آخر الأخبار

قصف لبنان يهدد التفاهم.. الإيرانيون بين المطالبة بالرد وخشية انهيار الاتفاق

شارك

طهران- "مع إبقاء ملف جبهة جنوب لبنان بيد الفريق الحالي، فإنه قد لا يبقى من حزب الله سوى اسمه إذا تخاذل إخوته عن نصرته.. منذ اليوم الأول أعلنا أن التفاهم مع القاتل الأمريكي لن يحمي حلفاء إيران، بل يتطلع العدو من خلاله إلى تكبيل أيدي المقاومة"، هكذا علّق الطالب في الحوزة الدينية ميثم على استمرار القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان رغم توقيع الاتفاق بين طهران وواشنطن.

وفي حديث للجزيرة نت، حث ميثم (39 عامًا) بلاده على "استئناف القصف الصاروخي على إسرائيل نصرة للحليف اللبناني"، مؤكدا أنه "إذا لم تتحرك طهران الآن، فستدفع الثمن غاليا في المستقبل، لأن التردد اليوم سيؤدي إلى أسر مُذلّ غدا.. المحتل لا يفهم إلا القوة ونقول للقيادة الإيرانية: إما أن تردوا الآن، أو ستندمون عندما تصبح المقاومة مجرد ذكرى في كتب التاريخ".

بينما كانت العاصمة الإيرانية تراهن على مذكرة التفاهم الموقعة إلكترونيا وأن المفاوضات المرتقبة مع الجانب الأمريكي في جنيف ستكون بوابة لطي صفحة الحرب وفتح آفاق جديدة، يعود القصف الإسرائيلي على لبنان صباح هذا اليوم ليلقي بثقله على هذا المسار الدبلوماسي الهش، ما أثار تساؤلات في الشارع الإيراني عما إذا ستحافظ طهران على التزامها بالتفاهم رغم استمرار استهداف حليفها الإستراتيجي، أم أن دماء الجنوب اللبناني ستدفعها إلى إعادة حساباتها؟

وفي جولة ميدانية بشوارع طهران، استمعت الجزيرة نت إلى أصوات متباينة، بين من يرى أن استمرار القصف على لبنان يفرض ردا إيرانيا فوريا، ومن يعتبر أن المذكرة نفسها قد تكون آلية لكبح جماح إسرائيل، فيما يحذر آخرون من أن تل أبيب تسعى عمداً إلى إفشال التفاهم قبل أن يبلغ مرحلة الاتفاق النهائي.

مصدر الصورة القصف الإسرائيلي على لبنان يلقي بثقله على التفاهم بين طهران وواشنطن (الجزيرة)

اختبار مدروس

من جانبه، يعتقد برسام (27 عامًا) وهو موظف في شركة خاصة، أن إسرائيل تستهدف التفاهم بين بلاده والولايات المتحدة أكثر من استهدافها جنوب لبنان، وإن نأت طهران بنفسها عن هذا التصعيد، فسيكون ذلك "رسالة ضعف، وإذا ردت بالفعل، فالاتفاق في مهب الريح".

إعلان

وأوضح للجزيرة نت بنبرة حادة "نحن نعرف إسرائيل جيدا. هي لا تريد لهذا التفاهم أن ينجح، لأن نجاحه يعني فشل أهدافها في الحرب"، مؤكدا أنه إذا فشل أطراف التفاهم في كبح جماحها، "فلا معنى للاتفاق من الأساس".

وتشاطر زينب (38 عامًا)، وهي ربة أسرة، برسام رأيه، وقالت للجزيرة نت إن "الأخبار التي تأتينا من لبنان مؤلمة. نرى الأطفال والنساء يموتون تحت الأنقاض، ونحن هنا نوقع اتفاقا مع من يسلح إسرائيل"، متساءلة "ألا يفهم المسؤولون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستخدم لبنان كورقة لإفشال التفاهم؟ هو يعرف أن أي اتفاق بين إيران وأمريكا سيقيد حركته، لذلك يريد تفجيره قبل أن يولد".

أما كريم (55 عامًا)، وهو رجل أعمال، فيعتقد أن "ما يحدث في لبنان هو اختبار لجدية الطرفين الإيراني والأمريكي على حد سواء، "إذا استطاعت واشنطن إيقاف إسرائيل، فهذا يعني أنها ملتزمة حقا بالاتفاق، وإن تركتها تواصل هجماتها، حينها تضع التهديد الإيراني بالانخراط عسكريا لنصرة حزب الله على المحك".

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى كريم أن استمرار القصف على لبنان يجعل المذكرة بلا معنى، لأنه يكشف عن تقسيم عملي للأدوار بين واشنطن وتل أبيب للقضاء على قدرات محور المقاومة شيئا فشيئا، وأن على طهران إما أن ترد بحزم أو تعلن إبطال التفاهم، مشددا على أن "التجارب السابقة مع أمريكا تعلمنا أن الوعود لا تساوي شيئا".

مصدر الصورة أعلام الحداد على المرشد السابق علي خامنئي مازالت ترفرف في شوارع العاصمة طهران (الجزيرة)

مطالبة بالرد

وعلى منصات التواصل، كان الغضب أكثر وضوحا، فقد كتب رجل الدين محمد رضا عابديني، أحد علماء الدين المقربين من التيار المتشدد: "بناء على تأكيد المرشد الأعلى الذي قال "سننتظر تحقيق الشروط"، فإن البند الأول من مذكرة التفاهم الذي ينص على الوقف الفوري والدائم للحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان، قد تم انتهاكه". وأضاف في تغريدته على منصة إكس: "نحن، بوصفنا مراقبين للمذكرة، نطالب برد مناسب على هذا النقض للعهد، أو بإلغائها".

في تطور لافت، دعت طهران واشنطن رسميا إلى تنفيذ بنود مذكرة التفاهم ومنع إسرائيل من إفشال أي سعي للتفاهم والاستقرار، إذ قال سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني، في تصريح ل قناة الجزيرة، أمس الجمعة: نسعى لتحقيق السلام على الجبهات كافة، بما فيها غزة، وأدرجنا لبنان في المذكرة لارتباطه المباشر بالحرب".

كما أعلن مقر خاتم الأنبياء المركزي، اليوم السبت، إغلاق مضيق هرمز ردا على الانتهاكات الأمريكية الإسرائيلية للمذكرة، وخص بالذكر منها "الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان".

في قراءة للموقف الإيراني من التصعيد الإسرائيلي على جنوب لبنان، يرى السفير الإيراني السابق في أرمينيا والبرازيل علي سقائيان، أن طهران تسير في مسار محسوب يجمع بين الردع الدبلوماسي والتهديد العسكري.

ويعتقد أن بلاده تمكنت -عبر الدبلوماسية- من إحداث شرخ طفيف بين واشنطن وتل أبيب، وهو ما يدفع الأخيرة إلى السعي لإفشال التفاهم عبر استفزاز إيران للرد على هجماتها في لبنان، ومن ثم استدراج الولايات المتحدة مجددا إلى مواجهة عسكرية مع طهران، مستدركا أن إيران "لن تتحرك وفق أهواء الخصم، بل بناء على إرادتها وتصميمها الإستراتيجي".

إعلان

وكشف -في حديثه للجزيرة نت- عن ضغوط تمارسها طهران عبر الوسطاء، والطرف المتفاهم معها، وحلفائها في محور المقاومة لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها، مؤكدا أن التنسيق بين إيران وحزب الله في أعلى مستوياته حاليا، وإذا فشلت الضغوط الدبلوماسية، فإن طهران لن تتردد في تنفيذ تهديداتها بالرد المباشر على إسرائيل، و"هو خيار ما زال مطروحا بقوة".

وبرأي سقائيان، فإن أمريكا ليست عاجزة عن وقف إسرائيل، بل إن استمرار التصعيد يخدم مشروعا أمريكيا-إسرائيليا لتثبيت واقع جديد في جنوب لبنان ودفع حزب الله إلى القبول بشروط تسليمية، ويخلص إلى أن إيران تمتلك خيارات متعددة تبدأ بالضغط الدبلوماسي وتصل إلى الرد العسكري، والأيام القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كان التفاهم سينجو من اختبار لبنان.

مصدر الصورة إيرانيون حذروا من نجاح نتنياهو في إفشال التفاهم الإيراني الأمريكي (الجزيرة)

اتصال مباشر

في المقابل، يحذّر الرئيس الأسبق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه، من "ربط مصير التفاهم الإيراني الأمريكي -الذي تحقق بصعوبة بالغة- بسلوك نتنياهو، لأنه يعني منحه شيكا على بياض، ويضر بمصالح طهران وواشنطن".

وأوضح للجزيرة نت أن نتنياهو يريد تحقيق ما لم يستطع إنجازه في الميدان، خاصة تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وهذا خط أحمر لطهران، معتبرا أن إلغاء المفاوضات التقنية التي كانت مقررة في جنيف خطأ إستراتيجي يشجّعه على التصعيد، ويدفعه للاعتقاد أن الحرب سبيله الوحيد لإفشال التفاهم.

وحسب فلاحت بيشه، فإن المذكرة التي جمعت لأول مرة منذ 47 عامًا توقيع رئيسي البلدين مما يعني زوال جميع المحظورات التي كانت قائمة في العلاقات الثنائية، تمثل منعطفا تاريخيا يتطلب إدارة ذكية لا تترك مصيرها بيد طرف ثالث.

وتابع أن "ما نحتاجه اليوم هو اتصال هاتفي مباشر بين الرئيسين الإيراني مسعود بزشكيان والأمريكي دونالد ترمب، حيث لم يعد هناك أي حاجز يمنع ذلك، وهذا الاتصال قد يكون المفتاح لتجاوز العقبات الراهنة، وعلى رأسها التصعيد في لبنان، داعيا إلى "تشكيل آلية دولية بمشاركة إيران وأمريكا والدول الأوروبية، خاصة فرنسا، ودول المنطقة، لمعالجة أزمة لبنان في إطار شامل".

وخلص إلى أنه "إذا تحركنا بهذا الاتجاه، سنحوّل ملف لبنان من أداة ضغط بيد نتنياهو إلى قضية إقليمية، بل قد تتحول إلى أزمة داخلية في إسرائيل"، مؤكدا أنه ينبغي على طهران وواشنطن استئناف الحوار في جنيف، والعمل على آلية إقليمية- دولية تمنع استغلال لبنان كورقة ضغط".

وفي الختام، يجد الشارع الإيراني نفسه أمام معادلة معقدة: من جهة، هناك أمل في أن تفتح المذكرة طريقا للخروج من العزلة الاقتصادية واستعادة الاستقرار. ومن جهة أخرى، هناك دماء تُراق في لبنان وحليف إستراتيجي يتعرض لقصف متواصل، وشريك أمريكي يبدو "عاجزا أو غير راغب -وفق مراقبين- في كبح جماح حليفه الإسرائيلي".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا