في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس المحتلة- منذ اللحظة التي يسلك فيها المسافر شارع 60، لا تبدو الرحلة إلى محافظة الخليل مجرد انتقال بين مدن وبلدات جنوب الضفة الغربية المحتلة، بل عبورا داخل جغرافيا أعاد الاحتلال الإسرائيلي تشكيلها بما يخدم مشروعه الاستيطاني.
فالطرق الالتفافية المخصصة للمستوطنين تتجاور مع مئات البوابات والحواجز العسكرية التي تقطع أوصال التجمعات الفلسطينية، لتتحول الطريق إلى مشهد تختلط فيه البنية التحتية الحديثة بسياسات العزل والسيطرة.
وعلى امتداد الطريق من القدس باتجاه الخليل، تتوالى البلدات الفلسطينية؛ بيت أُمر، ومخيم العروب، وصوريف، ومخيم الفوار، ثم مدينة الخليل، وصولا إلى مسافر يطا، فيما تستقبل الزائر عند مداخلها بوابات حديدية وحواجز عسكرية أقامها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود وعززها وشدد الإجراءات فيها منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتتحكم في حركة الفلسطينيين وتحول التنقل إلى رحلة انتظار ومعاناة.
عند مدخل رأس الجورة، شمال الخليل، لا يبدو المشهد مجرد بوابة حديدية مغلقة، بل مدخلا إلى واقع مدينة تعيش تحت حصار متواصل ومركب منذ بدء الحرب على غزة.
هناك، استعرض رئيس بلدية الخليل، المهندس يوسف الجعبري في حديثه -للجزيرة نت- التداعيات التي خلفها إغلاق مداخل المدينة، موضحا كيف تحولت البوابات العسكرية إلى أداة لعزل الخليل عن محيطها الفلسطيني، وإلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية لسكانها.
ويقول الجعبري إن آثار الإغلاقات تتجاوز تقييد حركة المواطنين، لتطال مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية في مدينة تعد الأكبر فلسطينيا من حيث عدد السكان والمساحة، وتشكل أحد أهم المراكز الاقتصادية في فلسطين، مضيفا أن استمرار عزل الخليل لا ينعكس على سكانها فحسب، بل يترك آثارا مباشرة على الاقتصاد الفلسطيني، نتيجة تعطل حركة الأفراد والبضائع وارتفاع كلفة النقل والإنتاج.
في البلدة القديمة، فإن المدينة -بحسبه- تواجه تصعيدا غير مسبوق يستهدف هويتها التاريخية والديمغرافية، عبر إجراءات تهدف، إلى تقويض الوجود الفلسطيني وإضعاف مؤسساته.
وفي هذا السياق، أشار الجعبري إلى قرار وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، سحب صلاحيات بلدية الخليل، إلى جانب استمرار الاستيلاء على مبنى البلدية في البلدة القديمة، باعتبارها خطوات تندرج ضمن سياسة فرض وقائع جديدة على الأرض.
ويمتد هذا الواقع أيضا إلى المسجد الإبراهيمي، الذي يشهد إغلاقات متكررة وقيودا على وصول المصلين، إلى جانب إجراءات أحادية تمس وضعه التاريخي والقانوني، وفق الجعبري الذي اعتبر أن ما يجري في المسجد والبلدة القديمة يعكس سياسة متواصلة لفرض الأمر الواقع وتغيير الطابع الفلسطيني للمدينة.
وتصاعد هذا المسار التهويدي المباشر في سبتمبر/ أيلول 2025 عندما أصدرت سلطات الاحتلال أمراً بالاستيلاء على سقف الباحة الداخلية للحرم الإبراهيمي بمساحة بلغت 288 متراً مربعاً، وفق تقرير ل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الرسمية الفلسطينية.
ويؤكد الجعبري في ختام حديثه أن ما تواجهه الخليل لم يعد يقتصر على قيود الحركة، بل أصبح سياسة شاملة تمس الإنسان والاقتصاد والهوية التاريخية للمدينة، داعيًا المجتمع الدولي ووسائل الإعلام إلى نقل صورة الواقع من الميدان، وإبراز تداعياته الإنسانية والاقتصادية بعيدًا عن الأرقام المجردة.
لم تتوقف الجولة عند مدينة الخليل، بل امتدت إلى بلدة بيت أُمر شمالا، حيث تتجلى صورة أخرى من مصادرة الأراضي وتوسع المستوطنات وتشديد القيود على حركة السكان والمزارعين، تنطبق على معظم قرى وبلدات المحافظة. وبين توثيق المسؤولين والأهالي، بدا المكان شاهدا حيا على التحولات التي فرضها الاحتلال على الجغرافيا والحياة اليومية.
وعلى امتداد شارع 60، تبدو بلدة بيت أُمر وكأنها جزيرة فلسطينية محاصرة وسط بحر من المستوطنات. فمن يقف على أحد مرتفعاتها يدرك سريعا أن المشهد لا تظهره تضاريس الطبيعة بقدر ما ترسمه المستوطنات التي تطوق البلدة من جهاتها المختلفة.
فهناك التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون"، ومستوطنة "مجدال عوز"، و"كرمي تسور"، و"بيت عين"، وإلى جانبها بؤر استيطانية رعوية أقيمت خلال السنوات الأخيرة، لتضيق الخناق أكثر على البلدة وسكانها.
رغم أن المساحة الإجمالية لبلدة بيت أُمر، تبلغ نحو 32 ألف دونم (الدونم= ألف متر مربع)، فإن ما تبقى فعليا تحت تصرف سكانها لا يتجاوز ثلث هذه المساحة، بعد مصادرة نحو 20 ألف دونم لصالح التوسع الاستيطاني، وفق منسق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظة الخليل، يونس عرار.
وأوضح عرار للجزيرة نت، أن نحو 65% من أراضي البلدة تقع ضمن المناطق المصنفة ( ج) وفق اتفاق أوسلو، والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، الأمر الذي يحرم نحو 25 ألف نسمة من التوسع العمراني أو البناء، ويجعل مستقبل البلدة رهينة للقيود العسكرية والإدارية التي تفرضها سلطات الاحتلال، وأخطرها إغلاق مداخلها الخمس.
وما تشهده بيت أُمر -بحسب عرار- يتجاوز مجرد مصادرة الأراضي، ليصل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم المشروع الاستيطاني، مبينا أن الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025 شهدت إصدار 140 أمرا عسكريا للمصادرة بذريعة "الاحتياجات الأمنية"، خُصص نحو 81% منها لخدمة المستوطنات والبؤر الاستيطانية، عبر شق طرق جديدة، وربط البؤر المعزولة بالمستوطنات القائمة، وتوسيع البنية التحتية المخصصة لها.
ولا تقتصر سياسة العزل على السيطرة على الأرض، بل تمتد إلى تقييد حركة الفلسطينيين اليومية، إذ تحولت البوابات الحديدية والحواجز العسكرية المنتشرة عند مداخل بلدات محافظة الخليل، وفي مقدمتها بيت أُمر، إلى عائق دائم أمام تنقل السكان، يؤكد عرار.
فالطرق الرئيسية التي كانت تربط البلدة بمدينة الخليل وبيت لحم أصبحت شبه مغلقة أمام الفلسطينيين، في حين بقيت مفتوحة أمام المستوطنين، بما يجعل شبكة الطرق تخدم التوسع الاستيطاني أكثر من خدمة السكان الفلسطينيين.
كما أن إغلاق مداخل بيت أُمر عزلها عن محيطها الفلسطيني، وفق عرار؛ فبعدما كانت الرحلة إلى الخليل تستغرق أقل من 15 دقيقة، أصبحت اليوم تستلزم نحو ساعة ونصف عبر طرق التفافية طويلة، مؤكدا أن هذه الإجراءات، إلى جانب نقل صلاحيات التخطيط والبناء إلى جهات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني، تسهم في فرض وقائع جديدة على الأرض، وترسيخ واقع يصعب تغييره مستقبلا.
وفي بيت أُمر، لا تقاس آثار الحصار بعدد الحواجز والبوابات العسكرية فحسب، بل بما أحدثه من تغييرات عميقة في تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
ووصف رئيس المجلس العشائري في بيت أُمر، حابس علامي، واقع البلدة بأنه نموذج لسياسة العزل التي طالت معظم بلدات محافظة الخليل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل تشديد الإجراءات العسكرية، وتصاعد الاقتحامات، وتزايد اعتداءات المستوطنين.
وقال علامي للجزيرة نت إن إغلاق مداخل البلدة حولها إلى منطقة شبه معزولة، الأمر الذي انعكس على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها الاقتصاد المحلي والزراعة والاستثمار، مع ارتفاع معدلات البطالة، واستمرار اعتداءات المستوطنين، وهدم المنازل، ومنع التوسع العمراني بسبب وقوع معظم أراضي البلدة في مناطق (ج) أي تحت سيطرة الاحتلال.
وتابع أن آثار الإغلاق تجاوزت إطالة زمن التنقل في انعكاس مباشر لسياسة تهدف، بحسب وصفه، إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وإضعاف الترابط بين المدن والبلدات، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني وشق الطرق الالتفافية وإقامة جدار الفصل.
وأشار إلى أن تداعيات هذه السياسة تمتد إلى أزمة سكن متفاقمة نتيجة هدم المنازل ومنع إصدار تراخيص البناء، إلى جانب القيود المفروضة على استغلال مصادر المياه الجوفية التي يعتمد عليها المزارعون للحفاظ على أراضيهم ومحاصيلهم.
ويستحضر علامي شارع 60، الذي يمتد ليصل شمالي الضفة، بوصفه نموذجا للتحولات التي فرضها الاحتلال، موضحا أن 4 مداخل كانت تربط بيت أُمر بالطريق الرئيسي ومدينة الخليل على امتداد نحو 8 كيلومترات، قبل أن تغلق جميعها بالبوابات والحواجز العسكرية، لتصبح الحركة اليومية أكثر صعوبة، وتتحول المسافات القصيرة إلى رحلة شاقة يفرضها واقع الإغلاق المستمر.
من جانبها، ترى الصحفية والناشطة رندة صليبي أن آثار الحصار لا تقتصر على العزل الجغرافي، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي، إذ يسهم الاحتلال، بحسب قولها، في استغلال النزاعات المحلية وتغذيتها لتبرير استمرار الإغلاقات وتعميق حالة التفكك.
وتقول صليبي للجزيرة نت إن تشديد الحصار على بيت أُمر يبرر أحيانا بذريعة الأوضاع الأمنية أو النزاعات المحلية، في حين أن هذه الصراعات تستغل -بحسب وصفها- لتبرير استمرار الإغلاقات والقيود المفروضة على حركة السكان.
وتحولت بيت أُمر، وفق صليبي، إلى مساحة محاصرة تتراجع فيها فرص العمل وتتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فيما تتواصل المستوطنات في التمدد على حساب الأراضي الزراعية، بما يفرض ضغوطا متزايدة على السكان ويهدد قدرتهم على الصمود.
وأضافت أن البلدة تحولت، بفعل البوابات العسكرية والإغلاق المتواصل، إلى ما يشبه "غيتو" معزول، يحاصر سكانه في مساحة آخذة في الانكماش، بينما يواصل المشروع الاستيطاني التمدد على الأراضي المحيطة بوتيرة متسارعة.
ومن 11074 اعتداء نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين ضد الفلسطينيين بالضفة الغربية، خلال النصف العام من عام 2026، بلغ نصيب محافظة الخليل 2224 اعتداء، بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التي ذكرت أن عدد الحواجز العسكرية والبوابات في الأراضي الفلسطينية تجاوز 916 حاجزا، بينها 243 بوابة نُصبت، بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
فيما يجثم على أراضي المحافظة حاليا 25 مستوطنة و80 بؤرة استيطانية، يقطنها ما يزيد على 25.8 ألف مستوطن وفق الهيئة نفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة