراف أعلى مرجعية إسلامية يستطيع الوصول إليها، مع احتفاظه بإدارة دولته وقراراتها.

"رأت الدولة العثمانية في يعقوب بك فرصة لدعم سلطة إسلامية تقف أمام التقدم الروسي"

استجابت إسطنبول في وقت كان التوسع الروسي فيه يطوق آسيا الوسطى ويقترب من تركستان الشرقية. ورأت الدولة العثمانية في يعقوب بك فرصة لإظهار رعاية السلطان للمسلمين خارج حدود الدولة العثمانية، ودعم سلطة إسلامية تقف أمام التقدم الروسي من دون إرسال جيش إلى منطقة بعيدة يصعب إمدادها. ولذا منح السلطان عبد العزيز يعقوب بك لقب الأمير، وأرسل إليه الراية والفرمان والهدايا. وتوقفت العلاقة عند هذا الحد. إذ لم ترسل الدولة العثمانية قوات للدفاع عن كاشغر، ولم تنشئ فيها قنصلية أو تضمن حدود دولة يعقوب بك.

إعلان

وعندما بدأت جيوش تشينغ استعادة تركستان الشرقية عام 1876، لم تستطع إسطنبول التدخل أو إبقاء خطوط الإمداد مفتوحة. وتوفي يعقوب بك في مايو/أيار 1877، فتنازع أبناؤه وقادته الحكم، وتفكك جيشه، ودخلت القوات الصينية كاشغر في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه. وانتهت بذلك أول تجربة سياسية استدعت الخلافة العثمانية إلى داخل المجال الصيني.

بيد أن الصلة العثمانية بمسلمي بكين سرعان ما سلكت طريقا مختلفا عن المسار الذي وصل إلى كاشغر، حين وصل إلى العاصمة الصينية عالم عثماني يدعى محمد علي أفندي عام 1902، وأقام في منزل الإمام وانغ كوان، المعروف أيضا باسم وانغ هاورين، الذي وصفته التقارير الدبلوماسية الفرنسية المعاصرة بأنه عمل سرا للسلطان عبد الحميد، بينما قدم نفسه عالما مسلما يتجول في بلاد الشرق ويلتقي إخوانه في الدين.

محمد يعقوب بك كان قائدا عسكريا قدم من خانية خوقند بعد انهيار سلطة أسرة تشينغ في أجزاء من تركستان الشرقية (غيتي)

الخلافة بلسان صيني

دخل محمد علي الصين بزي علماء إسطنبول، وتحدث العربية بطلاقة، وعرف قدرا من الإنجليزية. وقد ساعدته هذه المهارات على التواصل مع العلماء الصينيين الذين تعلموا العربية لقراءة القرآن والكتب الدينية. وكان قد عبر في طريقه عددا من الموانئ والمراكز الإسلامية، شملت بومباي وسنغافورة وباتافيا وبانكوك وسايغون وشنغهاي، قبل أن يصل إلى بكين ويقيم بين مسلميها.

أما وانغ كوان، فكان من أبرز علماء جماعة الهوي (Hui) في بكين، وارتبط اسمه بمسجد نيوجيه، أقدم مساجد العاصمة وأهمها. وقد ولد عام 1848، وتلقى تعليما جمع بين العلوم الإسلامية واللغة الصينية والكتب الكونفوشية. وأتاحت له هذه الخلفية معرفة واسعة بالمجتمع المحيط به، وأقنعته بأن بقاء التعليم الإسلامي بعيدا عن اللغة الصينية والمعارف العامة سيزيد عزلة المسلمين عن الدولة والوظائف والحياة العامة.

وقد اعتمد تعليم المساجد الصينية قرونا على نظام عرف باسم "قاعة الكتب"، وركز على القرآن والعربية والفارسية والفقه والمتون الإسلامية. وحفظ هذا النظام المعرفة الدينية وأخرج أجيالا من الأئمة والعلماء، لكنه لم يمنح طلابه معرفة كافية باللغة الصينية والعلوم التي بدأت المدارس الحديثة تدريسها. فأصبح بعض خريجي المساجد قادرين على قراءة النصوص الدينية، مع ضعف صلتهم بالنقاشات الفكرية والإدارية التي كانت تعيد تشكيل الصين آنذاك.

"اعتمد تعليم المساجد الصينية لقرون على نظام قاعة الكتب، الذي يركز على القرآن والعربية والفقه والمتون الإسلامية"

ولذا جاء مشروع وانغ وسط تحولات واسعة شهدتها البلاد بعد الهزائم العسكرية والتدخلات الأجنبية وثورة الملاكمين. ودشَّنت حكومة تشينغ في ذلك الوقت إصلاحات تعليمية جديدة، وألغت عام 1905 امتحانات الخدمة المدنية القديمة، واتجهت إلى إنشاء مدارس تدرس العلوم واللغات والمواد العامة. ورأى المصلحون المسلمون في هذا التحول تحديا مباشرا، إذ هدد استمرار المناهج القديمة ببقاء أبناء "الهوي" خارج المدارس والوظائف التي تصنعها الدولة الحديثة.

تجمعت حول وانغ دائرة من المسؤولين والتجار ووجهاء حي نيوجيه، الذين برز بينهم ما لين يي، وهو مسلم صيني عمل في المؤسسات التعليمية التابعة لدولة تشينغ، وأقام فترة في اليابان واطلع على مدارسها وتجارب الإصلاح الآسيوية. وشارك آخرون في الإدارة وجمع الأموال وحشد دعم الأسر المحلية، ثمَّ التقت هذه العناصر حول مشروع صيني إسلامي يسعى إلى إعادة تحديد موقع المسلمين في عصر الإصلاح.

صورة افتتاح دار العلوم الحميدية في بكين عام 1908 (المعرفة)

فتح لقاء محمد علي أفندي مع وانغ نافذة على التجربة العثمانية. فقد تعرَّف منه إلى مدارس إسطنبول ومحاولاتها الجمع بين العلوم الدينية والتعليم الحديث، وإلى صورة السلطان عبد الحميد بوصفه خليفة يهتم بأحوال المسلمين خارج حدود دولته. وقد غادر وانغ الصين بين عامي 1905 و1906 لأداء فريضة الحج، وأقام فترة في مصر، ثم وصل إلى إسطنبول.

استقبل السلطان عبد الحميد الإمام القادم من بكين، واستمع إلى حديثه عن أوضاع المسلمين وأزمة التعليم ونشاط الإرساليات المسيحية. وطلب وانغ كتبا ومدرسين يستطيعون مساعدة مدارس المسلمين، فاستجاب السلطان بإرسال مجموعة كبيرة من المؤلفات الدينية والتعليمية، ثم أوفد مدرسين عثمانيين إلى الصين. فعاد وانغ إلى بكين ومعه عناصر يستطيع إدخالها في مشروعه المحلي، وأخذ من إسطنبول الكتب والمدرسين والاتصال بالخلافة، ووضعها داخل مؤسسة تعتمد النظام التعليمي الذي أقرته حكومة تشينغ، وتستخدم الصينية في التدريس، وتستند في إدارتها وتمويلها إلى مسلمي المدينة. وأعاد بذلك تشكيل الخبرة العثمانية وفق حاجات مجتمع "الهوي" وعلاقته بالدولة الصينية.

أنشأ وانغ عام 1907 داخل مسجد نيوجيه مدرسة لإعداد المعلمين، استهدفت تخريج مدرسين يجمعون بين العلوم الإسلامية والصينية وبعض المعارف الحديثة، ثم ينتقلون إلى مدارس المسلمين في مناطق أخرى. وارتبطت المؤسسة في بعض المصادر العثمانية باسم الحميدية تقديرا لدعم السلطان، وظهرت لاحقا بأسماء مثل دار العلوم الحميدية وجامعة بكين الحميدية.

وفي يناير/كانون الثاني 1908، شارك وانغ وما لين يي ووجهاء نيوجيه في تأسيس مدرسة ابتدائية حديثة خلف المسجد ضمت مرحلتين، وسجلت في عامها الأول نحو 102 من الطلاب. وقد جمعت مناهجها بين التعليم الديني واللغة الصينية والمواد العامة، واتخذت النظام المدرسي الذي أقرته دولة تشينغ إطارا للعمل، وتولى مجلس محلي الإشراف على الإدارة والتمويل. واختلطت المدرستان في بعض الروايات اللاحقة، وظهرتا مؤسسة واحدة ارتبط تأسيسها مباشرة بالسلطان.

أراد وانغ تخريج مدرسين يجمعون بين العلوم الإسلامية والصينية وبعض المعارف الحديثة (غيتي)

وجدت المدرسة موقعا داخل النظام التعليمي الصيني منذ بدايتها. وقد شارك مسؤول يعمل في جهاز التعليم الرسمي في تأسيسها، واعتمدت القواعد التي أقرتها الحكومة، وسعت إلى إعداد طلاب يستطيعون متابعة تعليمهم والعمل داخل مؤسسات البلاد. وتولى مجتمع نيوجيه تمويلها وإدارتها، وهو ما منحها قاعدة محلية تتجاوز المساعدة القادمة من إسطنبول.

