هذا المقال بقلم الدكتور حبيب الملا، الشريك المدير، مكتب حبيب الملا ومشاركوه. الآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN .
كتب السيد خميس عبيد القطيطي، الكاتب العُماني، مقالا عن مضيق هرمز ذكر فيه أن حجم الملاحة الكبير في مضيق هرمز يفرض على الدول "المشاطئة مسؤوليَّات كبيرة ومتزايدة تتجاوز مجرد الإشراف الجغرافي والإداري للعبور، لِتشملَ منظومة واسعة من الخدمات البحريَّة، أهمها: تأمين سلامة الملاحة البحريَّة، وخدمات البحث والإنقاذ، والاستجابة للطوارئ البحريَّة، ومكافحة التلوُّث، وحماية البيئة البحريَّة، بالإضافة إلى إدارة حركة السفن، وتقديم الدَّعم الفنِّي والإرشادي عند الحاجة، والتنسيق مع الهيئات الدوليَّة المختصة. ولا شك أن كل هذه الخدمات تطلب جهودًا وتكاليف ماليَّة وبشريَّة وتقنيَّة كبيرة تتحملها الدول المشاطئة للمضيق بصورة مستمرَّة، وهذه المسؤوليَّات تتعاظم مع الزمن. ومن هنا تبرز أهميَّة إعادة النظر في رسوم الخدمات البحريَّة؛ باعتبارها حقًّا مشروعًا مقابل تلك الجهود والمسؤوليات".
كما دعا السيد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الاسبق في مقال بمجلة Foreign Affairs إلى الاعتراف بدور إيران في إدارة مضيق هرمز بالتعاون مع سلطنة عمان، ويبدو أن ذكره لكل من عمان وإيران على أساس ان حركة الملاحة البحرية تمر فى مياههما.
ولي على هذا الموضوع عدة ملاحظات.
أولاً: لا خلاف على أن الخدمات التي تقدمها الدول المشاطئة للمضائق الدولية حق مشروع وهذا الحق ليس جديدا ولا طارئا، بل هو حق مكفول أصلا في اتفاقية الأمم المتحدة للبحار. وكثير من الدول تتحصل على رسوم الخدمات التي تقدمها للسفن العابرة. ولكن يجب أن تكون هذه الرسوم مقابل خدمات فعلية تقدمها هذه الدول كما يجب أن تكون هذه الرسوم اختيارية لا أن تكون في حقيقة الأمر جباية مقابل العبور مغلفة بإطار خدمات.
ثانيا: هناك فارق بين المرور العابر وهو حق مكفول لجميع الدول في المضائق الدولية وبين حق المرور الآمن الذي يعطي للدول المشاطئة في المضائق الدولية حقوقا معينة على حركة الملاحة.
ثالثا: للإمارات أيضا حقوق في مضيق هرمز وذلك باعتبار أن حركة الملاحة تمر من خلال مياهها الإقليمية. كما سنوضح لاحقا.
رابعا: ومع أن إيران وقّعت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 ولم تصادق عليها، إلا أن أحكام المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تُعدّ في جوهرها قانوناً دولياً عرفياً ملزماً لجميع الدول بصرف النظر عن المصادقة. لذلك فالمطالبة بأن أي نظام دائم لهرمز يجب أن يكون إقليمياً يشمل كل دول الخليج المتضررة، على أساس أن المداخل تمسّ حقوق دول ثالثة فلا تقبل التسوية الثنائية. هنا تأتي المشاركة نتيجةً لبطلان الثنائية في النطاق الماس بالإمارات.
يقوم المركز القانوني الأقوى للإمارات على تقاطع عنصرين:
1. المياه المتنازع عليها: بما أن الممر الملاحي يمر في مياه غير محدّدة بين البلدين، فإن إيران لا تملك سنداً سيادياً خالصاً يخوّلها التحكم في مداخل المضيق أو فرض ما تسميه ممراً آمناً أو استيفاء رسوم عبور استناداً إلى سيادة على جزر هي ذاتها محل نزاع قانوني قائم.
2. السند غير الساقط: رفعت الإمارات القضية إلى مجلس الأمن في ديسمبر 1971 عقب الاحتلال، وواصلت طوال 5 عقود مطالباتها واحتجاجاتها، داعيةً إلى التسوية عبر التفاوض المباشر أو محكمة العدل الدولية. والاحتجاج المستمر هنا ليس تفصيلاً شكلياً، بل إن هذا الموقف يُسقط أي ادعاء إيراني بالتقادم المُكسِب للملكية، إذ يشترط التقادم حيازةً هادئة بلا منازعة، وهي غير متحققة هنا. فالاحتلال غير المشروع لا يكتسب شرعية بمرور الزمن، وتبقى المطالبة الإماراتية قائمة وغير منقضية.
واجتماع هذين العنصرين، سندٍ متنازع عليه وغير ساقط، ودولة مستخدِمة متضررة مباشرة تخرج تجارتها البحرية عبر هذا المضيق، يمنح الإمارات مصلحة قانونية معتبرة ( Legal Standing ) في مسارين: مسار السيادة على الجزر القابل للإحالة إلى محكمة العدل أو التحكيم، ومسار أي ترتيب تفاوضي أو قانوني يخص المضيق وخاصة مداخله الواقعة في مياه متنازع عليها. وهذا هو "المقعد على الطاولة" الذي يجب أن تسعى إليه الإمارات.
1. حق السيادة على الجزر الثلاث: للإمارات سند تاريخي وقانوني قائم لم يسقط، لا يَكسبه الاحتلال الايراني مهما طال، ويظل محفوظاً بفعل الاحتجاج المستمر. ويجب التمييز بين السيطرة الفعلية ( Effective Control ) وهي بيد إيران بحكم الأمر الواقع وبين السند القانوني ( Title )، وهو متنازع عليه ويميل لصالح الإمارات.
2. حق اللجوء إلى القضاء الدولي: إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية أو إلى تحكيم دولي ملزم لحسم مسألة السيادة، وهو ما تدعو إليه الإمارات وتتجنبه إيران.
3. الصفة والمصلحة القانونية في ترتيبات المضيق: حق المشاركة في أي إطار قانوني أو تفاوضي يخص المضيق ومداخله، بوصف الإمارات صاحبة سند متنازع عليه ودولة مستخدِمة متضررة مباشرة.
4. حق الاعتراض على الممارسات الإيرانية في المداخل وذلك برفض أي إجراء تنظيمي أو قسري تتخذه إيران في مداخل المضيق استناداً إلى سيادة على جزر متنازع عليها قانوناً.
5. حق المرور العابر لسفنها بوصفها دولة مستخدِمة للمضيق، وهو حق عرفي راسخ لا يجوز تعليقه ولا عرقلته.
6. حقوق الدولة المتضررة: عند ثبوت فعل غير مشروع دولياً، تثبت المسؤولية الدولية ويترتب عليها التعويض الكامل بأشكاله الثلاثة، الرد إلى الحالة الأصلية والتعويض المالي والترضية، إضافةً إلى حق اللجوء للتدابير المضادة المشروعة وفق مواد لجنة القانون الدولي لعام 2001 ضمن شروطها من إخطار وتناسب وهدف محدد.
تستطيع الامارات منع أي ترتيب ثنائي من أن يُنتج أثراً نافذاً يمسّ الإمارات أو يُكرّس واقعاً ضد مطالبها. ويقوم ذلك على ثلاثة أسس:
1. عدم النفاذ: أي توافق ثنائي يطال المياه المتنازع عليها حول الجزر لا يُحتجّ به على الإمارات بوصفها دولة ثالثة، عملاً بمبدأ نسبية أثر المعاهدات، وأي ممر ملاحي يُرسم في البحر الإقليمي حول الجزر دون رضاها باطل بحكم السيادة الإقليمية. وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضيتي ليبيا/مالطا 1985 والكاميرون/نيجيريا 2002 حين امتنعت عن تحديد ما يمسّ حقوق طرف ثالث.
2. منع التكريس: لا يجوز استخدام تنظيم المضيق غطاءً لترسيخ السيطرة على الجزر ومياهها. وأداة المنع هي الاحتجاج المنهجي المستمر أمام الأمين العام للأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية على كل ترتيب يمسّ مياه الجزر، بما يُبقي السند حياً ويمنع نشوء حيازة هادئة بلا منازعة تُكسِب التقادم.
3. المرور العابر ليس منحة ثنائية بل حق لجميع الدول المستخدِمة، فلا تملك الدول المشاطئة إنشاءه أو تقييده باتفاق ثنائي، بل لها فقط تنظيم ممارسته في مياههما ضمن حدود الاتفاقية وقيد عدم العرقلة. وعليه فأي ترتيب يُقدَّم بوصفه تنظيماً لحق المرور في المضيق متجاوزاً حدود مياههما هو محل تحفّظ قانوني، بصرف النظر عن مسألة الجزر. والرد يكون عن طريقين:
الأول، المنظمة البحرية الدولية، بوصفها بوابة اعتماد أي نظام فصل ملاحي ولا تعتمده إلا بالاتفاق مع الدول المشاطئة، والإمارات عضو فيها تُسجّل اعتراضها كدولة متضررة ومستخدِمة.
والثاني، الإطار الإقليمي متعدد الأطراف، إذ تمسّ المداخل حقوق دول ثالثة فلا تقبل التسوية الثنائية، فتأتي المشاركة نتيجةً لبطلان الثنائية في النطاق الماس.
المضيق ليس وحدة واحدة، بل منطقتان متمايزتان قانونا. المنطقة الأولى، عنق المضيق (أضيق نقطة نحو 21 ميلاً بحرياً شمال شبه جزيرة مسندم). هنا يقع نظام الفصل الملاحي المعتمد من المنظمة البحرية الدولية. وهذا النظام يقع في البحر الإقليمي العُماني بلا خلاف. أما المضيق، بالمعنى الملاحي الذي يجري فيه المرور العابر، فتشكّله إيران من الشمال وعُمان عبر شبه جزيرة مسندم من الجنوب، وتقع ممرات الفصل الملاحي في معظمها داخل المياه الإقليمية العُمانية وعند أضيق نقطة يقع الممران الداخل والخارج في المياه العمانية.
جغرافياً، الجزر تقع عند مدخل المضيق. والإمارات تطل على المداخل الجنوبية له. فالجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى تقع عند مدخل المضيق، إذ يمر الممر الملاحي الرئيسي بينها، شمال طنب وجنوبها، فيما تقع أبوموسى إلى الجنوب. لذلك تحتفظ الامارات بسيادة إقليمية كاملة على البحر الإقليمي حول الجزر، حيث يطبَّق نظام المرور البريء لا العابر. والفارق جوهري، فالمرور البريء يختلف عن المرور العابر، فبينما تخضع المضائق الدولية للمرور العابر، تخضع المياه الإقليمية العادية للمرور البريء القابل للتعليق المؤقت في مناطق محددة لأسباب أمنية (المادة 25/3 من اتفاقية الأمم المتحدة للبحار). أي أن سيطرة الدولة على مياه الجزر نفسها تكون أقوى ولا يمكن تمرير ممر عبرها دون رضاها بحكم السيادة المجردة.
وكما ذكرنا فالمضيق ليس وحدة قانونية واحدة بل منطقتان. الأولى عنق المضيق شمال شبه جزيرة مسندم، والثانية المداخل الغربية جهة الخليج، حيث تقع مسارات الملاحة قرب الجزر الثلاث وجزئياً في مياه غير محدّدة متنازع عليها بين إيران والإمارات.
ويجب فصل عنق المضيق عن المداخل الغربية. فعنق المضيق (شمال مسندم) يقع في المياه العُمانية، والترتيب الثنائي الجاري اليوم يدور حول العبور في تلك المياه من خلال اتفاق ثنائي على العبور خلال المياه الإقليمية العُمانية، وممر يديره العُمانيون عند الطرف الجنوبي للمضيق. وهذه القطعة لا تمسّ مياه الجزر ولا ساحل للإمارات فيه. بينما الممرات في الطرف الغربي للمضيق تقع جزئياً في مياه تدّعيها إيران وجزئياً في مياه غير محدّدة متنازع عليها بين إيران والإمارات وفق اتفاقية الجرف القاري لعام 1974.
والمنطقة المستخدمة للملاحة الدولية تقع قرب الجزر إذ يمر الممر الملاحي الرئيسي بينها، شمال طنب وجنوبها، فيما تقع أبوموسى إلى الجنوب. فهذه المساحة تمسّ مباشرة المياه المتولّدة عن الجزر أو المتنازع عليها بسببها، وهنا للإمارات موقف قانوني راسخ في المطالبة بالاشتراك في أي ترتيبات. فأي مسعى لنظام دائم وشامل لهرمز، وكذلك مسارات المداخل الغربية، ومخطط إيران قرب الجزر، كلها تمسّ مياه الامارات. وهنا يتحدد الموقف الإماراتي بناءً على طبيعة المياه التي يخترقها الممر.
فللجزر نطاقين بأثرين مختلفين. البحر الإقليمي (12 ميلاً من خطوط الأساس)، هنا السيادة كاملة على عمود الماء نفسه، وتشمل تنظيم الملاحة. فطالما أن الممر يخترق البحر الإقليمي المتولّد عن أبوموسى أو طنب، فمن يملك الجزيرة يملك ذلك الماء وتنظيم المرور فيه. هنا الموقف الإماراتي في أقصى قوته، فالسيادة فيه كاملة وتشمل تنظيم الملاحة، ولا يجوز رسم ممر أو نظام فصل ملاحي عبره دون رضا صاحب السيادة، وأي ترتيب فيه باطل وغير نافذ. أما المنطقة الاقتصادية الخالصة خارج البحر الإقليمي، فالحقوق هناك سيادية على موارد القاع لا على الملاحة، وتبقى حرية الملاحة قائمة.
فالجزر هي مولّدة خطوط الأساس التي تُقاس منها كل النطاقات، وطالما أن السند على الجزر متنازع عليه حتى الآن تكون هذه المياه متنازع عليها وبذلك تتحول مسألة الملاحة إلى مسألة سيادة لم تُحسم ولا يجوز اتخاذ قرار فردى بشأنها. وعليه للإمارات الحق في التمسك بعدم جواز أي نظام فصل ملاحي دون رضاها حيث يخترق الممر البحر الإقليمي للجزر، وبعدم نفاذ أي ترتيب يبني على حدّ متنازع عليه حيث يمر في الجرف خارج البحر الإقليمي.
الخلاصة: للإمارات حق بألا يُبنى على المضيق ما يضرّها أو يُكرّس ضدها. وعدم نفاذ ما يمسّ مياهها، ومنع تحوّل التنظيم إلى تكريس للاحتلال، ورفض التصرف الثنائي في حق مرور دولي لا يملكه أحد بمفرده. وكل ذلك دون التنازل عن أن الأصل وهو السيادة على الجزر.
الخلاصة أن سلطة إيران على الجزر الثلاث وعلى مياهها المحيطة متنازع عليها قانوناً، ومن ثَمّ لا يجوز أن تُبنى عليها سيطرة حصرية على شريان ملاحي دولي. والإمارات صاحبة حق لم يسقط، ودولة متضررة مباشرة، ولها مقعد مشروع في أي ترتيب لمضيق هرمز. والسؤال في نهاية المطاف ليس وجود هذا المقعد، بل توافر الإرادة السياسية لتفعيله.
المصدر:
سي ان ان