انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو أثار جدلا واسعا، زعم ناشروه أنه يظهر بعض سكان غزة وهم يلقون لحوما طازجة وصلت ضمن المساعدات الإنسانية للقطاع في الشوارع احتجاجا على نقلها في شاحنات إسرائيلية.
ويظهر في المقطع المتداول نحو 5 أشخاص يلقون أجزاء من ذبائح من شاحنة تحمل عبارات باللغة العبرية إلى وسط الشارع، فيما يردد أحدهم بغضب "خليهم يشبعوا".
واستغلت حسابات المقطع المتداول لشن حملة تحريضية واسعة ضد الفلسطينيين واستخدموه دليلا للتشكيك في المجاعة المستشرية في غزة، وسط دعوات لوقف المساعدات الإنسانية للقطاع.
وسرعان ما تلقفت الحسابات الإسرائيلية المقطع لتوظيفه سياسيا، إذ زعمت أنه يثبت زيف تقارير الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الدولية، مدعية أن سكان القطاع يلقون اللحوم في الشوارع لمجرد وصولها في شاحنات إسرائيلية.
وتصاعدت حدة التحريض عبر دعوات صريحة لقطع التمويل والإغاثة، إذ كتبت بعض الحسابات عبارات تطالب بـ"ترك سكان غزة يأكلون الحجارة والتوقف عن إطعامهم"، ، في المقابل، ذكرت حسابات أخرى أن "الغزيين يفضلون الموت جوعا ولا يقبلون المساعدات المحملة في شاحنات إسرائيلية".
واستغلت حسابات أخرى المقطع المصور للتهكم على معاناة الفلسطينيين واتهامهم بتدمير الإمدادات الإغاثية عن عمد، بينما عدّه آخرون دليلا على تعافي القطاع.
وبالتزامن مع انتشار المقطع، نشرت منظمة خيرية تدعى اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة، مشاهد حديثة لجهودها في توزيع اللحوم في القطاع، حيث أظهرت توزيع معلبات تحوي لحوما، في مشهد يتناقض تماما مع ما صوره الفيديو المزعوم.
أجرت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة تحليلا بصريا للمقطع، ليتبين أن المنطقة تظهر هادئة والمنازل والمباني المحيطة بها سليمة تماما، وهي معطيات تنسف المزاعم التي تقول إن الفيديو صور في قطاع غزة.
كما أن الشاحنة المليئة بأطنان اللحوم لم تكن محاطة بأعداد كبيرة من الغزيين أو طالبي المساعدات، وهو أمر مستبعد كليا في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية والاكتظاظ السكاني الذي تشهده غزة.
وقد قادنا البحث العكسي إلى صور ومقاطع فيديو التقطت من زوايا أخرى للحدث ذاته، ليتبين أن المقطع بدأ تداوله في 12 يونيو/حزيران الماضي، وتم تصويره أمام محل يحمل اسم "ماهر عواودة للحوم" في بلدة كفركنا الواقعة شمالي إسرائيل.
وأكدت تقارير نشرتها صحف إسرائيلية، منها يديعوت أحرونوت ، أن الحادثة تعود لجزار في بلدة كفركنا ألقى بجميع اللحوم التي يملكها في الشارع تعبيرا عن غضبه واحتجاجه العارم على تفشي العنف وعصابات الجريمة.
وجاء هذا التصرف بعد إطلاق نار استهدف رجلا بالقرب من محله، مما شكل تهديدا مباشرا لمصدر رزقه، وحمل العديد من المتاجر في البلدة على إغلاق أبوابها بسبب تصاعد العنف، وفق الصحيفة.
وتأكدت صحة هذه المعطيات عبر تتبع الحساب الرسمي لمحل الجزارة على منصة إنستغرام، حيث تطابقت المعالم البصرية لواجهة المتجر مع الفيديوهات المتداولة.
وتسلط الحادثة الضوء على واقع فلسطينيي الداخل الذين يعانون بسبب دوامة عنف غير مسبوقة، حصدت أرواح 252 شخصا خلال عام 2025، مع ارتفاع معدل جرائم القتل مقارنة بنظيره في الأوساط اليهودية بنحو 15 ضعفا، مما أشعل احتجاجات واسعة حول سبل المواجهة ومسؤولية السلطات الإسرائيلية في ظل تفاقم الأزمة.
وتكشف الإحصاءات تحولا دراميا في واقع الأمن داخل المجتمع العربي في إسرائيل، حيث انخفض معدل ضحايا جرائم العنف من 126 عربيا لكل مليون نسمة عام 1926 إلى 120 لكل مليون العام الماضي، بينما انخفض المعدل بين اليهود من 17 إلى 8 فقط لكل مليون.
وأفادت القناة الـ12 الإسرائيلية بأن عدد القتلى في صفوف عرب الداخل الإسرائيلي جراء تصاعد العنف والجريمة بلغ 146 منذ بداية عام 2026.
وأوضحت القناة أن الحصيلة تسجل ارتفاعا بنسبة 22% مقارنة بـ 120 قتيلا سقطوا في الفترة المماثلة من العام الماضي، مشيرة إلى أن هذا الرقم لا يشمل الأشخاص الذين قتلوا برصاص الشرطة في حوادث مختلفة.
المصدر:
الجزيرة