بعد سقوط دولة تشينغ وقيام الجمهورية، واجهت المؤسسة صعوبات مالية، فطلب القائمون عليها تحويلها إلى مدرسة عامة تابعة للدولة. ووافقت وزارة التعليم عام 1912، مع الإبقاء على رئيس مسلم، وحصة لتعليم العربية، وعطلة بعد ظهر الجمعة. وانتقلت المدرسة بذلك إلى نظام التعليم الجمهوري، واحتفظت بجزء من هويتها الإسلامية بعد انتهاء عهد عبد الحميد وسقوط الدولة التي قدمت لها الدعم.

يكشف هذا المسار اختلاف الغايات التي التقت داخل المدرسة. فقد أراد عبد الحميد بناء جسر يربط مسلمي بكين بالخلافة، ويمنح إسطنبول حضورا دينيا وتعليميا في أقصى آسيا. واتخذ وانغ من الدعم العثماني أداة لتجديد التعليم وتقوية موقع المسلمين داخل المجتمع والدولة، حيث أراد أن يجيد المسلم الصينية حتى يستطيع التعلم والعمل والتفاعل مع مؤسسات الدولة، وأن يحتفظ بالعربية والعلوم الإسلامية لصيانة صلته بدينه.

اتخذ وانغ من الدعم العثماني أداة لتجديد التعليم وتقوية موقع المسلمين داخل المجتمع والدولة (ملكية عامة)

مدرسة بلا سفارة

بعد نحو 40 عاما من وصول الراية والمدافع العثمانية إلى كاشغر، عادت الصلة بإسطنبول في صورة أكثر هدوءا وأبعد أثرا. ففي 14 مارس/آذار 1914، وصل حبيب زاده أحمد كمال إلى أتوش قرب كاشغر، بتنسيق من دوائر الاتحاد والترقي، واستجابة لطلب وجهاء محليين أرادوا دعما عثمانيا لمشروعهم التعليمي. جاء الرجل من عالم الصحافة والتعليم والسياسة، وفي 19 أبريل/نيسان افتتح مدرسة "دار المعلمين الاتحادية" لإعداد مدرسين قادرين على نشر التعليم الحديث في مدن تركستان الشرقية وقراها.

نشأت المدرسة فوق أرض مهيأة للإصلاح. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، انتشرت في أتوش وكاشغر أفكار "الحركة الجديدية" القادمة من مسلمي روسيا وآسيا الوسطى، ودعت إلى تطوير تعليم القراءة وإدخال الحساب والتاريخ والجغرافيا والعلوم. وحمل التجار والحجاج والطلاب هذه الأفكار عبر الطرق التي ربطت كاشغر بقازان وبخارى والهند وإسطنبول.

برزت أسرة موساباي في قلب هذه الحركة، إذ افتتح الشقيقان حسين وبهاء الدين موساباي عام 1885 مدرسة على الطريقة الجديدة، وموَّلا مشروعات تعليمية وتجارية وصناعية. واحتاجت مدارسهما إلى معلمين محليين يجيدون اللغات والحساب ويفهمون أساليب التدريس الحديثة، فاتجه وجهاء أتوش إلى إسطنبول طلبا لمعلم يستطيع تنظيم مؤسسة لإعدادهم. وقد وقع الاختيار على أحمد كمال، المولود عام 1873 والمتخرج في دار الشفقة بإسطنبول، والذي عمل في الصحافة والتدريس، وتنقل بين أثينا والقاهرة والقوقاز، واحتك بالنقاشات التي خاضها مسلمو روسيا حول التعليم واللغة والهوية، وهي تجربة منحته معرفة بالمدرسة الجديدية.

"اتجه وجهاء أتوش إلى إسطنبول طلبا لمعلم يستطيع تنظيم مؤسسة لإعدادهم"

وضعت "دار المعلمين الاتحادية" برنامجا يمتد 3 سنوات، واستقبلت طلابا تجاوزوا 15 عاما، ووفرت لهم السكن والطعام والتعليم. واشترطت على الخريجين العمل سنتين في مدارس الطريقة الجديدة، كي يتحولوا إلى شبكة من المدرسين في الواحات والقرى. وجمع المنهج العلوم الإسلامية والعربية والفارسية والتركية والأدب والتاريخ والجغرافيا والحساب والطبيعة وطرق التدريس والرسم والخط والتربية البدنية.

أدخل أحمد كمال إلى المدرسة الخطابة والمسرح والاحتفالات العامة. فكان الطلاب يلقون الخطب وينشدون القصائد أمام الأهالي، وقدموا مسرحية تنتقد حرمان الأبناء من التعليم. وحملت المدرسة أيضا رموزا عثمانية واضحة، فعلقت صور محمود شوكت باشا وأنور بك وأحمد نيازي بك، وظهرت الراية العثمانية في بعض المناسبات، وربطت القصائد والخطب الطلاب بالعالم الإسلامي التركي.

منحت هذه الرموز المدرسة قوة معنوية، ووسعت في الوقت نفسه دائرة الشك حولها. فقد رأى المؤيدون فيها جسرا إلى عالم التعليم الحديث، وقرأت الإدارة الصينية صور القادة والراية واللغة التركية بوصفها علامات اتصال سياسي وثقافي بقوة خارجية. وراقبت القنصليتان الروسية والبريطانية نشاطها من زاوية التنافس في آسيا الوسطى وأمن الهند، وكذلك انتقال الأفكار الجديدية والقومية عبر الحدود.

انقسم المجتمع المحلي حول المشروع، حيث أيده علماء ووجهاء، وأسهمت جمعية خيرية في جمع التبرعات له، في حين اعترض علماء آخرون على الصور والخرائط والمسرح والرياضة وبعض المواد الحديثة. واختلط الخلاف التعليمي بمنافسات المكانة والمال بين عائلة موساباي وخصومها، فتحولت المدرسة إلى ساحة صراع على قيادة المجتمع وحدود الإصلاح. وزاد أسلوب أحمد كمال الحاد من صعوبة موقعه. إذ حمل إلى أتوش لغة الصراع السياسي العثماني، وتعامل مع كثير من الاعتراضات على أنها مقاومة للعلم. ولذا اعتقلته السلطات الصينية يوم 9 أغسطس/آب 1915 وحكمت عليه بالسجن 75 يوما، ثم أفرجت عنه بشرط الابتعاد عن التدريس. إلا أنه واصل توجيه طلابه، فاعتقل مرة أخرى في ربيع 1916، ثم صدر قرار بنفيه.

توقف البرنامج إذن قبل إكمال سنواته الثلاث، وانتهت تجربة المعلم العثماني المباشرة خلال فترة قصيرة. وقد ترك المشروع أثرا ملموسا، واختبر طلابا وأجازهم للتدريس في المرحلة الابتدائية. وانتقل هؤلاء إلى مدارس الطريقة الجديدة، وساعدوا في سد النقص الذي دفع وجهاء أتوش إلى طلب الدعم من إسطنبول. واستمرت الحركة التعليمية بعد رحيله، مستندة إلى جذورها المحلية وشبكات التجارة والسفر والدراسة الخارجية.

أحمد كمال أدخل إلى"دار المعلمين الاتحادية" الخطابة والمسرح، فكان الطلاب يلقون الخطب وينشدون القصائد أمام الأهالي (حساب طاهر أمين على فيسبوك)

ما بقي من الباخرة

حين كانت باخرة حسن أنور باشا تشق طريقها نحو الصين عام 1901، كانت المهمة التي خرجت من أجلها قد فقدت معناها الأول. فقد أبلغت برلين إسطنبول، والوفد لا يزال في البحر، أن الخطر الذي استدعى إرساله انحسر، وأن وجوده لم يعد ضروريا. ومع ذلك واصلت الباخرة رحلتها، حاملة سؤالا حول ما يستطيع اسم الخليفة أن يصنع في أرض تخلو من سفارة عثمانية، وقنصل، وطريق مستقل يصلها بإسطنبول.

جاء الجواب على هيئة مفارقة. أقلقت البعثة سفارات إمبراطوريات تملك الجيوش والموانئ وشبكات القناصل، بينما كان رجالها يبحثون عمن يترجم كلماتهم، ويمول إقامتهم، ويرتب عودتهم. وظهر السلطان عبد الحميد في التقارير الأوروبية صاحب نفوذ يبلغ ملايين المسلمين، وظهرت دولته في تقارير مبعوثيها غائبة عن الطرق التجارية والمراكز السياسية التي تقود إلى الصين، فسبق اسم السلطان مؤسسات دولته، واتسع حضوره كلما انكشفت محدودية الوسائل التي تستطيع إسطنبول أن تحمله بها.

أرادت ألمانيا تهدئة اضطراب عابر، وسعى السلطان عبد الحميد إلى توسيع مجال حضوره، ثم بقيت بعدهما مدارس وكتب ومعلمون وصلات لم تخطط لها برلين، ولم تستطع إسطنبول جمعها داخل سياسة مستقرة. وصلت الراية إلى كاشغر، والكتب إلى بكين، والمعلم إلى أتوش، بينما بقيت السفارة غائبة. وهكذا، لم تعبر الدولة العثمانية إلى الصين بقدر ما عبر إليها اسمها، وما إن وصل الاسم حتى فتح أفقا آخر مغايرا لما خُطِّط له، ولم تكن الباخرة التي غادرت إسطنبول تتخيله.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا