"الإحاطة اليومية للرئيس الأمريكي ربما تكون أصغر صحيفة يومية في العالم من حيث التوزيع، وأكثرها سرية، وربما أفضلها اطلاعا"
بواسطة (كريستوفر أندرو، المؤرخ الرسمي للاستخبارات البريطانية)
تختلف أجهزة الاستخبارات في درجة تغليف أعمالها بالسرية، فبعضها يعمل على حَجب أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الخصوم، في حين تتبنى أجهزة أخرى نهجا مختلفا يقوم على الإفصاح عن جانب من معارفها وخبراتها، مع حصر الحماية في نطاق ضيق من المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى إلحاق ضرر ملموس بأمنها القومي.
ويُعد النموذج الأمريكي من أبرز الأمثلة على هذا النهج. فإلى جانب ما تنتجه المؤسسات الرسمية ومراكز الأبحاث والجامعات من كم هائل من المعلومات والدراسات، دأبت أجهزة الاستخبارات الأمريكية على نشر جانب معتبر من خبراتها التاريخية والتنظيمية والعملياتية. وينطلق هذا التوجه من قناعة مفادها أن تراكم المعرفة وتداولها يساهمان في تطوير الأداء المهني وصقل قدرات الأجيال الجديدة من العاملين في المجال الاستخباري.
وفي عام 2020 نشر شبتاي شافيت، رئيس الموساد السابق، النسخة الإنجليزية من مذكراته، وعقد فيها مقارنة بين النهجين السوفياتي والأمريكي في التعامل مع المعلومات. فبينما سعى الاتحاد السوفياتي إلى إحاطة 100% من معلوماته بالسرية، اعتمدت الولايات المتحدة مقاربة تقوم على حماية الحد الأدنى من المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى الإضرار بمصادر القوة الأمريكية، مع ترك بقية المعلومات متاحة للتداول. ووفقا لشافيت، فإن هذا النهج يجعل من الصعب على الخصوم التقاط الإشارة الحقيقية المهمة وسط تدفق وتضارب المعلومات المتاحة للجميع.
وفي هذا السياق أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مركزا متخصصا لدراسات الاستخبارات، تولَّى على مدار عقود إصدار عشرات الكتب والدراسات والوثائق التي تتناول تاريخ العمل الاستخباري الأمريكي وآلياته وتحدياته، بهدف تعزيز الفعالية التشغيلية والتحليلية والإدارية لمجتمع الاستخبارات، وبناء المعرفة المستندة إلى دروس الماضي وخبراته.
"بينما سعى الاتحاد السوفياتي إلى إحاطة 100% من معلوماته بالسرية، حمت الولايات المتحدة الحد الأدنى من المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى الإضرار بمصادر القوة الأمريكية"
ومن بين أبرز إصدارات هذا المركز كتاب "الإحاطات الاستخباراتية للمرشحين للرئاسة والرؤساء المنتخبين من عام 1952 إلى عام 2016″، الذي أعده جون هيلغرسون، نائب مدير وكالة المخابرات المركزية لشؤون الاستخبارات سابقا، والذي قدم بنفسه الإحاطة الاستخبارية للرئيس بيل كلينتون عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية في عام 1992.
واعتمد هيلغرسون في تأليف الكتاب على مقابلات شخصية مع مُقدمي الإحاطات السابقين من ضباط الاستخبارات، وكذلك مع عدد من الرؤساء الأمريكيين مثل جورج بوش الأب ورونالد ريغان وجيمي كارتر وجيرالد فورد، فضلا عن اطلاعه على أرشيف الإحاطات السرية المُقدَّمة للرؤساء منذ بدئها في عام 1952. وقد نشرت آخر طبعة للكتاب عام 2022 لتغطي الإدارة الأولى للرئيس ترمب.
ويفتح هذا الكتاب نافذة نادرة على واحدة من أكثر حلقات صناعة القرار الأمريكي سرية، وهي الإحاطات الاستخبارية التي تُقدَّم للمرشحين الرئاسيين والرؤساء المنتخبين، وما تحمله من تقديرات وتحذيرات ومعلومات تسهم في تشكيل فهمهم للعالم وتوجيه قراراتهم في ملفات الحرب والسلم والسياسة الخارجية.
في يوم 12 أبريل/نيسان 1945، وجد هاري ترومان نفسه رئيسا للولايات المتحدة بعد وفاة فرانكلين روزفلت. وبعد أقل من أسبوعين على دخوله البيت الأبيض، أبلغه وزير الحرب هنري ستيمسون بوجود مشروع مانهاتن لتطوير القنبلة الذرية، دون أن يكون نائب الرئيس على علم بتفاصيله. وتركت هذه التجربة أثرا عميقا في ترومان، وأقنعته بأن الرئيس الجديد لا ينبغي أن يبدأ ولايته وهو يجهل الملفات الدولية والأمنية التي سيصبح مسؤولا عنها منذ اليوم الأول، خاصة في ظل المكانة القيادية التي احتلتها الولايات المتحدة في النظام الدولي الذي تشكَّل بعد الحرب العالمية الثانية.
خلال تلك السنوات، كانت الولايات المتحدة ما تزال تبني أجهزتها الاستخبارية وتبحث عن آليات أكثر فاعلية لإيصال المعلومات إلى القيادة السياسية. وفي عام 1947 أُنشئت وكالة الاستخبارات المركزية ضمن قانون الأمن القومي، ضمن عملية إعادة تنظيم لمؤسسات الأمن والدفاع الأمريكية. ومع تصاعد التنافس مع الاتحاد السوفياتي، تزايدت أهمية المعلومات الاستخبارية، وأصبح الرئيس يعتمد على التقديرات والتحليلات القادمة من أجهزة الاستخبارات.
"مع تصاعد التنافس مع الاتحاد السوفياتي، تزايدت أهمية المعلومات الاستخبارية، وأصبح الرئيس يعتمد على التقديرات والتحليلات القادمة من أجهزة الاستخبارات"
ومن هنا بدأت تتبلور آليات منتظمة لتزويد الرئيس بالمعلومات والتقديرات الاستخبارية. فقد أعدَّت الوكالة منشورا حمل عنوان "ملخص الوضع"، ركز على تطورات الحرب الكورية وانعكاساتها الدولية. ثم أطلقت عام 1951 "نشرة الاستخبارات الجارية" اليومية، ثم أتبعتها في العام نفسه بمنشور أسبوعي بعنوان "المراجعة الأسبوعية للاستخبارات الجارية". وكانت المواد المُقدَّمة عبارة عن تقارير موجزة تتناول أوضاع الدول والقضايا التي تشغل صناع القرار الأمريكيين، بحيث تتناول في فقرة أو فقرتين ملخص الوضع الراهن في دولة مُحددة أو قضية ذات أهمية. ورغم حرص ترومان على متابعة هذه النشرات المكتوبة، فقد أولى أهمية خاصة للإحاطات الشفوية الأسبوعية التي قدَّمها له مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك الجنرال والتر بيديل سميث، رفقة أحد ضباط الاستخبارات.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 1952، رأى ترومان أن من المصلحة الوطنية إطلاع المرشحين على التحديات الدولية الرئيسية قبل الانتخابات، بصرف النظر عن انتمائهما الحزبي أو فرص كل منهما في الفوز. ولذا اتخذ قرارا بتزويد المرشحيْن الرئاسيَّيْن آنذاك، دوايت أيزنهاور وأدلاي ستيفنسون، بإحاطات استخبارية دورية. ومن هذه الخطوة نشأت تقاليد الإحاطات الاستخبارية المُخصَّصة للمرشحين والرؤساء المنتخبين، التي أصبحت مع مرور الوقت إجراء راسخا ضمن عملية الانتقال الرئاسي في الولايات المتحدة.
تضمَّنت الحقيبة الاستخبارية التي قُدِّمَت للمرشحيْن أيزنهاور وستيفنسون مجموعة من المواد المكتوبة التي صُمِّمَت لإطلاعهم على الوضع العالمي بدقة، وشملت تقارير موجزة احتوت نحو 20 بندا، يتراوح طول كل منها بين فقرة إلى فقرتين، وتلخص الوضع الراهن في دول معينة ذات اهتمام، فضلا عن تحليلات مُعمَّقة تتضمن مقالا واحدا طويلا يتناول دولة ذات أولوية قصوى (كانت إيران هي الموضوع الأكثر تكرارا في هذه المقالات) وتقرير أو اثنين من أحدث تقديرات الاستخبارات الوطنية التي تُقيّم آفاق التوسع الشيوعي في مناطق مختلفة من العالم.
وبحُكم خبرته العسكرية، تعامل أيزنهاور مع الإحاطة الاستخبارية بعناية، وكان يقرأ المواد المكتوبة قبل الدخول في النقاش مع مقدمي الإحاطة، ويقضي ما بين 15-20 دقيقة في مراجعتها، ثم يطرح أسئلته حول الموضوعات التي تسترعي اهتمامه. وتكشف سجلات وكالة الاستخبارات المركزية أن اهتمامه شمل التطورات السياسية في إيران (في عهد رئيس الوزراء محمد مصدق)، ووضع فرنسا في الجزائر، والتجارة بين اليابان والصين، والحرب الكورية ومفاوضات الهدنة هناك. وقد حرص على أن يحصل عدد من مساعديه على تصاريح أمنية للاطلاع على المعلومات ولبناء فريق للسياسة الخارجية لديه فهم مشترك للبيئة الدولية.
"سمحت الإحاطات لمجتمع الاستخبارات بالتعرُّف إلى شخص الرئيس وأولوياته ومستوى إلمامه بالشؤون الدولية"
وسمحت الإحاطات لمجتمع الاستخبارات بالتعرُّف إلى شخص الرئيس وأولوياته ومستوى إلمامه بالشؤون الدولية وطريقته في التعامل مع المعلومات السرية، ما جعل الإحاطة مسارا ذا اتجاهيْن، يحصل من خلالها الرئيس على المعرفة التي يحتاجها، بينما تحصل منها أجهزة الاستخبارات على فهم مبكر لأسلوبه في استيعاب المعلومات واتخاذ القرار.
ومع دخول أيزنهاور البيت الأبيض بدأت ملامح العلاقة المؤسسية بين الرئيس ومجتمع الاستخبارات تتبلور، فقد فضل الرئيس الجديد تلقي إحاطات شفهية يقدمها مدير وكالة الاستخبارات المركزية ألن دالاس في افتتاح الاجتماع الأسبوعي لمجلس الأمن القومي، بدلا من الاعتماد على التقارير المكتوبة اليومية. وكانت الإحاطة تتناول مواضيع مُتفقا عليها مُسبقا، وإذا لم يكن لدى الرئيس مواضيع محددة يرغب في مناقشتها، تصبح لوكالة الاستخبارات المركزية حرية اقتراح جدول أعمالها الخاص. وفي حال وجود معلومات شديدة السرية، يعقد الرئيس اجتماعا مُصغَّرا للمتابعة بعد انتهاء اجتماع مجلس الأمن القومي الدوري للحصول على إجابات حول أسئلته المفصلة.
ولتعويض الفجوة بين الاجتماعات الأسبوعية والتطورات الآنية، كان أيزنهاور يتلقى إحاطة شفوية من نجله جون أيزنهاور وأحد مساعديه تضم خلاصة التقارير اليومية الصادرة عن وكالة المخابرات المركزية، ووزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، وهيئة الأركان المشتركة، مع إمكانية طلب تقرير مُحدد أو ورقة تحليلية في القضايا التي تسترعي اهتمامه.
ولم تمض سنوات على تجربة أيزنهاور حتى أدركت الاستخبارات الأمريكية أن الإحاطة الرئاسية تحتاج إلى تطوير. فالعالم الذي واجهته الولايات المتحدة في الستينيات أصبح أعقد من عالم الخمسينيات، ووتيرة الأزمات الدولية صارت متتالية.
وجاء وصول جون كينيدي إلى البيت الأبيض عام 1961 ليشكل منعطفا مُهما. فقد كان كينيدي أصغر سنا من أسلافه وأكثر اهتماما بالتفاصيل اليومية للأحداث الدولية. كما أنه وصل إلى السلطة في مرحلة شهدت تصاعد المنافسة مع الاتحاد السوفياتي، واندلاع أزمات مع الشيوعيين في ألمانيا وكوبا وجنوب شرق آسيا. وأدرك مسؤولو الاستخبارات أن النمط الذي استُخدم مع أيزنهاور غير كاف لتلبية احتياجات رئيس يريد متابعة التطورات بصورة آنية.
وفي هذا السياق ظهرت عام 1961 "قائمة المراجعة الاستخبارية للرئيس"، وهي منشور يومي صُمِّم لتقديم المعلومات والتحليلات في فقرات قصيرة بحدود 7 صفحات مع بعض الخرائط للتوضيح، وذلك لتزويد الرئيس بأهم التطورات التي يمكن أن تؤثر في قراراته أو تفرض عليه التعامل مع أزمة وشيكة.
وسرعان ما أثبتت الأحداث أهمية هذا النموذج. فبعد أشهر قليلة من تولي كينيدي السلطة واجهت إدارته أزمة خليج الخنازير عام 1961 مع كوبا، ثم أزمة الصواريخ السوفياتية عام 1962، التي مثلت أخطر مواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أثناء الحرب الباردة. وقد لعبت المعلومات الاستخبارية خلال تلك الأزمة دورا محوريا في كشف نشر الصواريخ السوفياتية في كوبا، كما أصبحت الإحاطات اليومية أداة رئيسية اعتمد عليها الرئيس وفريقه في متابعة التطورات وتقييم الخيارات المتاحة.
ومع وصول جونسون إلى البيت الأبيض بعد اغتيال كينيدي، استمرت عملية التطوير. فقد لاحظت وكالة الاستخبارات أن الرئيس لا يقرأ "قائمة المراجعة الاستخبارية"، فقررت دمجها مع منشورات أخرى لإنشاء "الإيجاز اليومي للرئيس"، وتقديم أهم المعلومات والتقديرات في وثيقة واحدة مختصرة ومحدثة بصورة يومية.
وقد صدر الإيجاز لأول مرة في نهاية عام 1964 ليناسب عادات جونسون في القراءة الليلية في فراشه، بحيث يُسلَّم له بعد الظهر ليقرأه لاحقا، فيما كان مساعدوه ينقلون ردود فعله وطلباته إلى الوكالة. وبعد فترة طلب جونسون استلام التقرير في الساعة 6:30 صباحا قبل أن يبدأ قراءة الصحف الصباحية. وقد استمر "الموجز اليومي للرئيس" كمنشور استخباري قُدم لجميع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين حتى يومنا الحالي. وبجوار هذا الإيجاز صدر في عهد جونسون تقرير يومي عن الوضع في فيتنام، ومراجعة أسبوعية، ومذكرات لمواضيع مختارة.
"انتقد كيسنجر أسلوب النشرة اليومية الذي اتسم بالإيجاز المفرط، وعشوائية اختيار المواضيع، والافتقار إلى التسلسل المنطقي"
وشهدت فترة الرئيس نيكسون تطورا جديدا في العلاقة بين الرئيس والإحاطة الاستخبارية. فقد اعتمد نيكسون على مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر، الذي شدد على أنه لن تصل للرئيس أي نسخ مستقبلية من الإحاطة الرئاسية دون موافقته. وانتقد كيسنجر أسلوب النشرة اليومية الذي اتسم بالإيجاز المفرط، وعشوائية اختيار المواضيع، والافتقار إلى التسلسل المنطقي اللازم للقارئ غير المُطلع. ويُعقب هيلغرسون قائلا: "كانت ملاحظات كيسنجر في محلها. فقد صُممت نشرة الأخبار اليومية لتلبية احتياجات إدارة جونسون المنتهية ولايتها، تماما كما صُممت سابقتها لتناسب تفضيلات الرئيس كينيدي".
وأمر كيسنجر بأن تتضمن المذكرات المُعدة لنيكسون بيانا للموضوع الذي تتناوله وتقييما لأهميته، بالإضافة إلى ملخص. كما اقترح أن يقوم مدير المخابرات المركزية بتغيير وقت نشر تقرير النشاط الرئاسي من الصباح الباكر إلى وقت متأخر من بعد الظهر، بحيث يحصل عليه في المساء ويصل إلى الرئيس في صباح اليوم التالي، فيكون لدى كيسنجر الوقت الكافي لإعداد تعليقاته الخاصة على أي موضوع قد يهم الرئيس. ولذا أظهرت تجربة نيكسون وكيسنجر أن أهمية الإحاطة تتأثر بالأشخاص الذين يتحكمون في تدفق المعلومات إلى الرئيس.
وعندما حل فورد مكان نيكسون بعد استقالته إثر فضيحة ووترغيت، طلب إدراج الإحاطة الاستخبارية ضمن جدوله اليومي لتصبح أول نشاط للرئيس كل صباح، ما سهَّل التواصل بين الوكالة والرئيس. وبعد كل جلسة إحاطة كان ممثل الوكالة يقدم تقريرا عن الاجتماع لموظفي غرفة العمليات في البيت الأبيض، ما يُتيح لهم فهما أعمق لاهتمامات الرئيس وشواغله.
الرئيس الأمريكي جيرالد فورد (وسط) ووزير الخارجية هنري كيسنجر (يسار) مع مستشار الأمن القومي برنت سكوكروفت عام 1975 (الفرنسية)توصلت وكالة الاستخبارات المركزية عبر التجربة إلى قناعة بأن كل رئيس يختلف عن الآخر، فهم لا يقرؤون بالطريقة نفسها، ولا يطرحون الأسئلة ذاتها، ولا يتعاملون مع المعلومات وفق منهج واحد. ولهذا أصبحت عملية إعداد الإحاطة أكثر مرونة، بحيث يمكن تعديل شكلها ومحتواها وفقا لاحتياجات كل رئيس.
ظهر ذلك بجلاء أثناء إدارة جيمي كارتر. فقد شدَّد الرجل على أنه قارئ نهم للصحافة، وأنه يُفضل نشرة يومية لا تحتوي إلا على مواد لم تُغط في الصحف، وطلب إضافة مقالات تكميلية تتضمن معلومات أكثر، كما طلب سيرا ذاتية إضافية لبعض القادة الأجانب. وكان من أكثر الرؤساء مواظبة على تلقي الإحاطات وقراءة المواد التحليلية، كما اعتاد توجيه أسئلة تفصيلية دفعت مُحلِّلي الاستخبارات إلى إعداد مذكرات إضافية وتقديم معلومات مُكمِّلة لما ورد في النشرة اليومية.
اعتاد كارتر أن يبدأ جدوله اليومي باجتماع مع مستشاره للأمن القومي زبغنيو بريجينسكي يتناول مضمون النشرة اليومية. وكان الجانب السلبي لهذا النظام، من وجهة نظر وكالة المخابرات المركزية، هو غياب مسؤول الإحاطة التابع للوكالة أثناء قراءة الرئيس للتقرير الاستخباري اليومي، ما يحرمها من تلقي ردود فعل فورية بشأن ردود الرئيس واستفساراته. ولاحقا طلب كارتر من مدير وكالة المخابرات المركزية تقديم إحاطات أسبوعية مُعمَّقة حول مواضيع ذات أهمية خاصة، مثل الجماعات الطائفية والسياسية في لبنان، والبرنامج النووي لجنوب أفريقيا.
الأدميرال ستانسفيلد تيرنر مدير الاستخبارات المركزية (يمين) مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (غيتي)وجاء رونالد ريغان بأسلوب مختلف تماما. فقد كان أقل اهتماما بالتقارير الطويلة وأكثر ميلا إلى الخلاصات المختصرة والعروض الشفوية. ولذلك اضطر القائمون على الإحاطة إلى تطوير أساليب أكثر إيجازا، والتركيز على المعلومات الأساسية بدلا من الإغراق في التفاصيل. وعلى مدار السنوات الثماني لإدارة ريغان، لم يتذكر مسؤول الإحاطة في الوكالة سوى مناسبة أو اثنتين اصطحبه فيهما مستشار الأمن القومي إلى المكتب البيضاوي لاطلاع الرئيس. ولذلك، كانت معرفة الوكالة باحتياجات الرئيس الاستخبارية محدودة في تلك الفترة.
أما جورج بوش الأب فقد مثَّل حالة مختلفة عن معظم الرؤساء الذين سبقوه. فقبل وصوله إلى البيت الأبيض كان قد شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية بنفسه، وعمل سفيرا في الأمم المتحدة، كما شغل منصب نائب الرئيس لثماني سنوات. ولهذا وصل إلى الرئاسة وهو يمتلك معرفة مُعمقة بعمل أجهزة الاستخبارات. وقد انعكس ذلك على طبيعة الإحاطات التي تلقاها، حيث كان قادرا على خوض مناقشات تحليلية دون الحاجة إلى كثير من الشروح التمهيدية. وطلب أن يتولى تقديم الإحاطات ضباط متخصصون من الرتب الدنيا بدلا من مدير الاستخبارات الذي كان يحضر معهم.
"وصل بوش الأب إلى الرئاسة وهو يمتلك معرفة معمقة بعمل أجهزة الاستخبارات"
وفي حال طرح بوش بعض الأسئلة المحددة كان مُقدِّم الإحاطة يُجيب عليها فورا أو يُعيدها إلى الوكالة لإعداد إجابة شفهية أو كتابية أكثر تفصيلا في صباح اليوم التالي. كما طلب بوش عرض النشرة اليومية على نائبه ومستشار الأمن القومي وكبير موظفي البيت الأبيض ورئيس هيئة الأركان المشتركة، ثم استعادتها منهم لتشديد الرقابة وضمان شعور الوكالة بحرية أكبر في تناول المزيد من المواد السرية.
وخلال إدارة بيل كلينتون استمرت عملية التكيُّف مع شخصية الرئيس. فقد طلب إضافة ملاحق تركز على قضايا تتطلب منه تحركا سياسيا عاجلا، كما أُرسلت الإحاطة اليومية إلى وزير الخزانة مع تزايد أهمية القضايا الاقتصادية، وأضيفت فقرة في النشرة اليومية بعنوان "القيادة الأسبوعية" تُقدم وصفا موجزا لأنشطة الرؤساء والقادة حول العالم خلال الأسبوع التالي.
بيل كلينتون يجتمع مع فريق الأمن القومي في قاعة مجلس الوزراء بالبيت الأبيض عام 1999 (الفرنسية)لاحقا، شهدت حقبة جورج بوش الابن واحدة من أكثر الإحاطات اليومية شهرة وهي الإحاطة الصادرة بتاريخ 6 أغسطس/آب 2001 قبل 36 يوما من هجمات 11 سبتمبر/أيلول، بعنوان: "بن لادن عازم على الضرب داخل الولايات المتحدة". وردا على الاتهامات الموجهة للإدارة بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات بناء على محتوى الإحاطة، أكدت وزيرة الخارجية آنذاك كوندوليزا رايس أن التقرير لم يُحذر الرئيس من تهديد جديد محدد، بل "تضمن معلومات تاريخية مستندة إلى تقارير سابقة".
منذ أحداث سبتمبر، أصبحت قضايا مكافحة الإرهاب والعراق وأفغانستان تحتل موقع الصدارة في الإحاطات اليومية، وارتفعت أهمية التحذيرات الاستخبارية، كما تأسس منصب مدير الاستخبارات الوطنية للتنسيق بين الأجهزة الاستخبارية. وفي عام 2005، عُيِّن جون نيغروبونتي أول مدير للاستخبارات الوطنية، وانتقلت إليه مسؤولية الإحاطات اليومية. كما بدأ الرئيس بوش منذ بداية عام 2007 في تلقي إحاطات استخبارية عن بلدان أو مناطق أو مجالات مختارة، وعُرفت باسم "التحليلات المُعمقة".
ومع قدوم باراك أوباما، عاد الاهتمام بالمادة المكتوبة والتحليل المفصل. فقد عُرف أوباما بقراءته الدقيقة للتقارير واهتمامه بالسياقات والخلفيات التي تقف وراء الأحداث، وهو ما دفع القائمين على الإحاطات إلى التركيز على التحليل الإستراتيجي إلى جانب عرض التطورات اليومية. وكانت جلسات الخبراء تبدأ بعرض يُقدمه مُحلل أو اثنان من محللي الاستخبارات أو ضباط العمليات، حيث يعرضون نقاطهم الرئيسية لمدة 8 دقائق.
"في نهاية إدارة أوباما، أصبح محتوى الإحاطة الرئاسية يُنتج بثلاث نسخ يوميا ويُقدم لأكثر من 50 شخصا"
وبعد هذا العرض الافتتاحي، يناقش الرئيس والخبراء القضية لمدة تصل إلى 25 دقيقة. وكانت هذه الجلسات تُعقد كل أسبوعين. وقد اختيرت مواضيعها لدعم مداولات السياسة العامة، أو الرحلات الرئاسية الخارجية، أو الزيارات المتوقعة إلى واشنطن من طرف قادة أجانب. وقد شهدت هذه الفترة استخدام الوسائل الرقمية والتقنيات الحديثة في إعداد المواد الاستخبارية وعرضها، حيث تلقى أوباما نشرة المعلومات الرئاسية على جهاز لوحي، مرفقة برسوم بيانية وخرائط ومقاطع فيديو وصور.
وفي نهاية إدارة أوباما، أصبح محتوى الإحاطة الرئاسية يُنتج بثلاث نسخ يوميا ويُقدم لأكثر من 50 شخصا. فالنسخة الأكثر سرية التي تُقدَّم للرئيس وعشرة آخرين، تتضمن معلومات عملياتية مصنفة بالغة السرية. أما النسخة الثانية، فتُقدَّم لعدد أكبر من المسؤولين؛ وتضمَّنت بعض التقارير الاستخبارية المصنفة تحت شعار "سري للغاية"، لكنها لم تتناول برامج العمليات السرية لوكالة المخابرات المركزية أو البرامج السرية لوزارة الدفاع.
أما النسخة الثالثة فهي أيضا مصنفة ضمن مستوى "سري للغاية"، ولكنها لا تحتوي على أي معلومات حساسة عملياتية، وكانت تُسلَّم وتُشرح لبقية المتلقين الآخرين. وقد حرصت وكالة المخابرات المركزية على حماية الأسماء الحقيقية لمصادرها، ولم تُدرج هذه الأسماء أبدا في نشرة المعلومات الرئاسية.
أوباما عُرف بقراءته الدقيقة للتقارير واهتمامه بالسياقات والخلفيات التي تقف وراء الأحداث (الفرنسية)أما دونالد ترمب فمثَّل تحديا جديدا من نوعه بالكلية لمجتمع الاستخبارات الأمريكي. فقد وصل إلى البيت الأبيض دون أن يشغل طوال حياته أي منصب سياسي أو عسكري أو أمني، ما جعله يفتقر إلى الخبرة التي امتلكها عدد من أسلافه في التعامل مع المعلومات السرية والملفات العسكرية والدبلوماسية والاستخبارية.
وخلافاً للعديد من الرؤساء السابقين الذين اعتادوا قراءة المواد الاستخبارية التفصيلية، فضل ترمب الإحاطات الشفوية المختصرة، واعتمد على مقدم الإحاطة لتلخيص أهم التطورات مع التركيز على النقاط الرئيسية. وقد دفع ذلك إلى اختصار النشرة اليومية لتضم عددا محدودا من البنود القصيرة، لا يتجاوز معظمها صفحة واحدة، مع التركيز على التطورات الدولية الأهم والأزمات الجارية. وقد دفع أسلوب ترمب فريق الإحاطة إلى الاعتماد على الوسائل البصرية، مثل الخرائط والرسوم البيانية وصور الأقمار الصناعية، التي وجدوا أنها أكثر قدرة على جذب انتباهه وإيصال المعلومات بسرعة.
"دفع أسلوب ترمب فريق الإحاطة إلى الاعتماد على الوسائل البصرية، مثل الخرائط والرسوم البيانية وصور الأقمار الصناعية"
وعندما سُئل مقدم الإحاطة عن مدى اطلاع ترمب على تقرير الإحاطة الرئاسية، أجاب: "لقد لمسه ليس إلا. إنه لا يقرأ شيئا". وذكر مدير الاستخبارات الوطنية سابقا جيمس كلابر، أن ترمب يميل إلى "الخروج عن الموضوع؛ فقد لا تتجاوز مدة النقاش الذي يستمر ساعة، 8 أو 9 دقائق من المعلومات الاستخبارية الحقيقية". ويرى كلابر أن المشكلة تكمن في أن أجهزة الاستخبارات تعتمد على الأدلة، بينما ترمب يتجاهل الحقائق، والأدلة لا تُقنعه.
يكشف نموذج الإحاطات الرئاسية أن العلاقة بين الرئيس الأمريكي ومجتمع الاستخبارات تبدأ قبل وصول الرئيس إلى البيت الأبيض، وتهدف لإعداده للتعامل مع القضايا الدولية والأمنية التي سيواجهها منذ يومه الأول في المنصب. كما تظهر أن نجاح الإحاطة يرتبط بالقدرة على تكييف الأسلوب المناسب لكل رئيس.
فعندما يصل أي شخص إلى البيت الأبيض يكون قد رسخ عادات شخصية يصعب تغييرها، فمن كارتر المحب للتفاصيل، وريغان المفضل للخلاصات المختصرة، وبوش الأب الخبير بالشأن الاستخباري، وأوباما القارئ المتعمق، وترمب الذي فضل العروض البصرية؛ اضطرت أجهزة الاستخبارات إلى تعديل أساليب العرض وكمية التفاصيل وطريقة تقديم المعلومات بما يتناسب مع احتياجات كل منهم، وبالطريقة التي تمكنه من فهمها واستخدامها في صنع القرار.
وتكشف التجربة أن الرؤساء يميلون إلى المعلومات الموجزة والتقديرات المرتبطة بالقضايا ذات الأهمية البالغة، كما اهتموا بالإحاطات الشفوية التي تتناول هذه القضايا، وبالتحليلات المعمقة التي يقدمها الخبراء، بينما تظل الدراسات المطولة والتقديرات الاستخبارية المتشعبة والمكتوبة أقل حضورا في قراءاتهم اليومية. ولذلك حرصت أجهزة الاستخبارات على دمج نتائج الدراسات والتحليلات المطولة في الموجز اليومي للرئيس، باعتباره الوثيقة الاستخباراتية الأوثق للوصول إلى صانع القرار ولفت انتباهه إلى القضايا التي تراها الوكالة ذات أهمية.
وتسلط تجربة الإحاطات الرئاسية الضوء على أهمية حقل دراسات الاستخبارات، الذي لا يقتصر على دراسة التجسس والعمليات السرية، بل ويهتم بكيفية إنتاج المعلومات وتحليلها ونقلها إلى صناع القرار، وهو نموذج تمتد أهميته إلى مختلف الدول التي تسعى إلى توظيف المعلومات في إدارة مصالحها ومواجهة التحديات التي تواجهها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة