آخر الأخبار

"احكيلي يا جنوب".. معرضٌ يروي حكايات الجنوب اللبناني بأصوات أهله وصورهم وذكرياتهم

شارك

بينما لا يزال جنوب لبنان يرزح تحت وطأة الحرب التي أثرت على البشر والحجر تاركة ندوبا لا تلتئم،اختار معرض "احكيلي يا جنوب" مقاربة الواقع من منظار مختلف: فبدل الاكتفاء بتوثيق الدمار أو استعادة المحطات التاريخية، حاول أن يفتح مساحة للإنصات إلى الناس من خلال صورهم، وذكرياتهم، وحكاياتهم، وحتى رسائلهم.

منذ أن فتح معرض "احكيلي يا جنوب" أبوابه أمام الزوار في 10 مايو/أيار الماضي داخل متحف "بيت بيروت" بمنطقة السوديكو في العاصمة اللبنانية، استأثر اهتمامَ الجمهور، بما يضمّه من صور عائلية وشهادات وقصص شخصية شقّت طريقها نحو العاصمة، في محاولة لإظهار جنوب لبنان من خلال أهله، بعيداً عن الصورة التي تختزله في الدمار، وحتى لا يُصبح ماضي هذا الجنوب قيد النسيان، وتُضنيه الحرب حدّ الموت في ذاكرة أبنائه.

ورغم التفاعل الذي حظي به، لم يكن المعرض ثمرة تحضيرات امتدت لأشهر، بل وُلد على عجل في لحظة استثنائية. فقد اتُّخذ قرار إطلاقه قبل ثلاثة أسابيع فقط من افتتاحه، حين كانت الحرب الأخيرة لا تزال تلقي بكلّ ثقلها على الجنوب. كان السؤال الذي واجه الفريق منذ البداية: هل الوقت مناسب أصلاً لإقامة معرض يتناول ذاكرة منطقة لم تلتئم جراحها بعد؟

وبعد ستة أسابيع فقط من افتتاحه، كان للمعرض وقعٌ في نفوس زواره، وفاقت نسبة الإقبال توقعات القائمين عليه، وكشف عن حاجة كثيرين إلى استشفاف واقع الجنوب وحكاياته بطريقة مختلفة. وقبل أن يطوي مرحلته الأولى مع العطلة الصيفية في بداية أغسطس/آب، تاركًا موعداً جديداً مع زواره في سبتمبر/أيلول، تبدو الفرصة سانحة للوقوف عند تأثيرات التجربة الأولى. فهل استطاع المعرض بما أثاره من تفاعل أن يحقّق أهداف القائمين عليه؟

مصدر الصورة صورٌ عائليةٌ من جنوب لبنان عُلِّقت ضمن معرض "احكيلي يا جنوب" يورونيوز

تقول المديرة التنفيذية لمبادرة "احكيلي"، دلفين أبي راشد، لـ"يورونيوز" إن المشروع كان، بالنسبة للعاملين في المجال الثقافي، الرد الوحيد الذي شعروا أنهم قادرون على تقديمه أمام ما يجري، لكنها تُشير إلى أن القلق كان حاضرًا منذ البداية، ولا سيما بشأن كيفية استقبال أبناء الجنوب للمعرض، خوفًا من أن يشعروا بأن تجربتهم أو خسارتهم تُختزل داخل مساحة عرض.

وبحسب أبي راشد، فإن ما حدث كان معاكساً لكل تلك المخاوف، إذ استقبل المعرض حتى اليوم أكثر من 7200 زائر، من دون تسجيل أي ردود فعل سلبية، بينما ترك الزوار أكثر من 130 رسالة، و90 رسماً، ومئات القصص التي أصبحت جزءاً من المعرض نفسه.

ورداً على سؤال بشأن الانتقادات التي اعتبرت أن الوقت لا يزال مبكراً لإقامة معرض عن جنوب لبنان، قالت أبي راشد إنه رغم الهواجس التي راودت فريق العمل في البداية، تعجز الكلمات غالباً عن وصف ما يحدث، فضلاً عن فهمه، وتُضيف: "نجد أنفسنا معلّقين بين الماضي والمستقبل والحاضر، حيث يبدو المستقبل وكأنه قد كُتب مسبقاً، بينما لا يزال التاريخ غير مكتمل، ولا يزال يتكشف أمامنا".

وتوضّح أبي راشد: "ما الذي يمكن فعله في مثل هذه اللحظات؟ ربما يمكننا أن نفسح مجالاً، وأن نخلق مساحة لنكون معاً في هذه اللحظة. والحقيقة أنه لا يوجد وقت مثالي. كيف يمكن ألا نتحدث عن الجنوب؟ من الواضح أيضاً أن هناك حاجة ورغبة لدى أبناء الجنوب في مشاركة تجاربهم، في مثل هذه الظروف الاستثنائية".

لمن عاشه ولمن لم يعرفه

منذ البداية، لم يشأ القائمون على المعرض أن تكون هذه المبادرة موجّهة إلى أبناء الجنوب وحدهم، بل أيضًا إلى لبنانيين كانت معرفتهم بالمنطقة محصورة بما تنقله نشرات الأخبار، وهذه حقيقة لا مراء فيها. وترى أبي راشد أن اللبنانيين عاشوا الحرب بطرق مختلفة، وأن الجنوب كان حاضراً في النقاش العام، ولكن لم يتمّ الإصغاء إلى تجارب أهله.

وتُضيف أن صور الألبومات العائلية القادمة من قرى الجنوب يمكن أن تكون صور أي عائلة في لبنان، مؤكدة أن الفكرة الأساسية لا تقوم على الفصل بين "نحن" و"هم"، بل على البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع اللبنانيين، مهما اختلفت مناطقهم وتجاربهم. ومن هنا، يصبح الحديث عن الجنوب حديثاً عن لبنان كله، لا عن منطقة بعينها.

الفكرة الأساسية لا تقوم على الفصل بين "نحن" و"هم"، بل على البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع اللبنانيين
دلفين أبي راشد
المديرة التنفيذية لمبادرة "احكيلي" في "بيت بيروت"

وتعتبر أبي راشد أن الأرشيف والتذكارات والتوثيق الفني تمثل اعترافاً بتاريخ الناس وتجاربهم، وتحفظ الجذور والهوية والذاكرة المشتركة. وأوضحت أن المشروع يوثق الجمال الاستثنائي لجنوب لبنان، والعلاقة الوثيقة بين السكان وأرضهم، والقصص التي تناقلتها الأجيال، والتقاليد التي منحت الحياة اليومية معناها، إلى جانب ما تعرض له أبناء المنطقة من صدمات وخسائر متكررة على مدى عقود.

واعتبرت أن جهود حفظ الذاكرة يجب أن يشمل مختلف أنحاء لبنان، معتبرةً أن إعادة فهم تاريخ البلاد وحاضرها لا تنفصل عن هذا المسار، تماماً كما أسهمت أرشيفات ما قبل الحرب في تفسير الواقع اللبناني الراهن.

أكثر من 130 رسالة

لا تنتهي زيارة المعرض عند مشاهدة الأعمال وإسدال الستار عليها، فقد خصصت مساحات لكتابة الرسائل والذكريات، وهو ما حوّل الجمهور إلى شريك في صناعة المحتوى.

توضح منسقة المعرض، نور نصر، أن أكثر من 130 رسالةً أصبحت اليوم جزءاً من المعرض نفسه، بعدما كتب كثيرٌ من الزوَّار إلى قراهم في جنوب لبنان، أو إلى بيوتٍ لم تعد قائمة، أو إلى أحبَّاء رحلوا عن هذه الدنيا. وتقول إن ذلك يجسِّد الفكرة التي انطلق منها معرض "احكيلي يا جنوب" منذ البداية، وهي ألا يكون معرضاً مكتملاً ونهائياً، بل معرضاً ينمو باستمرار من خلال ذكريات زوَّاره ومساهماتهم.

وتضيف نصر في مقابلة مع "يورونيوز" أن قراءة هذه الرسائل كانت من أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة إلى فريق العمل، إذ تكرَّرت فيها بصورةٍ لافتة مشاعرُ الفقد والحنين، فبعض الزوَّار كتبوا أن أول مكانٍ يتمنَّون زيارته هو قبور أحبَّائهم، فيما استعاد آخرون ذكريات الأجداد، وأمسيات الصيف، والحياة اليومية البسيطة التي عرفوها يوماً في الجنوب.

وبحسب نصر، كشفت هذه الرسائل أن علاقة الناس بالجنوب لا ترتبط بالمكان فحسب، بل تمتد إلى العائلة، والذاكرة، والانتماء، والهوية. ولهذا، حرص القائمون على المعرض على توفير مساحاتٍ تدعو الزوَّار إلى التذكُّر والمشاركة، سواء عبر دفاتر الأسئلة المفتوحة أو من خلال تصميم المعرض نفسه.

وتؤكد نصر أن أكثر ما أثَّر في فريق العمل كان السخاء الذي أبداه الزوَّار في مشاركة قصصهم وذكرياتهم. وتأمل أن يغادر كلُّ زائرٍ وهو يدرك أن جنوب لبنان أكبر وأكثر تعقيدًا من الصورة التي تختزله بها الأخبار، وأن يحمل معه قصةً، أو ذكرىً، أو حتى سؤالًا جديدًا. والأهم، أن يشعر بأن قصة كلِّ شخصٍ تستحق أن تُسمَع، لأن مشاركة الذكريات تجعلها مسؤوليةً جماعيةً تُقرِّب الناس من بعضهم البعض.

"وكأنني عرفت الجنوب للمرة الأولى"

جنى، زائرة تبلغ من العمر 22 عاماً، تقول إنها لطالما سمعت عن تحرير الجنوب (عام 2000) ومعتقل الخيام، لكنها شعرت وكأنها عاشت تلك اللحظات فعلياً داخل المعرض بعد مشاهدة التسجيلات وسماع شهادات من عاشوها. وقد اعتملت داخلها رغبةً بالبكاء.

وترى أن ما ميّز المعرض هو أنه لم يكتفِ بعرض الألم، بل وضعه إلى جانب الأمل: من جهة، استمعت إلى قصص أشخاص خسروا بيوتهم أو عاشوا التهجير، ومن جهة أخرى، شاهدت صور القرى والحياة اليومية التي سبقت الدمار، ما جعلها تشعر بأن الجنوب ليس مجرد ساحة حرب، بل مكان مليء بالحياة والذكريات.

وتقول إنها، طوال فترة الحرب، لم تشعر بأنها فهمت حقيقة ما عاشه أبناء الجنوب، لأن وسائل التواصل الاجتماعي كانت تنقل الروايات المتناقضة والانقسامات السياسية ، بينما منحها المعرض فرصة لسماع الناس أنفسهم، عبر أصواتهم وصورهم، بعيدًا عن أي محاولة لإقناعها برأي معين. وتضيف أن الدمج بين الصوت والصورة جعل التجربة أكثر تأثيراً، وأصبحت بعدها مأخوذة بفكرة إصرار أبناء الجنوب على التمسّك بأرضهم، وارتباطهم العميق بها.

أما نوال (47 سنة)، التي خاضت هي الأخرى غمار التجربة، فاستعادت خلال جولتها في المعرض ذكرى يعود تاريخها إلى ستة وعشرين عاماً حين عادت مع عائلتها إلى قريتها بعد التحرير. وتقول الزائرة إن تلك اللحظات كانت من أجمل أيام حياتها، وإن المعرض أعادها إليها بكل ما حملته من مشاعر وفرح وحنين.

مصدر الصورة زائرة في معرض "احكيلي يا جنوب" يورونيوز

عودةٌ مختلفة في أيلول؟

خلال الأسابيع الماضية، حمل كثيرون صوراً وألبومات عائلية لتُضاف إلى المعرض، وفق أبي راشد. ومن بينها نحو مئة صورة قدمتها إحدى السيدات من قضاء بنت جبيل، إضافة إلى عشرات الصور الأخرى من النبطية الفوقا وقلعة الشقيف المحتلة، والتي ستُعرض عند إعادة افتتاح المعرض في سبتمبر.

وترى أبي راشد أن أهمية هذا المشروع لا تكمن في جمع الأرشيف بحد ذاته، بل في الاعتراف بما عاشه الناس، والحفاظ على قصصهم من النسيان. فالأرشيف، بالنسبة إليها، ليس استعادة للماضي أو إحياءً للذكرى، بل تأكيد على الوجود، وحفظ للجذور والهوية، ورفض لأن تُمحى هذه التجارب من الذاكرة الجماعية.

ويبقى سؤالٌ أخير قبل أن يغلق المعرض أبوابه خلال العطلة الصيفية: هل سيعود بالشكل نفسه في أيلول؟ تُجيب أبي راشد: "منذ افتتاحه، يتغيَّر المعرض باستمرار، مع كل رسمة وصورة وذكرى جديدة يتركها الزوار. أما جوهره، فسيبقى كما هو، لأن ستة أسابيع لم تكن كافيةً لمعرض من هذا النوع".

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا