آخر الأخبار

رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب: دروس الحرب على إيران إماراتيًا

شارك
مصدر الصورة عمود من الدخان يتصاعد من ميناء جبل علي عقب تقارير عن ضربة إيرانية في دبي بتاريخ 1 مارس 2026. Credit: Fadel SENNA / AFP via Getty Images

هذا المقال بقلم د. عبدالخالق عبدالله، أكاديمي وأستاذ العلوم السياسية من الإمارات، والآراء الواردة أدناه، تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN .

جميع دروس العدوان الإيراني على الإمارات مهمة، لكن الدرس الأهم، الذي سيظل خالدًا في ذاكرة أبناء الإمارات لسنوات طويلة قادمة، هو كيف استطاعت دولة فتية، بعدد سكان يبلغ 9 ملايين نسمة، وبمساحة 83 ألف كيلومتر مربع، وبقوات مسلحة لا يتجاوز عددها 64 ألف جندي، الصمود والتصدي والرد على هجوم مباغت من دولة يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها 1.6 مليون كيلومتر مربع، ولها حضارة عمرها 3 آلاف سنة، وحرس ثوري يزيد عدد أفراده على 650 ألف عسكري .

كان العدوان الإيراني بالصواريخ والمسيرات أكبر خطر خارجي تعرضت له الإمارات في تاريخها المعاصر. لكن الإمارات، التي واجهت هذا العدوان بقوة ولم تتردد لحظة واحدة في الرد عليه بثقة، تقوم حاليًا بمراجعات كبرى لدروسه الاستراتيجية من أجل ترتيب أولوياتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية .

فمن بين الدروس المستفادة من العدوان رفع جاهزية الإمارات الدفاعية الذاتية، والاستعداد المبكر لاحتمال تجدد الحرب على إيران. وهذا الدرس يتطلب زيادة الإنفاق العسكري، وتطوير صناعات عسكرية وطنية، وبناء قدرات صاروخية رادعة، وتنويع مصادر التسلح شرقًا وغربًا. فالخطر الإيراني مستدام، والهدنة هشة، ورغبتها في السيطرة على المضيق تؤسس لمرحلة حرب باردة لا يمكن التكهن بنهاياتها، كما أن لدى قادة الحرس الثوري الإيراني الجدد رغبة في الانتقام من أمريكا وإسرائيل عبر استهداف دول الخليج .

لقد أظهر الفريق الأكثر تشددًا في الحرس الثوري الإيراني عداءً خاصًا تجاه الإمارات، وحاول توجيه ضربة قاضية لنموذجها التنموي، لكنه اكتشف أن الإمارات عصية على صواريخه ومسيراته مما دفعه لطلب حوار ثنائي مستقل واتباع دبلوماسية الضرورة مع الإمارات التي تتعامل مع الخصم الإيراني من موقع القوة .

ومن بين الدروس الرئيسية للعدوان الإيراني العمل على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، الذي تسعى إيران إلى فرض سيطرتها وسيادتها على ممر مائي طبيعي كان حرًا وآمنًا للعبور منذ تشكله جيولوجيًا قبل 35 مليون سنة. لا تود الإمارات أن تكون أسيرة لمضيق مائي وتخطط لتجاوزه ونقل جزء من ثقلها اللوجستي والنفطي من الغرب إلى الشرق، عبر بناء ميناء عالمي جديد، وتوسعة موانئها في دبا والفجيرة وخورفكان، ومد أنابيب وشبكات سكك حديدية، لضمان تحقيق صفر اعتماد على مضيق هرمز مستقبلًا .

أما خليجيًا، فقد اكتشفت الإمارات أن الدفاع الخليجي المشترك هو مجرد بند على ورق، لا فائدة منه ولا قيمة له، بعد أن كان ركنًا من أركان التعاون الخليجي، وتم تفعيله خلال غزو الكويت، وأحداث البحرين، وحرب اليمن، لكنه سقط سقوطًا مدويًا في المواجهة مع إيران .

أخفق مجلس التعاون في التعامل الجماعي مع العدوان الإيراني، ولم يفعل البند الثاني من اتفاق الدفاع المشترك، الذي يشير إلى أن أي اعتداء على دولة من دوله هو اعتداء على بقية دول المجلس. وعندما أرسلت إيران صواريخها ومسيراتها باتجاه الإمارات، بعد 45 دقيقة فقط من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المزدوج، آثرت بعض دول مجلس التعاون عدم تفعيل هذا البند. وواجهت الإمارات أكبر عدد من الهجمات الإيرانية وحدها على مدى 72 ساعة، دون أي تحرك خليجي. لقد أصبح من الصعب، إماراتيًا، بناء الثقة من جديد في مجلس التعاون الخليجي، حتى يثبت غير ذلك .

ومن بين الدروس المستفادة، على صعيد العلاقة مع أمريكا، ضرورة مراجعة وجود منشآت عسكرية أمريكية في الإمارات. والسؤال: إذا لم تتمكن أمريكا من حماية قواعدها البحرية ومقر قيادتها المركزية، وأخفقت في الدفاع عن 20 منشأة عسكرية لها في عموم المنطقة، فكيف يمكن الاعتماد عليها لتوفير الحماية للإمارات؟ لذلك ربما حان وقت التفكير في تصفير الوجود العسكري الأمريكي في الإمارات، مع الإبقاء على توسيع وتعميق العلاقة معها كشريك رئيسي استراتيجي على جميع المستويات الأخرى .

كذلك، من بين الدروس الصعبة المستفادة من العدوان الإيراني، مراجعة وطنية صريحة ومتأنية لعلاقة الإمارات مع إسرائيل. والسؤال في هذا البند: هل العلاقة مع إسرائيل عبء أم رصيد استراتيجي للإمارات؟ كانت إسرائيل من الدول القليلة التي بادرت، من تلقاء نفسها، ومن دون طلب من الإمارات، وفي عز تعرضها هي للهجوم الإيراني، إلى إرسال أنظمة دفاع جوي متقدمة إلى الإمارات، والمشاركة بمعلومات قيمة ساهمت في تعزيز أمن الإمارات في واحدة من أصعب وأخطر الأزمات التي مرت بها .

ورغم كل ذلك، فإن العلاقة مع إسرائيل لها ثمنها السياسي الضخم، ورئيس وزرائها يزيد من صعوبة تنفيذ تفاهمات الاتفاق الإبراهيمي، خاصة في شقه المتعلق بعدم ضم الضفة الغربية. وعلاقة الإمارات بإسرائيل هي علاقة دولة مع دولة، حالها حال علاقة إسرائيل مع نحو 160 دولة في العالم، لكن هذه العلاقة جلبت لها اتهامات صعبة، بما في ذلك مزاعم يروج لها خصوم الإمارات عن بروز حلف إماراتي إسرائيلي يسعى إلى تفتيت دول المنطقة. وكل ذلك يدعو إلى ضبط العلاقة مع إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب على إيران، بما يخفف من أعبائها السياسية الضخمة .

لقد أثبت أخطر عدوان تعرضت له الإمارات أن لها شركاء وأصدقاء كانوا معها وإلى جانبها، وهم حاليًا ضمن قائمة خاصة من الأصدقاء الأوفياء المتميزين. لكن الإمارات أيضًا وجدت، من خلال مراجعة شاملة لدروس العدوان، أن هناك دولًا عديدة كان موقفها مترددًا ومخيبًا، رغم روابطها ومصالحها العميقة مع الإمارات، وأبرز مثال على ذلك باكستان. وهذه الدول في قائمة للبلدان التي لا تستحق التقدير حتى إشعار آخر.

بدأ العدوان الإيراني على الإمارات في تمام الساعة 12:53 ظهر يوم 28 فبراير 2026، واستمر دون توقف لنحو شهرين. وسيظل هذا التاريخ خالدًا، ويتم حاليًا استيعاب دروسه، وأبرزها أن دولة فتية صمدت وتصدت ببسالة لدولة تفوقها عددًا ومساحةً وقوةً، وتملك قدرات عسكرية تخريبية مهولة، وتزعم أنها انتصرت على أمريكا وإسرائيل .

ولا درس يعلو على هذا الدرس، الذي جعل الإمارات أكثر ثقة وقوة في الدفاع عن نموذجها التنموي والمعرفي الآمن والمزدهر، الذي لا يُقهر، والذي يستمد قوته من حكم إماراتي رشيد وطموح اعتاد على التفكير الخلاق لتجاوز المخاطر وإدارة الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.

سي ان ان المصدر: سي ان ان
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا