في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بينما تضع الحرب أوزارها الثقيلة على كاهل كل سوداني، تبرز معاناة شريحة المكفوفين كأحد أقسى فصول هذه المأساة الإنسانية، فهم لا يواجهون فقط خطر الرصاص والقذائف، بل يعيشون ظلاما مضاعفا بعد أن دمرت الحرب مؤسساتهم وشتتت عائلاتهم.
ويسلط تقرير وضاح الطاهر الضوء للجزيرة على قصة الأب السوداني الكفيف (معاوية)، وهو نموذج لمئات المكفوفين الذين لم ترحمهم آلة الحرب؛ فلم يفقد معاوية منزله فحسب، بل فقد ابنه وشقيقه اللذين قُتلا في النزاع، واختطفت قوات الدعم السريع زوجته وابنته.
ويقول معاوية وصوته محمل بالحزن، إن ابنه يمثل له أكثر من مجرد فرد في العائلة؛ حيث كان دليله إلى المسجد وقارئه للكتب وعينه في الطرقات.
ويعكس هذا الفقد الشخصي عمق المأساة التي تعيشها هذه الفئة، حيث يتحول النزوح والهروب من الموت إلى مهمة شبه مستحيلة لشخص يعتمد كليا على الآخرين وعلى بيئة مألوفة تغيرت معالمها تماما.
لم تتوقف الأضرار عند المستوى الشخصي، بل امتدت لتطال البنية التحتية التعليمية والخدمية.
فمعهد تعليم المكفوفين في الخرطوم، والذي يعد منارة لهذه الفئة، تعرض لتخريب واسع، والصدمة الكبرى كانت في تدمير المطبعة الوحيدة في السودان التي تعمل بنظام "برايل"، مما يعني توقف المناهج التعليمية وقطع صلة الوصل بين الكفيف والمعرفة في كافة أرجاء البلاد.
كما أن تدمير وسائل المواصلات الخاصة بالمعهد، كالحافلات التي كانت تنقل التلاميذ، وضع عقبة إضافية أمام عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، مما يهدد بضياع مستقبل جيل كامل من فاقدي البصر.
ويوضح وزير الرعاية الاجتماعية بالخرطوم صديق فريني أن الحرب لم تكتفِ بتشريد المكفوفين، بل زادت من أعدادهم؛ فالعنف المسلح والقصف العشوائي أدى إلى إصابات مباشرة تسببت في فقدان البصر لأعداد جديدة من السودانيين.
وفي ظل غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة، تبرز تقديرات اتحاد المكفوفين في الخرطوم بحري لتكشف حجم الكارثة، حيث نزح نحو 7 آلاف كفيف من المنطقة، عاد منهم نحو 4 آلاف إلى واقع مرير يفتقر لأدنى مقومات الحياة والرعاية الصحية.
وتقر الجهات الحكومية في ولاية الخرطوم بحجم التحديات، لكنها تبدو عاجزة أمام ضخامة الاحتياجات في ظل استمرار القتال.
وتتعالى الصرخات من داخل المعهد ومن مخيمات النزوح لضرورة تدخل المنظمات الدولية والإنسانية لإعادة تأهيل المرافق التعليمية وتوفير المعينات الحركية مثل "العصا البيضاء" والبيئات الآمنة.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، تأتي تصريحات وزير خارجية جيبوتي لتضع النقاط على الحروف؛ فلا يمكن الحديث عن حلول اجتماعية أو تنمية أو إعادة تأهيل لهذه الشرائح الهشة ما لم يتوقف أزيز الرصاص. "إن العودة إلى طاولة الحوار وتأمين المدنيين هي الخطوة الأولى والوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة