آخر الأخبار

بروفيسور في "مرجل الجحيم"!

شارك

القيادة الحمراء هي جماعة إجرامية برازيلية منظمة، تأسست عام 1969 في سجن كانديدو مينديز الواقع في جزيرة إلها غراندي، بولاية ريو دي جانيرو.

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، تشكل التحالف الذي أدى إلى ظهور هذه الجماعة داخل أسوار ذلك السجن، الذي كان يُعرف، نظراً لظروفه القاسية والعنيفة، باسم "مرجل الجحيم".

قصة "القيادة الحمراء" لا تبدأ، كما هي العادة في مثل هذه الأمور، في الشوارع، بل داخل أحد أسوأ سجون البرازيل سمعةً خلال فترة الديكتاتورية العسكرية. إنها قصة تحالف غير متوقع بين نقيضين، دفعت إليهما المعاناة المشتركة، وقد غيّر هذا التحالف وجه الجريمة المنظمة في البرازيل إلى الأبد.

هذا التحالف الغريب تشكل بين مجرمين عاديين وسجناء سياسيين يساريين، كانوا أعضاء سابقين في الكتائب الحمراء، وهي وحدة ثورية حاربت ضد الديكتاتورية العسكرية في البرازيل. في "مرجل الجحيم"، تبادل الطرفان الخبرات؛ ففيما تعلّم المجرمون العاديون الأيديولوجية الثورية والانضباط من مقاتلي حرب العصابات اليساريين، تعلّم أولئك المقاتلون فنون الجريمة العملية في الشوارع.

كانت الظروف السائدة في سجن كانديدو مينديز قاسية للغاية، حيث تعرض السجناء للعنف من زملائهم ومن الحراس على حد سواء. ومن أجل البقاء على قيد الحياة وسط هذه الأجواء العنيفة، تكاتف السجناء من المجرمين والسياسيين اليساريين لحماية أنفسهم. وبمرور الوقت، وضع أعضاء المجموعة مدونة قواعد مشتركة للسجن، كان الهدف منها تعزيز الولاء، والحد من العنف داخل السجن، ودعم المصالح المشتركة للسجناء. في عام 1969، جرى إضفاء الطابع الرسمي على هذا التحالف من خلال تشكيل جماعة تُسمى "الكتيبة الحمراء".

التنظيم اكتسب اسمه الأكثر شهرة "القيادة الحمراء" في عام 1979، حين أطلقت سلطات السجن عليه هذا الاسم في مذكرة داخلية، ثم انتقل إلى الصحافة، ولاحقاً اعتمدته المجموعة ذاتها.

مصدر الصورة

في البداية، كان هذا التنظيم الهجين يهدف إلى مكافحة التعذيب والقسوة في السجون، لكنه تطور مع مرور الزمن وتحول إلى عصابة إجرامية كبرى. يُنسب تأسيس "القيادة الحمراء" في العموم إلى عدة سجناء يساريين، إلا أن ويليام دا سيلفا ليما، المعروف أيضاً باسم "البروفيسور"، هو الاسم الأكثر تداولا بوصفه المؤسس الرئيس لها.

بحلول أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبصورة تدريجية، اتجه أعضاء "القيادة الحمراء" إلى عمليات السطو على البنوك، وفي منتصف الثمانينيات توسعت المجموعة خارج نطاق جزيرة إلها غراندي، وانخرطت في تجارة الكوكايين التي كانت قد بدأت في الاتساع، وتعاونت مع عصابات المخدرات الكولومبية، واحتلت موقعا قياديا في الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو. حققت العصابة مكاسب كبيرة من نشاطها الإجرامي، وبفضل علاقاتها مع العصابات الكولومبية، حصلت على الكوكايين الذي تم بيعه في تلك الأحياء الفقيرة، واستُخدمت عائدات بيعه في إعانة أعضائها في السجن، وكذلك في تنظيم عمليات هروبهم.

بعد انتهاء الديكتاتورية العسكرية في البرازيل عام 1985، تمكن المتمردون اليساريون من العودة إلى المجتمع، وتخلت "القيادة الحمراء" إلى حد كبير عن الأيديولوجية اليسارية. ففي البداية، كان لأفراد العصابة آراء سياسية يسارية، ولكن مع مرور الوقت، ومع انضمام عدد كبير من المجرمين إلى المجموعة، تم التخلي عن جميع المظاهر الأيديولوجية. احتلت "القيادة الحمراء" في تسعينيات القرن الماضي موقعا قياديا في مدينة ريو دي جانيرو، وبحلول عام 2008، سيطرت على ما يقرب من 38.8 في المئة من أخطر أحياء المدينة.

ما يميز هذا التنظيم الإجرامي أنه يفتقر إلى تسلسل هرمي واضح، ولا توجد له قيادة محددة، علاوة على أن خلاياه كانت منتشرة ليس فقط في جميع أرجاء البرازيل، بل وفي باراغواي وبوليفيا وفنزويلا وبيرو ودول أخرى، وهذا الأمر جعل القضاء عليه أو حتى الحد من نفوذه أمراً غاية في الصعوبة.

مصدر الصورة

بعد دخول الألفية الجديدة، أصبحت "القيادة الحمراء" بمثابة تهديد وطني حقيقي، نظرا للدعم غير المشروط الذي حظيت به في الأحياء الفقيرة في ريو، ومعقلها في بوليفيا الذي كان يُمرر عبره الكوكايين، ونفوذها الهائل في السجون في جميع أنحاء البلاد، وكل ذلك جعل "القيادة الحمراء" حديث الساعة على أعلى المستويات.

علاوة على علاقاتها مع تجار المخدرات، حافظت "القيادة الحمراء" على علاقات مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك". على سبيل المثال، أُلقي القبض في عام 2001 على لويس فرناندو دا كوستا، أحد قادة "القيادة الحمراء"، في كولومبيا، وكان قد سافر إلى هناك للاتفاق على تبادل الأسلحة بالكوكايين سرا على أرض محايدة.

في السنوات الأخيرة، نفذت الشرطة الفيدرالية البرازيلية مرارا عمليات واسعة النطاق اتسمت بالقسوة والعنف ضد أعضاء هذه الجماعة الإجرامية في مناطق سيطرتها، إلا أن الوضع بقي على حاله، ولا تزال "القيادة الحمراء" واحدة من أخطر وأكثر المنظمات الإجرامية نفوذاً في البرازيل، ما يعكس تعقيد المشكلة الأمنية التي تواجهها الدولة، واستمرار قدرة هذه العصابة على التكيف وإعادة تنظيم صفوفها رغم الضربات المتلاحقة.

المصدر: RT

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا