آخر الأخبار

الرئاسة في بيرو.. “مقبرة السياسيين” التي ترفض كيكو مغادرتها

شارك

إرث ثقيل من الأزمات السياسية ينتظر الرئيس القادم لبيرو عقب انتخابات تشير التقديرات الأولية لنتائجها إلى تقدم كيكو فوجيموري (51 عاما) لتكون الرئيس التاسع عشر لبلاد شهدت تعاقب 8 رؤساء منذ عام 2016، وسط انقسام سياسي ومخاوف مرتبطة بارتفاع معدلات الجريمة.

ووفقا لاستطلاعات آراء الناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم أمس الأحد، يُتوقع أن تحقق ابنة الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري -التي تترشح للرئاسة للمرة الرابعة على التوالي- فوزا بفارق نقطة واحدة تقريبا على منافسها اليساري روبرتو سانشيز (57 عاما). فبحسب شركة إيبسوس للإحصاءات، حصدت 50.7% من الأصوات مقابل 49.3% لسانشيز، في حين أفادت شركة "داتوم" بأنها حصلت على 50.5% من الأصوات مقابل 49.5% لمنافسها.

مصدر الصورة فشلت كيكو في الفوز بثلاث جولات رئاسية سابقا رغم قوتها السياسية (غيتي)

من السيدة الأولى إلى رئاسة بيرو

دخلت كيكو المشهد العام في عام 1994، عندما قبلت عرض والدها وهي بعمر التاسعة عشرة لتصبح السيدة الأولى بعد طلاق والديها، وسط اتهامات لوالدها بتعذيب والدتها.

وعلى مدار ثلاثة عقود، تحولت كيكو من شابة في القصر الرئاسي إلى زعيمة معارضة تقود حزب "القوة الشعبية"، وأدّت دورا محوريا في إسقاط الخصوم وتنصيب الحلفاء في مناصب الدولة.

ورغم قوتها فقد فشلت في الفوز بثلاث جولات رئاسية أمام مرشحين أقل شهرة منها، أما حاليا فيبدو المشهد مختلفا، إذ تفوقت في الجولة الأولى للانتخابات في 12 أبريل/نيسان، لكن هذه الصدارة سرعان ما تلاشت بعدما عدّل منافسها اليساري برنامجه ليشتعل السباق.

ومن العوامل التي تدعم وصول كيكو إلى القصر الرئاسي، توجه الشارع إلى قيادة ذات "قبضة حديدية" بعد زيادة جرائم العنف وميل المزاج العام إلى اليمين، إضافة إلى تمتع كيكو بـ"متانة سياسية" وحزب قوي يحميها من شبح الإقالة في الكونغرس، ويكفل لها البقاء حتى عام 2031.

إعلان

وتتعهد كيكو بنشر الجيش لدعم الشرطة، وتفكيك شبكات الابتزاز، وترحيل المهاجرين غير النظاميين المدانين بارتكاب جرائم، وقالت في تجمعها الانتخابي الأخير في ليما "نحن نمثل التقدم، وهم يمثلون التراجع".

في حين يتبنى سانشيز نهجا مختلفا، فبحسب رأيه، تبدأ مكافحة الجريمة باستعادة الثقة بالمؤسسات، وتعزيز النظام القضائي، وإصلاح الشرطة، والمراهنة على أن استعادة الأمن لا يمكن اختزالها في الحلول الأمنية البحتة، إذ يراها مرتبطة عضويا بمعالجة الجذور الاجتماعية.

ويرى محللون أن كيكو تهدف إلى تقويض الدستور، وفي الوقت ذاته يستبعدون بناء ديكتاتورية جديدة، لأنها تفتقر إلى الشعبية الواسعة، ويبقى السيناريو الأقرب -وفقا لمراقبين- هو نهاية مسيرتها عقب تولي الرئاسة، إذ "تظل الرئاسة مقبرة لكل السياسيين في بيرو".

مصدر الصورة البيروفيون يدلون بأصواتهم لانتخاب رئيس وسط انقسام سياسي ومخاوف مرتبطة بارتفاع معدلات الجريمة (الأوروبية).

إرث ثقيل

على عكس والدها، نشأت كيكو في امتياز، وتعلمت في أمريكا، وتزوجت من رجل أعمال إيطالي أمريكي، وتطلقا عام 2022، وتواجه صعوبة في جذب سكان الريف والسكان الأصليين.

إرث ألبرتو -الذي توفي عام 2024- ثقيل، وينقسم البيروفيون بشأنه، فبعضهم يرونه أفضل رئيس أنهى الأزمة الاقتصادية وسحق التمرد اليساري، وآخرون يتهمونه بالديكتاتورية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ولطالما دافعت كيكو عن والدها، الذي قدّم استقالته من الرئاسة في عام 2000، واتُّهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القضاء والتعقيم القسري للشعوب الأصلية، واعتُقل في عام 2005، بعد فترة من المنفى.

ورغم اعترافها بوجود جرائم في عهده، فإنها سعت كثيرا لإطلاق سراحه، ومررت وحزبها تشريعات تعفو عن العسكريين الضالعين، مما جعل خصومها ينظرون إليها بوصفها رمزا لـ"الإفلات من العقاب".

ومع هذا السجل العام المثير، تواجه كيكو انتقادات خاصة بها، تشمل وضعها رهن الحبس الاحتياطي ثلاث مرات على خلفية تحقيق في غسيل الأموال، رغم أن المحكمة رفضت القضية العام الماضي، وقالت إنها "معيبة".

وبعد هزيمتها في انتخابات عام 2021، أمضت أسابيع في محاولة قلب النتائج من خلال تقديم ادعاءات لا أساس لها من الصحة بشأن تزوير الانتخابات، إلى جانب استخدام حزبها في الكونغرس لتهديد الرؤساء بالإقالة، مما أسهم في تغيير 9 رؤساء خلال عقد، وجعل منافسها يسميها "السيدة فوضى"، وقد اتهمها باستغلال سلطتها لتحقيق انتقامات شخصية.

ومع ذلك، يرى محللون أن بلدا مثل بيرو عُزل فيه العديد من الرؤساء، تبقى كيكو الوحيدة التي تملك السلطة الكافية لإكمال ولايتها.

مصدر الصورة المرشح الرئاسي روبرتو سانشيز يصف منافسته بـ"السيدة فوضى" (الفرنسية)

المنافس وأزماته

لا تُعَد كيكو الوحيدة ذات الارتباطات المشبوهة، ففي عام 2022 حاول الرئيس اليساري بيدرو كاستيو القيام بانقلاب عبر حل الكونغرس وتولي سلطات واسعة، لكنه فشل واعتُقل، وقضت المحكمة في 27 نوفمبر/تشرين الثاني بسجنه 11 عاما ونصفا بتهمة التمرد والتآمر على الدولة.

إعلان

والفارق -حينئذ- كان أن كاستيو افتقر إلى الدعم العسكري الواسع الذي كان يتمتع به فوجيموري، لذا أُلقي القبض عليه، وعُزل من منصبه في غضون ساعات.

أما سانشيز الذي كان يشغل منصب وزير التجارة والسياحة السابق في عهد كاستيو، فقد أدان الانقلاب في البداية، لكنه الآن يصف ما حدث لكاستيو بالاضطهاد السياسي، ويعد بالعفو عنه.

إلى جانب ذلك، يميل سانشيز إلى تحالفات مثيرة للجدل مثل تحالفه مع أنتاورو هومالا، وهو قومي عرقي وضابط سابق في الجيش معروف برغبته في إعدام الرؤساء السابقين، بمن فيهم شقيقه أولانتا هومالا، وهو ما دفع بعض السياسيين اليمينيين المعتدلين مثل رافائيل بيلاوندي إلى دعم كيكو رغم كرههم إرث والدها.

ويسعى سانشيز لتغيير دستور عام 1993 الذي وضعه فوجيموري، وهو دستور رأسمالي يضمن نمو بيرو وتوازن تضخمها، ويرى المتخوفون أن تعديله لدعم دور الدولة في التجارة سيكون كارثيا اقتصاديا.

وأصدر قاضٍ، يوم الجمعة، قرارا بإحالة سانشيز إلى المحاكمة بتهمة ارتكاب مخالفات مفترضة في تمويل الحملات الانتخابية المحلية بين عامي 2018 و2020، وهي اتهامات ينفيها.

ترقب دولي

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية كبيرة تتجاوز فكرة تحديد التوجه السياسي لبيرو، بل أيضا في سياق الصراع على النفوذ الاقتصادي والإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين في أمريكا الجنوبية.

وعلى مدار السنوات، تحولت بيرو إلى ساحة تنافس بين القوتين العظميين، فالصين -الشريك التجاري الأكبر والمستثمر الرئيسي في قطاع التعدين وميناء "تشانكاي" الضخم- تراهن على استقرار مصالحها، وهو ما يفرض على أي رئيس قادم التعامل مع بكين بحذر.

وتشير تحليلات إلى أن واشنطن تتابع النتائج من كثب، لأنها ذات أهمية كبيرة للمصالح السياسية والاقتصادية الأمريكية في المنطقة، وتساعد في الحفاظ على نفوذها التاريخي فيها، ويرى مراقبون أن توجهات السياسة الخارجية لفوجيموري أقرب إلى واشنطن.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا