أعادت مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب والانتقال إلى مرحلة جديدة من المفاوضات سعيا إلى اتفاق نهائي، فتح باب النقاش حول الرابحين والخاسرين من الصراع، وأثارت تساؤلات بشأن انعكاساتها على موازين القوى الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب مايكل هيرش أن الحرب "غير المبررة والفاشلة" على إيران أطلقت شرارة تغيير جذري في موازين القوى العالمية من شأنه أن يجعل واشنطن وتل أبيب "أضعف نسبيا" خلال الأشهر والسنوات القادمة، معتبرا أن مذكرة التفاهم الموقعة هذا الأسبوع تُعد بمثابة "وثيقة استسلام" بالنسبة لواشنطن بالتحديد.
وفي مقال بمجلة فورين بوليسي ، يقول هيرش إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خرج من الحرب بصورة "أضعف" بكثير على المستويين الداخلي والدولي، معتبرا أن ذلك أضر بقوة الردع الأمريكية خلال المستقبل المنظور، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا.
ويؤكد الكاتب أن الرئيس الأمريكي لم يحقق أي مكاسب من الحرب، معتبرا أنه تكبد العديد من الخسائر السياسية والعسكرية، يلخصها في التالي:
ومن بين هذه الإخفاقات، فإن أكثر ما قد يقوض مكانة ترمب خلال العامين المتبقيين له من ولايته -وفقا للمقال- هو اصطدامه المباشر، شأنه شأن عدد من الرؤساء السابقين، بحدود القوة العسكرية الأمريكية.
وبحسب المقال، فإن من أبرز المكاسب التي حققتها طهران تعزيز شرعية نظامها السياسي داخليا، فقد أسس نظامها طوال 47 عاما شرعيته عبر تبني عقلية عسكرية تقوم على فكرة أنها مستهدفة من قوى خارجية معادية، والآن أصبح بإمكانه التباهي بأنه نجح في مواجهة القوى العظمى العالمية والإقليمية.
كما اكتسبت إيران نفوذا إضافيا -كما يوضح الكاتب- بفضل استمرار قدرتها على التحكم بمضيق هرمز واستخدامه كورقة ضغط، ولذلك أصبحت طهران تتمتع بمستوى من التأثير على المنطقة والاقتصاد العالمي لم يكن متاحا لها في السابق.
وفي هذا الصدد، ينقل هيرش عن الخبير في الشأن الإيراني والضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ريويل مارك غيرشت قوله إن الإيرانيين "أدركوا الآن قوة المضيق"، مرجحا أن تسعى طهران إلى استثمار هذه الورقة لتفكيك المنظومة الكاملة للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على مدى عقود.
فوفقا لمذكرة التفاهم، فإن ترمب مستعد أيضا للتفاوض على التخلي عن معظم -إن لم يكن كل- نظام العقوبات المفروض ضد إيران، بما في ذلك العديد من العقوبات نفسها التي فرضها هو خلال ولايته الأولى، بحسب المقال.
ويذهب هيرش إلى أن تداعيات الحرب لم تقتصر على إيران والولايات المتحدة، بل امتدت لتسهم في إعادة تشكيل موازين القوى على المستوى الدولي، مسلطا الضوء بصورة خاصة على انعكاساتها على كل من إسرائيل والصين.
وفيما يتعلق بإسرائيل، يرى الكاتب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قاد ما يصفه بحرب تجاوزت حدودها، الأمر الذي أفضى إلى نتائج عكسية تمثلت في إعادة تمكين خصمه الأبرز إيران، وفي الوقت نفسه إضعاف علاقات بلاده مع أقرب حلفائها، الولايات المتحدة.
إذ أسفرت الحرب- وفقا للمقال- عن شرخ في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لم يكن أحد في الأوساط السياسية الأمريكية يتصور إمكانية حدوثه قبل سنوات قليلة فقط.
ويشير المقال إلى أن إسرائيل تلقت رسالة سياسية قاسية عندما لم تُدرج طرفا في مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، رغم أنها بدأت الحرب بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة.
وفي الداخل الأمريكي، أصبح الدعم التقليدي لإسرائيل -الذي كان يُنظر إليه لعقود بوصفه ثابتا راسخا في مواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي- عبئا سياسيا. وهنا يحذر الكاتب من أن إسرائيل قد تواجه خطر فقدان ليس فقط حليفها الحقيقي الوحيد، بل ركيزة دعمها الإستراتيجية الرئيسية في العالم.
وفي ظل هذه التغيرات في موازين القوى، تبرز الصين بوصفها من أبرز الأطراف القادرة على الاستفادة من التحولات التي كشفتها الحرب، وفق رؤية الكاتب.
ويعزو ذلك إلى ما يعتبره نقطة ضعف رئيسية لدى الرئيس الأمريكي، تتمثل في خوفه العميق من أي تراجع اقتصادي أو اضطراب في الأسواق خلال فترة حكمه، وهو ما يدفعه- بحسب منتقديه- إلى التراجع عن مواقفه.
ويؤكد هيرش أنه لا توجد دولة أكثر إدراكا لنقطة الضعف هذه من المنافس الأول للولايات المتحدة وهي الصين، مستشهدا بالضغوط الاقتصادية التي كانت بكين أول من مارسها خلال حرب الرسوم الجمركية، عبر وقف تصدير المعادن الحيوية الذي هدد قطاعات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية الأمريكية ودفع إدارة ترمب إلى التوصل إلى هدنة مبكرة.
وفي ضوء هذه التطورات، يلفت هيرش إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يختبر الآن مدى هشاشة دعم ترمب ل تايوان، خاصة في ظل إحجامه عن المخاطرة بالدخول في حرب كبرى أخرى.
ويخلص المقال في مجمله إلى أن آثار الحرب لم تقتصر على أطرافها المباشرة، بل أسهمت في إعادة رسم موازين القوى الدولية وفتح المجال أمام قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين، لتعزيز موقعها في النظام العالمي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة