تُوّج الفريق الإسباني لكرة القدم بلقب كأس العالم للمرة الثانية في تاريخه، بعد فوز مستحق على حامل اللقب المنتخب الأرجنتيني في المباراة النهائية التي أقيمت مساء الأحد على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي.
وجاء هدف الفوز في الوقت الإضافي، وتحديدًا في الدقيقة 106، عن طريق اللاعب فيران توريس، ليُعيد الماتادور الكأس إلى مدريد بعد غياب دام ستة عشر عامًا منذ تتويجه الأول في جنوب أفريقيا عام 2010.
وشهدت المباراة إثارة كبيرة واستحواذًا إسبانيًا على مجريات اللعب، مما جعل الفوز محل إجماع لدى معظم المحللين الرياضيين الذين وصفوا الأداء الإسباني بأنه الأكثر نضجًا في البطولة.
على الصعيد الجماهيري، حظي المنتخب الإسباني بتأييد شعبي واسع في العديد من الدول العربية، حيث احتفل آلاف المشجعين في شوارع القاهرة وبيروت ودمشق وحضرموت اليمنية وغيرها بفوز الماتادور، رافعين علم إسبانيا وأحيانا علم فلسطين إلى جانبها.
ولم يقتصر هذا التشجيع على الأداء الكروي الذي قدمه الفريق طيلة بطولة كأس العالم، بل امتد ليشمل عوامل سياسية وثقافية جعلت من إسبانيا، في نظر كثير من العرب، دولة تتعاطف مع قضاياهم وتتبنى مواقف قريبة من توجهاتهم.
ومن وجهة نظر العرب، تصدّرت إسبانيا تحت حكومة ب يدرو سانشيز قائمة الدول الأوروبية الأكثر "جرأة" في موقفها من قضية فلسطين، عبر خطوات رسمية عدّة، أبرزها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والانضمام إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة "ارتكاب إبادة جماعية في غزة". كما فرضت مدريد قيودا على مبيعات الأسلحة للسفن العسكرية المتجهة إلى الدولة العبرية، ومنعها من استخدام الموانئ والمطارات الإسبانية.
كما قادت إسبانيا تحالفًا أوروبيًا عربيًا لدعم الحكومة الفلسطينية ماليًا، وزادت من مساعداتها الإنسانية لوكالة الأونروا والسلطة الفلسطينية.
هذه المواقف جعلت من الفوز الإسباني، بالنسبة لكثير من العرب، أكثر من مجرد انتصار رياضي عابر، بل تحوّل إلى لحظة احتفاء بدولة تجاوزت في سياستها حدود الحياد لتتماهى مع ما يرونه "عدالة في المنطقة". وهو ما عبّر عنه بوضوح زياد موتالا، أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة هوارد، في مقال رأي نشرته قناة الجزيرة، حيث كتب: "الليلة الماضية، كنت إسبانيًا، وكذلك كان الملايين حول العالم"، مضيفًا أن "بالنسبة لكثير منا، كانت غزة في أذهاننا عندما شاهدنا واحتفلنا بانتصار إسبانيا في كأس العالم."
ورغم عشق الملايين للأسطورة ليونيل ميسي ، فإن لبروز النجم الشاب لامين يامال، البالغ من العمر ثمانية عشر عاما، أثرا كبيرا في تعزيز هذا الشعور العربي بالفوز الإسباني. إذ أن الأصول المغربية لهذا الفتى المعجزة جعلت منه "مصدر فخر في المنطقة المغاربية خاصة وفي العالم العربي عامة".
وقد ساهم يامال بأداء لافت طيلة البطولة، ولم يقتصر تأثيره على الملعب بل تعدّاه إلى ما هو أبعد، حيث كان قد رفع علم فلسطين في احتفالات ناديه برشلونة بلقب الدوري الإسباني في وقت سابق، وهي لفتة شخصية حظيت بتفاعل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي العربية.
غير أنه من الإنصاف القول إن الأجواء التي أحاطت بهذه النهائيات كانت شديدة التسييس مقارنة بالنسخ السابقة، وهو ما تجلى بوضوح في تصريحات رسمية أثرت في توجهات بعض الجماهير.
ففي خطوة أثارت جدلاً واسعًا، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعمه العلني للمنتخب الأرجنتيني قبل المباراة النهائية، وهو ما فُسّر في الأوساط العربية كدعوة ضمنية لتشجيع الفريق المنافس، وساهم في دفع المزيد من المشجعين العرب نحو التعاطف مع إسبانيا.
نفس الموقف عبره عنه وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير حيث نشر هو الآخر على منصة إكس فيديو يتمنى فيه الفوز للميسي ومنتخب الأرجنتين وحاملا مجسّما لكأس العالم.
كذلك، مثّل حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المدرجات وتسليمه الكأس الذهبية للفائز مشهدًا سياسيًا بامتياز، لا سيما في ضوء التوترات السابقة بين إدارته والحكومة الإسبانية.
فترامب كان أمضى جزءًا كبيرًا من ولايته الثانية في "توبيخ" إسبانيا بسبب إنفاقها العسكري الضعيف ورفضها السماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها في عمليات عسكرية ضد إيران، وكان قد وصف مدريد بأنها حالة ميؤوس منها وأن أهلها سيئون وهدد بقطع التجارة معها، لكنه وجد نفسه مضطرًا للاحتفاء بإسبانيا بصفتها بطلة العالم، وهو ما علقت عليه صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية ساخرة بأن "الانتقام طبق يُقدم بأفضل حالاته بعد ظهر أحد دافئ في مستنقعات نيوجيرسي".
وقد رصدت الكاميرات تعامل اللاعبين الإسبان مع ترامب خلال مراسم التتويج، حيث كانت المصافحة باردة وسريعة، وهو ما لاقى استحسانًا واسعًا في التعليقات العربية على مواقع التواصل.
وقبل المباراة بفترة وجيزة، كان المهاجم الإسباني بورخا إغليسياس، المعروف بمواقفه الصريحة، قد تحدث في مقابلة مع مجلة بانينكا عن لقائه المحتمل مع الرئيس الأمريكي، حيث قال ضاحكًا: "لا أريد الذهاب إلى السجن، آمل أن أسلّم عليه في وقت نكون فيه جميعًا سعداء جدًا، وأن تمر الأمور بسرعة حتى أنسى الأمر"، وأضاف اللاعب أن هذا ليس وقت الجدل، لكن الناس يعرفون جيدًا كيف أفكر، معترفًا بأنه رغم رغبته في فعل الكثير، إلا أن قدراته محدودة في التأثير على أمور معقدة. وجاءت المصافحة بينه وبين ترامب بعد المباراة مختصرة كما كان يتوقع.
أما على المستوى الرسمي، تنوعت ردود الفعل العربية تجاه الفوز الإسباني بين تهنئة رسمية من بعض القادة وصمت من آخرين، مما يعكس تنوع المواقف السياسية في المنطقة. فقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان هنّأ إسبانيا في تغريدة عبر منصة إكس، مشيدًا بالأداء المميز والراقي الذي قدمه الفريق طيلة البطولة، كما بعث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ببرقية تهنئة رسمية إلى مدريد، معبرًا عن تحياته للشعب الإسباني الصديق بمناسبة التتويج باللقب العالمي الثاني.
وفي سياق احتفالات الشارع العربي، برزت صور وتغريدات عززت صورة إسبانيا كداعمة لفلسطين، حيث نشرت صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله رسمًا يظهر كأس العالم وهو يحمل العلم الإسباني مدموجًا بعلم فلسطين مع لاعب يرتدي الكوفية الفلسطينية.
وفي غزة، احتفى عشرات الشبان بالفوز مشيرين إلى مواقف إسبانيا الداعمة لقضيتهم، وفي حضرموت اليمنية، عمّت الفرحة الشوارع.
وبعيدا عن السياسة، فقد كان فوز الماتادور فرصة للمصريين للتشفي في فريق الأرجنتين بعد المباراة المثيرة للجدل مع منتخب الفراعنة خلال مواجهة ربع نهائي كأس العالم والاتهامات التي كيلت لطاقم التحكيم بعدم النزاهة والمحاباة تجاه نجم الأرجنتين ليونيل ميسي.
المصدر:
يورو نيوز