آخر الأخبار

بالمساجد والبيرقدار.. كيف هزمت تركيا خصومها في أفريقيا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"لقد ارتقت علاقات تركيا بأفريقيا إلى مستويات لم تكن تخطر على بال"

بواسطة (الرئيس التركي رجب طيب أردوغان)

بينما كان الأمين العام لوزارة الدفاع في النيجر الجنرال ساني كاتشي يتجول في المعرض الدولي لصناعة الدفاع في تركيا لعام 2025، قابله صحفي فرنسي، وسرعان ما أخبره كاتشي بأنه هنا في تركيا لأن تركيا هي الأهم بالنسبة لبلاده، فباغته الصحفي الفرنسي بالسؤال: "وماذا عن فرنسا؟" فأتت إجابة الجنرال جاهزة وسريعة: "لا لم تعد تهمنا على الإطلاق".

يُبيِّن رد فعل الجنرال إلى أي مدى باتت تركيا حاضرة وبقوة في أفريقيا، وإلى أي مدى بات لها نفوذ متعاظم يتغلب في بعض الأحيان على نفوذ قوى تقليدية داخل القارة. ويبدو أن تركيا لا تزال راغبة في ترسيخ حضورها داخل أفريقيا، فقد أكد مدير جهاز المخابرات التركي إبراهيم قالن في يناير/كانون الثاني الماضي إن تركيا تولي اهتماما بالغا بأفريقيا، في وقت تتسارع وتيرة التنافس الإستراتيجي، وأضاف مفتخرا أن جهاز المخابرات التركي جذب بأنشطته في القارة اهتمام العديد من الدول، بدءا من أنشطة دعم الاستقرار في ليبيا، ووصولا إلى مساهماته في مكافحة الإرهاب في الصومال، بحسب تعبيره. واعتبر قالن أن "الدبلوماسية الاستخبارية التركية" حققت نتائج مثمرة من تشاد والنيجر إلى كينيا وتنزانيا.

"اعتبر قالن أن الدبلوماسية الاستخبارية التركية حققت نتائج مثمرة من تشاد والنيجر إلى كينيا وتنزانيا"

والواقع أن اهتمام تركيا بأفريقيا لم يبدأ حديثا، بل إن ما تجنيه في القارة اليوم هو ثمار عقدين اتبعت فيهما أنقرة سياسة متعددة المشارب جمعت بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. إنها سياسة اتخذت لنفسها خطابا وبناء أيديولوجيا يُفرِّقها عن غيرها. وقصة النجاح التركي في أفريقيا ليست مهمة فحسب لأنها تبلورت مؤخرا وبدأت وسائل إعلام غربية – وبالأخص فرنسية – تتحدث عنها وعن تمدُّد تركيا في مناطق النفوذ الفرنسي السابق، بل الأهم في تلك القصة هو أن تركيا استطاعت أن تحقق ذلك النجاح رغم قلة مواردها المالية مقارنة بمنافسيها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هل يحل الذكاء الاصطناعي المعضلة الأهم للطب النفسي؟
* list 2 of 2 مسافر على درب الأشواق.. ماذا رأى ابن بطوطة في منى وعرفات؟ end of list

ما الذي حققته تركيا في أفريقيا؟

تُعَد قارة أفريقيا محط أنظار العديد من القوى العالمية، وذلك أولا لأن القارة تزخر باحتياطيات هائلة من النفط والغاز والمعادن والمواد الخام الأساسية للإنتاج الصناعي، مثل الكوبالت والذهب والماس، وثانيا لأن القارة سوق مثالي بعدد سكان يصل إلى حوالي 1.4 مليار نسمة. والأهم أن حجم السوق الأفريقي يتسع باستمرار بفضل نمو سكان القارة وارتفاع القدرة الشرائية لطبقاتها المتوسطة، وهو ما يجعل العديد من الشركات العالمية الآن تبني إستراتيجياتها على نحو يناسب السوق الأفريقية.

إعلان

من هذا المنطلق فإن واحدا من أهم أهداف تركيا من التواجد في أفريقيا، إلى جانب اكتساب المكانة السياسية الدولية، هو فتح الأسواق لمنتجاتها. وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية، شهد الاقتصاد التركي في العقد الأول من الألفية نموا متواصلا وكان يبحث عن أسواق جديدة، ووفر السوق الأفريقي فرصا مربحة للمصدرين ورجال الأعمال الأتراك. وقد أشارت دويتشه فيله إلى أن المستثمرين الأتراك جذبهم في أفريقيا شريحة الشباب الضخمة، وما يُمثلونه من طلب متزايد على السلع. وقد ضمن النفوذ التركي المتعاظم في أفريقيا تحقيق هذا الغرض، إذ ارتفع التبادل التجاري الثنائي بين تركيا ودول أفريقيا في العقدين الماضيين، من 5.4 مليارات دولار في عام 2003 إلى حوالي 37 مليار دولار بنهاية عام 2024.

"ارتفع التبادل التجاري الثنائي بين تركيا ودول أفريقيا من 5.4 مليارات دولار في عام 2003 إلى حوالي 37 مليار دولار بنهاية عام 2024"

وصل التمدد الاقتصادي التركي في أفريقيا إلى حد أن المستثمرين الفرنسيين باتوا يشكون منه. وتقول صوفي فيدوس فيكا، نائبة رئيس مجموعة فيكا الفرنسية، إن الأتراك باتوا موجودين بكثافة في أفريقيا، ونتيجة لذلك خسرت الشركات الفرنسية جزءا من حصصها السوقية. ويضيف فرانسوا جاي، الرئيس التنفيذي لشركة إبانو الفرنسية، إن معلوماته تفيد بأن الأتراك يعملون بسرعة في أفريقيا وبمنتجات ذات جودة أعلى من الكثير من السلع الصينية. أما جان دولاك، رئيس شركة "دولاك" الفرنسية، فيرى أن على الفرنسيين مراجعة أنفسهم فيما يخص البلدان التي كانوا يعتقدون أنهم تربَّعوا على أسواقها، إذ إن هناك آخرين -ويقصد تحديدا الأتراك- قد "تجاوزونا" بالفعل.

مصدر الصورة تعد القارة الأفريقية من الأهداف ذات الأولوية للدبلوماسية التركية (الجزيرة)

على جانب آخر، وصل الحضور التركي في القرن الأفريقي إلى مجالات حيوية، فقد وقَّعت شركة النفط التركية الحكومية مع الهيئة الصومالية للبترول والمعادن في منتصف العام الماضي اتفاقية تتضمن استكشاف وإنتاج النفط والغاز في مناطق صومالية تغطي نحو 16 ألف كيلومتر مربع. وجدير بالذكر أن تشاد أيضا أعلنت قبل سنوات عن رغبتها في أن تساهم الشركات التركية في استخراج النفط من أراضيها.

على صعيد الصادرات العسكرية، أُسيل الكثير من الحبر مؤخرا في الصحافة الغربية عن نجاح تركيا في فتح أسواق كبيرة داخل القارة الأفريقية لصناعاتها العسكرية المتطورة. إذ ارتفعت قيمة صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى أفريقيا بنسبة 653% بين عامي 2015 و2021. وقد أصبحت تركيا ثالث أكبر مورد للأسلحة في غرب أفريقيا عام 2024 بحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، كما حصلت 18 دولة أفريقية على المسيرات التركية، فقد باتت المسيرة "بيرقدار تي بي 2" من أكثر المسيرات المطلوبة في القارة، وشهد العديد من العسكريين لسرعة ومرونة تركيا في تسليمها وسهولة تشغيلها.

"ارتفعت قيمة صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى أفريقيا بنسبة 653% بين عامي 2015 و2021"

استطاعت تركيا كذلك أن تُوسِّع تواجدها العسكري داخل أفريقيا. فقد افتتحت في سبتمبر/أيلول 2017 القاعدة العسكرية المعروفة باسم "تركسوم" في مقديشو بالصومال، لتصبح أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا، بهدف تأهيل الجيش الصومالي. وبالطبع فإن وجود تلك القاعدة في الصومال يجعل تركيا لاعبا عسكريا مهما في منطقة من أخطر المناطق وأكثرها اضطرابا، وهي منطقة القرن الأفريقي التي تشهد صراعا على النفوذ منذ سنوات. لم يعد وجود تركيا في تلك المنطقة الحساسة المرتبطة بطرق التجارة الأساسية سياسيا أو اقتصاديا فقط، بل بات عسكريا أيضا.

إعلان

الإسلام حجر أساس القوة الناعمة

"في مختلف أنحاء أفريقيا، تحمل الموانئ والمطارات والمستشفيات بصمات تركية. تتجاوز هذه العقود مجرد كونها صفقات تجارية، فهي تُرسِّخ مكانة أنقرة في النسيج الوطني داخل القارة"

بواسطة (شاي غال، استشاري سابق للحكومة الإسرائيلية)

بَنَت تركيا حضورها المتعاظم في أفريقيا بوسائل عدة، وبصبر واجتهاد على مدار عقدين، وربما لعبت القوة الناعمة في ذلك دورا لا يقل أهمية عن القوة الصلبة، إذ شكَّلت الثقافة والدين والفنون والمساعدات التنموية مدخلا هاما لتركيا لحجز موطئ قدم لها بين كبار المتنافسين. وكانت واحدة من أبرز الأوراق التي دخلت بها تركيا الساحة الأفريقية هي الدين الإسلامي. ففي قارة تُقدَّر نسبة المسلمين فيها بنحو نصف سكانها، تلعب الهوية دورا هاما، وقد قدَّمت أنقرة نفسها بوصفها شريكا مسلما متطورا يساعد المسلمين في أفريقيا، ويدعم الإسلام المعتدل في الوقت نفسه، كما يدعم الحكومات في مواجهة التطرف والإرهاب.

منذ أن بدأت تركيا خطتها لزيادة حضورها في أفريقيا في عام 2005، كانت مؤسسة رئاسة الشؤون الدينية التركية، المعروفة بـ"ديانت" والتابعة لرئاسة الجمهورية، أداة فعَّالة من أدوات القوة الناعمة التركية، فقد رَعَت مؤتمرات لرجال الدين المسلمين في القارة، كما بَنَت العديد من المساجد في جيبوتي وبوركينا فاسو وغانا ومالي وتشاد، وقامت بأنشطة خيرية من قبيل حفر الآبار وتركيب ألواح الطاقة الشمسية في البلاد الأفريقية، هذا بخلاف استقبال العديد من الطلاب الأفارقة في مدارس إعداد الأئمة التركية، ليعودوا بعد ذلك علماء وقادة دينيين في بلادهم. وقد عملت أيضا "ديانت" على توفير ترجمات عديدة للقرآن الكريم وكتب الفقه المعتمدة والدراسات الإسلامية ووزَّعتها في شتى الدول الأفريقية.

"تعد مؤسسة رئاسة الشؤون الدينية التركية، ديانت، واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة التركية في أفريقيا"

في الواقع تنشط "ديانت" في معظم أنحاء أفريقيا، وبحسب مسؤوليها فإنها تُقابَل بترحاب في الدول الأفريقية لأنها لا تقوم بأنشطة "تبشيرية"، بل تقدم خدماتها للمسلمين في البلاد، وتنفذ مبادرات إغاثية وتوفر اللحوم في عيد الأضحى للفقراء، وتبني المدارس القرآنية والمساجد. ففي العاصمة الغانية أكرا على سبيل المثال موَّلت المؤسسة بناء ثاني أكبر مسجد في غرب أفريقيا، وموَّلت أكبر مسجد في شرق أفريقيا في جيبوتي، كما تحرص على أن تحاكي تلك المساجد التي تؤسسها طراز المساجد العثمانية.

هذا كله إلى جانب ما تقوم به وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) من أعمال خيرية خاصة بتمويل المرافق الطبية والمدارس في أفريقيا، وهذه الوكالة هي الذراع الرسمية للدولة التركية في مجال المساعدات التنموية، وقد افتتحت مكاتب لها في 22 دولة أفريقية على مدار 15 عاما وأشرفت على 7000 برنامج مساعدات في القارة.

مصدر الصورة مؤسسة الشؤون الدينية التركية "ديانت" تقدم مساعدات إنسانية للعائلات المحتاجة في ضواحي نجامينا تشاد، في 10 مارس/آذار 2026 (وكالة الأناضول)

في الآن ذاته، تعمل مؤسسة معارف، وهي الذراع التعليمية الرسمية للجمهورية التركية، الآن في أكثر من 20 دولة أفريقية، ولديها مدارس تدرس المناهج واللغة التركية. ومؤسسة معارف هي مؤسسة حكومية أُنشئت في عام 2016 وتعني بنشر التعليم التركي في الخارج كأداة من أدوات القوة الناعمة، وتقوم المؤسسة بدعوة بعض الطلاب الأفارقة أيضا لمواصلة تعليمهم في تركيا، بهدف تكوين نخب مستقبلية ذات صلة قوية بأنقرة.

"تضاعف عدد السفارات التركية في أفريقيا من 12 سفارة في عام 2002 إلى 44 سفارة في عام 2023"

على المستوى الدبلوماسي شهدت العلاقات التركية الأفريقية ثورة في العقدين الأخيرين، وليس أدلَّ عليها من تزايد عدد السفارات التركية في القارة، إذ تضاعف عدد السفارات التركية في أفريقيا من 12 سفارة في عام 2002 إلى 44 سفارة في عام 2023، وهو بحسب هيئة الإذاعة البريطانية رقم يقارب عدد سفارات الولايات المتحدة (49 سفارة) وفرنسا (46 سفارة)، وإن كان أقل من الصين التي تملك 53 سفارة. جدير بالذكر هنا أن الرئيس التركي أردوغان أعلن أنه يهدف لرفع عدد تلك السفارات التركية إلى 50 سفارة في المدى القريب.

إعلان

بخلاف السفارات، ومنذ عام 2005، زادت الرحلات الجوية بين تركيا والقارة الأفريقية على الخطوط الجوية التركية بنحو 1140%، وحرصت أنقرة في آخر عقد على أن تُجري زيارات رفيعة المستوى إلى أفريقيا مرة واحدة على الأقل في كل عام. كما تُدرِّب تركيا دبلوماسيين أفارقة في أنقرة، وهو أمر يُشبِه التعليم والمنح الدراسية في كونه يساهم في خلق نخب سياسية مستقبلية ذات علاقة وطيدة بتركيا. فقد درَّبت تركيا على سبيل المثال 80 دبلوماسيًا من الصومال في الأعوام الخمسة عشر المنصرمة.

من أوجه القوة الناعمة التركية في أفريقيا أيضا التأثير الثقافي الذي تركته المسلسلات التركية، والتي تلقى نجاحا في أنحاء كثيرة من القارة. وقد أطلقت مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركية "تي آر تي" في عام 2023 قناة "تي آر تي أفريقيا"، التي تبث برامجها بأربع لغات، الإنجليزية والفرنسية والهَوْسَا والسواحيلية، ما يشي بمقدار اهتمام تركيا بالمنافسة في الساحة الإعلامية بالقارة.

أسلحة وانتصارات.. القوة الصلبة

في أواخر عام 2019، كانت قوات الجنرال خليفة حفتر تقترب من طرابلس، وحينها قررت تركيا أن تتدخل عسكريا لإنقاذ حكومة الوفاق الوطني المحاصرة. كان تدخُّل تركيا يتضمَّن مستشارين عسكريين ومسيرات ومساعدات عسكرية، وقد نجح هذا التدخُّل، وبحلول منتصف عام 2020 انهار هجوم خليفة حفتر، وبَدَت حكومة الوفاق الوطني راسخة بسبب المساندة التركية.

وفي خريف العام 2020 اندلعت حرب بين أذربيجان وأرمينيا استمرت 44 يوما، واستطاعت فيها أذربيجان أن تحقق انتصارا كبيرا بمساعدة سياسية وعسكرية تركية، إذ انتصر الجيش الأذربيجاني في حرب تميَّزت فيها المسيرات التركية المتقدمة. وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، استطاع الثوار السوريون المدعومون من تركيا أن يُسقطوا نظام بشار الأسد بعد سنوات طويلة ظن كثيرون بمرورها أن الثورة السورية لن تنتصر أبدا.

"من ليبيا إلى أذربيجان إلى سوريا، رسخت تركيا صورتها بوصفها دولة قوية تستطيع مساندة حلفائها"

ساهمت كل تلك الجولات في بناء صورة لتركيا بوصفها دولة قوية تستطيع أن تساند حلفاءها، وأنها تمتلك القوة العسكرية والأسلحة المتطورة التي يمكنها أن تغير مسار الحروب، فضلا عن كون تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو. ساهمت الصورة كثيرا في مد نفوذ تركيا داخل أفريقيا، حيث تواجه العديد من الدول الأفريقية خطر الجماعات المسلحة بمختلف مشاربها، وتحتاج إلى التقنيات العسكرية المتقدمة للفوز بالمعارك مع تلك الجماعات.

إضافة إلى ذلك فإن ما يعزز تلك الصورة عن تركيا باعتبارها شريكا قويا يستطيع أن يدعم حلفاءه، هو وجودها العسكري الكبير خارج حدودها، فهي دولة تتمتع بوجود عسكري في ثلاث قارات وأكثر من 12 دولة. أما النقطة الأقوى في قوة تركيا الصلبة، التي ساهمت في مد نفوذها في أفريقيا، فهي المسيرة "بيرقدار تي بي 2" التي أثبتت جدواها في ليبيا وقره باغ ومناطق شتى من العالم، وتراها دول أفريقية عديدة الوسيلة الأفضل لمحاربة الجماعات المسلحة، ناهيك عن سعرها الرخيص نسبيا.

لقد باعت تركيا مسيراتها إلى بوركينا فاسو ومالي وتوغو والنيجر والسودان، وهي دول في منطقة الصحراء الكبرى أو متاخمة لها، ويخوض بعضها حروبا ضروسا مع الجماعات "المتطرفة"، وهذا التبادل يخدم الطرفين بشدة. فمن جهة تحتاج تركيا إلى خلق سوق لأسلحتها، وتحتاج أن تبرز نفسها بوصفها شريك لأفريقيا في حربها على الجماعات "المتطرفة" بما أنها تقدم نفسها ممثلا للإسلام المعتدل، ومن جهة أخرى تحتاج الدول الأفريقية إلى تقنيات وأسلحة غير مُبالغ في سعرها لمواجهة الأخطار التي تحدق بها. علاوة على ذلك، هناك شركات الأمن التركية الخاصة، ومنها شركة "سادات" للاستشارات الدفاعية الدولية، التي تنشط في 9 دول أفريقية وتقدم خدمات التدريب والاستشارات العسكرية.

"لدى تركيا وجود عسكري في ثلاث قارات وأكثر من 12 دولة"

ومن الجدير بالذكر أن المسيرات التركية يُروَّج لها إعلاميا في الدول الأفريقية على نحو إيجابي، ففي بوركينا فاسو والنيجر تُصوَّر عمليات استلامها على أنها رمز للسيادة الوطنية ودلالة على التسليح الجيد، بعيدا عن الاستغلال الفرنسي سيئ السمعة. فمثلا، أشار التلفزيون الرسمي في مالي إلى فاعلية المسيرات التركية في استهداف "الإرهابيين" في البلاد.

التعلُّم من درس فرنسا

حين بدأت تركيا في اتخاذ خطوات كبيرة لتعزيز نفوذها في أفريقيا، كانت هناك العديد من الدول المنافسة التي تعاني في أفريقيا بسبب سمعتها، في وقت كانت فيه تركيا لاعبا جديدا بلا ذاكرة استعمارية، وهو ما استغلته أنقرة بمهارة.

إعلان

فإسرائيل على سبيل المثال كان لها ماضي عنيف مع الأفارقة بسبب بيعها الأسلحة إلى رواندا في فترة الإبادة، إضافة إلى برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس" الذي اشترته أنظمة أفريقية عدة للتجسس على معارضيها السياسيين. أما فرنسا فكانت المشاعر المعادية لها في القارة تنمو بقوة طيلة العقد السابق إلى جانب ماضيها الاستعماري. في حين نُظِر إلى الصين منذ سنوات باعتبارها دولة كبرى تبسط قوتها عبر "فخ الديون" الذي يجعل الدول الأفريقية مُهدَّدة بالتنازل عن أصولها.

لا يعني ذلك أن تركيا لم يُنظَر إليها بأي قدر من الريبة على الإطلاق، لكن التوجُّس منها لم يكن بالقدر نفسه، إذ يعد حضور تركيا في القارة الأفريقية حديث العهد، ومن ثم كان باستطاعتها أن ترسم لنفسها وجها يتعلم من أخطاء الفاعلين الآخرين. فهي لا تملك ماضيا استعماريا قريبا يخلق حساسيات مثل فرنسا، ولم تتورط في انتهاكات واسعة مثل إسرائيل.

"كانت تركيا شديدة الوعي بأهمية أن ترسم لنفسها وجها مختلفا في أفريقيا"

لقد كانت تركيا شديدة الوعي بأهمية أن ترسم لنفسها وجها مختلفا في أفريقيا. وبالفعل كانت بداية انخراط تركيا الفعلي في أفريقيا هي عام 2011، وهي بداية وفَّرت لها نقطة انطلاق جيدة لرسم سردية إيجابية بخصوص دورها الأفريقي. وفي وقت تخلت فيه معظم القوى الغربية عن الصومال، ورأته محض دولة فاشلة ترزح تحت الأزمات، حيث استشرت مجاعات وسيطرت حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة على مساحات واسعة من جنوب البلاد، دخلت تركيا وقدَّمت الدعم لمقديشو.

وجدت تركيا أن التدخل في الصومال أفضل بداية ممكنة للولوج إلى أفريقيا، وكان أردوغان أول رئيس دولة غير أفريقي يزور الصومال منذ عقدين، وتعهَّد حينها بتقديم مساعدات إنسانية تقدر بأكثر من 200 مليون دولار، وأعاد فتح سفارة بلاده هناك، وعلى عكس الدول الغربية كانت الخطوط الجوية التركية أول طيران غير أفريقي يستأنف رحلاته إلى الصومال.

سرعان ما أثبت رهان أردوغان على الدولة العربية الأفريقية الفقيرة نجاحه، إذ استعادت القوات الصومالية أراضٍ واسعة من تنظيم القاعدة عام 2014، وساعد في ذلك وجود قوات الاتحاد الأفريقي (أميصوم). كما أعادت تركيا بعد ذلك بناء ميناء ومطار مقديشو وافتتحت مستشفى ضخما في العاصمة الصومالية.

مكن النجاح في الصومال أنقرة من تقديم نفسها بالوجه الجديد الذي دخلت به القارة. لقد كان وجها رُسِم بدقة لكي تقول تركيا من خلاله أنها دولة تريد علاقات مع أفريقيا تقوم على التبادل المشترك للمنفعة، وأنها ليست مثل الدول الأخرى التي تريد استغلال أفريقيا ليس إلا. وقد لعب هذا الوجه دورا كبيرا في فتح الأبواب المغلقة أمام النفوذ التركي في أفريقيا.

والواقع أن تركيا لم تكتف بالتعلم من درس فرنسا في الحرص على بناء شراكة مبنية على الاحترام المتبادل الذي يضمن الربح للطرفين، بل واستفادت من المشاعر المعادية لباريس في الدول الأفريقية. وقد قدمت المنصات التركية الموجهة للأفارقة نقدا لاذعا للدور الذي تلعبه فرنسا في القارة، ففي منطقة الصحراء الكبرى على سبيل المثال، ومنذ انسحاب القوات العسكرية الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر نتيجة تنامي المشاعر القومية المعادية لباريس هناك، استطاعت تركيا أن تملأ جزءا من الفجوة التي تركتها فرنسا، وقدَّمت نفسها كشريك يحترم سيادة تلك الدول ويتبنى الخطاب الذي يعارض الاستعمار.

"قدمت المنصات التركية الموجهة للأفارقة نقدا لاذعا للدور الذي تلعبه فرنسا في القارة"

في دولة مالي مثلا، وبمجرد أن تدهورت العلاقات مع فرنسا عام 2022، ومع مغادرة القوات الفرنسية البلاد، أرسلت تركيا وفدا إلى باماكو، وبعد أسابيع قليلة أيضا سلمت تركيا مالي مسيرات بيرقدار "تي بي 2". ويختلف سلوك تركيا حتى عن روسيا، الحليف الجديد (وربما الأهم) لدول الساحل التي نبذت فرنسا، والتي يرتبط دعمها بمصالح اقتصادية مباشرة مثل السيطرة على المناجم والمعادن.

لقد قدَّمت تركيا نفسها لأفريقيا باختصار بوصفها جزءا من الجنوب العالمي يرفض الاستعلاء الاستعماري ويشارك القارة في انتقادها للدول والمنظمات الدولية التي تُهمِّشها، كما أنها من جهة أخرى تُشدِّد على احترامها لسيادة الدول الأفريقية، فالمنح المالية التركية في أفريقيا لا تخضع للشروط التي طالما فرضتها الدول والمنظمات الغربية.

النقطة الملتهبة.. تركيا وإسرائيل

في فبراير/ شباط الماضي، نشرت "تايمز أوف إسرائيل"مقالا للكاتب عبدي علي برخاد، المعروف بدعمه الشديد للطموحات الانفصالية لإقليم أرض الصومال، زعم فيه أن تركيا، ومن خلال قيامها بتسليح الصومال، تؤجج الصراع في القرن الأفريقي، وتتحوَّل إلى عدو خطير لما أسماه "جمهورية أرض الصومال" وتعرقل سعيها للاعتراف الدولي. وقد ناشد الكاتب -عبر الصحيفة الإسرائيلية- المجتمع الدولي أن يدرك الدور المعادي لأرض الصومال الذي تلعبه تركيا من خلال دعمها العسكري والمالي لمقديشو.

وكانت إسرائيل قد أعلنت من خلال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في نهاية العام الماضي، اعترافها رسميا بما أسمته "جمهورية أرض الصومال" كدولة مستقلة وذات سيادة، لتصبح بذلك دولة الاحتلال أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بإقليم "أرض الصومال" دولة مستقلة، وهو أمر أدانته العديد من الدول وعلى رأسها مصر وتركيا والسعودية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأفريقي. ومن الجدير بالذكر أن رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، قد رحب بالاستثمارات الإسرائيلية وأكد أنه لن يستبعد إمكانية منح إسرائيل ميناء على أراضيه.

"مع الحضور الإسرائيلي المرتقب في أرض الصومال، تقف أنقرة وتل أبيب على حافة الصدام في واحدة من أكثر الساحات اشتعالا في أفريقيا"

بإمكاننا أن نتخيل التوترات المحتملة التي قد تنشأ في الفترة القادمة بين تركيا، التي استثمرت كثيرا طيلة العقد الماضي في دولة الصومال، وتمتلك فيها قاعدة عسكرية، وبين إسرائيل التي اعترفت مؤخرا بإقليم أرض الصومال، خاصة وأن مجلس الأمن القومي التركي أعلن في أعقاب اعتراف إسرائيل دعمه العلني لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، كما أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود زار تركيا بعد أيام من الخطوة الصهيونية لمناقشة الأمر مع الرئيس التركي.

في الواقع تحاول إسرائيل بحسب مراقبين من خلال هذا الاعتراف أن تُنشئ في نهاية المطاف قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال، الذي يقع قبالة اليمن مباشرة، مما يسمح لها بالوصول لمضيق باب المندب والبحر الأحمر، ويُمكِّنها من ممارسة نفوذها في الشرق الأفريقي. لكن هذا ليس هدفها الوحيد، بل ثمَّة هدف آخر وهو محاربة الحضور التركي في القرن الأفريقي، خاصة إذا عرفنا أن تركيا والصومال كانا يخططان مسبقا لإنشاء قاعدة عسكرية تركية أخرى في ميناء بولاية خاتومو الصومالية، التي تغطي ما يقرب من نصف الأراضي التي تطالب بها أرض الصومال.

حتى الآن لم يتضح إلى أي حد سيصل التنافس بين تركيا ودولة الاحتلال في القرن الأفريقي بعد الخطوات التي اتخذتها الدولتان تجاه المسألة الصومالية، لكن الأكيد أن تحرُّك إسرائيل للاعتراف بأرض الصومال يعد تحديا كبيرا للنفوذ التركي في القرن الأفريقي، ما يعني أن الحضور التركي في القارة نضج إلى حد باتت معه تركيا أكبر من مجرد مُستثمر أو لاعب ذي حضور ثقافي، بل باتت فاعلا أساسيا في تشكيل مصير القارة السياسي والعسكري، بعد حوالي عقدين من العمل الدؤوب، الدبلوماسي والإعلامي والتجاري والعسكري.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا