في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- في أعقاب الإعلان عن توصل واشنطن و طهران إلى مذكرة تفاهم تمهد لمناقشة الملفات الشائكة وعلى رأسها البرنامج النووي، انقسمت آراء الإيرانيين بين تفاؤل حذر وتشاؤم ممزوج بتجارب سابقة أجهضت فيها الاتفاقات قبل أن تلمس حياة المواطن العادي.
وفيما يبدو الموقف الرسمي منسجما مع رغبة شريحة من الشعب الإيراني الذي أنهكته الحروب والعقوبات في انفراجة، يعلو صوت رافض لأي "تفاهم مع قاتل المرشد السابق"، لتمتد هذه الخلافات إلى الأوساط السياسية في طهران. وأجرت الجزيرة نت جولة ميدانية في العاصمة الإيرانية وحاورت عددا من مواطنيها حول انطباعاتهم بشأن الاتفاق الجديد.
وقال شادمهر (37 عاما) وهو سائق سيارة أجرة: "نحن متعبون من التقلبات جراء الملف النووي، وكلما توصلنا إلى اتفاق نجد أنفسنا أمام وعود لم تتحقق. لكن لا تعني هذه التجارب أننا لا نثق بأي مسار سياسي آخر، بل لابد من أخذ الحيطة والحذر من خصم لطالما اشتهر بنقضه للوعود والاتفاقات".
وفي حديثه للجزيرة نت، أضاف شادمهر "ما يهمني هو رفع العقوبات ليستعيد الريال عافيته وتتحسن قيمة العملة الوطنية"، مؤكدا أنه سيكون سعيدا جدا في حال تمكنت طهران من إبعاد شبح الحرب عن البلاد بشكل نهائي و"انتزاع حق الشعب الإيراني من الخصم"، بما في ذلك رفع العقوبات وتحرير الأصول المجمدة.
وفي حديقة "بارك شهر" وسط طهران، تعرب المدرّسة فرزانة (53 عاما) عن قلقها الشديد جراء ما وصفته بـ"التساوم على دماء الشهداء"، مستذكرة "المفاوضات الماضية حيث شن كيان الاحتلال الإسرائيلي و الولايات المتحدة حربي يونيو/حزيران ورمضان على إيران".
وقالت للجزيرة نت: "إذا لم نقلق بشأن نتيجة المفاوضات ومصير البلاد بعد أن شهدنا هجومين أثناء مفاوضات سابقة، وراح ضحيتهما قادة عسكريون وسياسيون، على رأسهم المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، لابد أن نشكك في سلامة عقولنا".
وعلى هامش النشاطات الرياضية الصباحية في الحديقة، يشبّه الشاب مرتضى (29 عاما)، وهو صاحب مقهى قريب من متحف "السلام"، مسار المفاوضات بحافلة تسير في طريق جبلي وعر وفيها راكب يخشى السقوط في منحدر فيلح على السائق بأن يأخذ الحيطة والحذر، لكن إلحاحه المفرط قد يشتت انتباه السائق.
وبينما بدا أنه يريد طمأنة المتحدثة السابقة، أضاف "نعم، الطريق ضيق ووعر، لكن هناك سائق، وهناك مساعده، وهناك ميكانيكي، وعلينا ألا ننسى بأن الازدحام الزائد فقط يشتت انتباه السائق.. فلا داعي للقلق".
ودعا -في حديث للجزيرة نت- إلى عدم إضافة المزيد من الضوضاء التي قد تعيق عملية اتخاذ القرار خلال الفترة المقبلة و"التي يفترض أن نساعد الفريق المفاوض لاتخاذ قرارات حساسة".
ورأى مرتضى أن السواد الأعظم من الإيرانيين يتطلعون إلى مبادرة تحسم الملف النووي وتنهي الصراع بشأنه، متهما معارضي الاتفاق الجديد بـ"إدارة الظهر للمصالح الوطنية العليا وغض البصر عن الخطر المحدق بالدولة وأمنها وعزتها".
وهو اتهام أثار حفيظة فرزانة التي قالت له "إذا كان قرار تياركم السياسي قائما على التوافق والتفاهم مع الولايات المتحدة، فلا مجال لأي نقاش أو جدل معكم، لكن عليكم تحمّل مسؤولية مرحلة ما بعد الاتفاق، خاصة إذا شهدنا مرة أخرى غدرا أمريكيا وانتهاكا للعهود".
وتعتقد فرزانة أن "الوقت قد حان -عقب المواجهة الأخيرة- ليتم الفصل نهائيا في علاقة إيران وأمريكا، وهذا مطلب واضح لا لبس فيه: لا مجال لأي تفاهم مع الولايات المتحدة التي امتصت دماء الشعب الإيراني زهاء خمسة عقود"، مضيفة أن "حرب رمضان أسفرت عن انتصار إيراني مذهل أبهر العالم، لكن في الوقت ذاته تكبدنا خسائر جسيمة لا تعوّض وجروحا غالية لن تُمحى من ذاكرة هذا الوطن".
ومن هناك إلى حي "فراز" شمالي العاصمة، التقينا التاجر الحاج بهمن (64 عاما)، الذي عبر عن شعوره بالارتياح لدى سماعه بخبر التوصل إلى اتفاق إطار بين "الخصمين اللدودين"، موضحا أنه لا يتوقع أن تحل كل المشاكل العالقة بين ليلة وضحاها، لكنه يرى أن أي انفراجة في العلاقات مع العالم ستخفف من عزلة إيران.
وأوضح للجزيرة نت أن "التجار متحمسون جدا والسوق ينتظر عودة التحويلات المصرفية الدولية وفتح خطوط الائتمان.. لدي بضائع متراكمة في المخازن بسبب العقوبات والحصار، وفي حال رفعهما ستعود حركة التصدير بقوة. لكنني أخشى أن تؤدي المماطلة السياسية خلال فترة الـ 60 يوما إلى خيبة أمل جديدة.. من الجيد جدا أن الجانبين أعلنا جاهزيتهما، لكن الفعل على الأرض هو ما يهمني في المرحلة الراهنة".
وفي المحطة الأخيرة من جولتنا، التقينا محسن (54 عاما) وهو موظف في وزارة الصناعة والمناجم، الذي بدا متحمسا في رفضه للاتفاق الجديد، عازيا سبب ذلك لأن المفاوضات "عقدت تحت تهديدات العدو وعدوانه على البلاد، ولا تحدد المعتدي وتدينه، لاسيما وأنها لا تمنع حروبا واغتيالات مستقبلية، ناهيك عن أن الاتفاق يترك مصير السيطرة على مضيق هرمز غامضا".
وفي حديثه للجزيرة نت، أضاف محسن "لا نقبل أن نقدّم تنازلات نقدية في مقابل وعود آجلة. لا نقبل اتفاقا يمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مخرجا من مستنقعه الحالي"، موضحا أن شريحة كبيرة من الإيرانيين لا يقبلون بأي اتفاق "لا يضع حدا للحلقة المفرغة: تفاوض، وعدوان، وهدنة، وتفاوض من جديد ثم اتفاق فعدوان متجدد".
مع التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، تظل المفاوضات بينهما، وفق مراقبين، أقرب إلى لعبة "القط والفأر" منها إلى مسار دبلوماسي واضح المعالم.
فبينما يتطلع جيل إيراني منهك بالعقوبات إلى بارقة أمل تعيد للريال عافيته وتفتح أمام التجار أبوابا كانت موصدة، يلوح في الأفق صوت آخر يحذر من فخ العودة إلى نموذج مماثل ل لاتفاق النووي المبرم عام 2015 والذي انسحب ترمب منه عام 2018 أو أسوأ منه، حيث تُقدَّم تنازلات نقدية في مقابل وعود قد تتبخر مع أول تغيير في البيت الأبيض أو اغتيال يستهدف طهران.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة