تزايدت التقارير الاستقصائية والمؤشرات اللوجستية في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ بشأن ملف إمدادات الحبوب الأوكرانية في زمن الحرب، واضعة سلاسل التوريد تحت مجهر الرقابة الدولية.
وخلف المظهر الاعتيادي لسفن الشحن الروتينية التي تقصد الموانئ يوميا، عادت مسألة منشأ الشحنات لتشعل نزاعا عابرا للحدود، تداخلت فيه خيوط السياسة مع تكتيكات الملاحة البحرية المعقدة.
وبين اتهامات متلاحقة تقودها أوكرانيا بشأن "تسهيل تجارة غير مشروعة بقمح مسروق"، وتمسك إسرائيل بـ"سلامة الإجراءات القانونية"، ونأي أطراف أخرى بنفسها عن السجال، يجد المتابع نفسه أمام معضلة تقنية يراها الخبراء معقدة للغاية في سوق يسهل فيها خلط السلع وتغيير هويتها التجارية.
ومع توالي المعطيات الرقمية وصور الأقمار الصناعية التي تكشف كواليس ما يدور في أعالي البحار، يبرز التساؤل الأهم: إلى أي مدى تؤكد هذه المؤشرات المتزايدة وجود شبكة لوجستية تلتف على الرقابة، أم أن الأمر لا يتعدى كونه معاملات تجارية اعتيادية تحكمها ظروف الصراع الدائر؟
بدأ الخلاف العلني في أبريل/نيسان الماضي، وتحوّل سريعا إلى أزمة دبلوماسية متبادلة بين أوكرانيا وإسرائيل. وتنطلق كييف من مبدأ قانوني دولي مفاده أن جميع الحبوب المنتجة في شبه جزيرة القرم المنضمة إلى روسيا عام 2014 والمناطق الأربع الأخرى التي سيطرت عليها روسيا بعد غزو عام 2022 هي "حبوب مسروقة" و"غير شرعية".
وتتهم أوكرانيا السلطات الإسرائيلية بالتقاعس والتغاضي عن دخول هذه الشحنات موانئها، وصعّدت الخارجية الأوكرانية خطواتها عبر تسليم سفير إسرائيل مذكرة احتجاج رسمية، معلنة أنها قدّمت "أدلة وافية" تثبت عدم شرعية الشحنة قبل إثارة القضية علنا.
في المقابل، ترفض إسرائيل ما وصفتها بـ"دبلوماسية تويتر"، وتتمسك بالسياق القانوني الإجرائي، إذ أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن السفينة المعنية لم تكن قد دخلت الميناء أو قدّمت وثائقها الرسمية بعد عند إثارة الجدل، ومن ثَم لا يمكن التحقق من صحة الادعاءات.
وطالبت إسرائيل الجانب الأوكراني بتقديم الأدلة عبر "القنوات القانونية المناسبة" والمساعدة القضائية الرسمية، بدلا من السجالات الإعلامية.
وبينما فضلت موسكو النأي بنفسها عن هذا السجال وقال المتحدث باسم الكرملين إن الأمر يخص "علاقة نظام كييف مع إسرائيل"، تبرز المعضلة التقنية الأهم على لسان تجار الحبوب وفقا لوكالة رويترز، الذين يؤكدون حقيقة لوجستية تحكم هذه السوق "من المستحيل تتبّع أصل القمح بمجرد خلطه في المستودعات أو السفن".
في سياق هذا التضارب الثلاثي، أماطت صحيفة "هآرتس" العبرية اللثام عن تفاصيل ومعطيات جديدة، في تحقيق استقصائي يشير إلى أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تُستورد فيها حبوب مسروقة من أوكرانيا لمصلحة السوق الإسرائيلية.
تبدأ رواية "هآرتس" من مساء ربيعي قبل أسبوعين، عندما رست سفينة شحن تنقل البضائع السائبة غير المعبأة -مثل الحبوب- في ميناء حيفا.
هذه السفينة بدت من الخارج بشكل اعتيادي وكأنها مجرد واحدة من سفن عديدة تصل إلى الشواطئ الإسرائيلية، ولم تكن خارجة عن المألوف، لكنها كانت تضم بضاعة ثمينة في طريقها إلى السوق الإسرائيلية.
ووفقا لبيان رسمي صادر عن الحكومة الأوكرانية، فإن السفينة "أبينسك" كانت تبحر تحت العلم الروسي، وتجلب ما قيمته ملايين الدولارات من "القمح المسروق" من أراضٍ تخضع للاحتلال الروسي.
تقول الصحيفة إن الأرباح الناتجة عن بيع هذه البضائع في أسواق بأنحاء العالم -بما في ذلك إسرائيل- كانت تمول آلة الحرب التابعة للرئيس فلاديمير بوتين، وقد كُشفت قصة السفينة "أبينسك" في وسائل الإعلام الأوكرانية، مما أدى إلى موجة غضب عارمة.
ومع ذلك، كشف تحقيق "هآرتس" أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تُستورد فيها حبوب مسروقة من أوكرانيا لمصلحة السوق الإسرائيلية.
وتشير الوقائع إلى أنه بحلول عام 2023، أي بعد نحو عام من الحرب الروسية الأوكرانية، وصلت سفينتان على الأقل تحملان حبوبا مسروقة إلى إسرائيل، وقامت إحداهما على الأقل بتفريغ حمولتها، وذلك وفقا لوثائق، وتحليل لبيانات تتبّع السفن، وصور أقمار صناعية.
كما أن سلوك 7 سفن إضافية أفرغت حمولتها في إسرائيل في ذلك العام يثير الشكوك في أنها تصرفت أيضا لإخفاء مصدر الحبوب التي كانت تحملها.
إضافة إلى ذلك، فإن السجلات الداخلية التي تحتفظ بها السلطات الروسية في الموانئ الأوكرانية التي تسيطر عليها، والتي حصلت عليها هآرتس، تدرج أكثر من 30 شحنة من البضائع التي تقول عنها أوكرانيا إنها مسروقة ووجهتها إسرائيل.
ونقلت هآرتس عن مصادر قولها إن هذا نمط مستمر، ووفقا للمعلومات فقد تم بالفعل تفريغ 4 شحنات من الحبوب الأوكرانية في إسرائيل ذلك العام، ووصلت سفينة أخرى مشتبه فيها إلى خليج حيفا صباح الأحد وهي تنتظر دورها لدخول الميناء.
وأكدت أوكرانيا في بيان رسمي أنه من غير المقبول أن تسمح إسرائيل باستيراد بضائع مسروقة. وأضافت أنه بعد تواصلها مع إسرائيل، تلقت تأكيدات بأن الخطوات المناسبة ستُتخذ. وجاء في البيان "إنه لأمر مقلق أنه رغم المعلومات المقدمة والاتصالات بين الأطراف، فقد سُمح للسفينة أبينسك بتفريغ حمولتها في ميناء حيفا".
أما عن كيفية إدارة هذه العمليات، فإن ناقلات البضائع السائبة المشتبه فيها التي وصلت إلى إسرائيل لم تقم بتحميل الحبوب في الموانئ الروسية. بدلا من ذلك، جرى تحميلها على بُعد نحو 10 كيلومترات (6.2 أميال) قبالة الشاطئ، في ما يُعرف بـ"نقل البضائع من سفينة إلى أخرى"، حيث تُنقل الحمولة بين سفن توجد جنبا إلى جنب في عرض البحر.
وقد جرت هذه العمليات من النقل جنوب مضيق كيرتش في البحر الأسود، وهو ممر يقع بين الأراضي الروسية من جهة والأراضي الأوكرانية المحتلة من قِبل روسيا من جهة أخرى، وفقا لتحقيق "هآرتس".
وقبل وصولها إلى إسرائيل، التقت بعض ناقلات البضائع السائبة بسفن شحن ضخمة تستخدمها روسيا مخازن حبوب عائمة. وبعضها الآخر جرى نقل الحمولة إليها من سفن تزويد صغيرة، جلبت الحبوب مباشرة من الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا.
وفي أثناء عملية النقل من سفينة إلى أخرى، أغلقت السفن أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها -نظام التتبع التلقائي للسفن (AIS)- حتى لا يمكن تتبّعها.
ويُعَد تعطيل نظام التتبع الخاص بالسفينة أمرا غير قانوني عموما، بموجب لوائح الاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحر التابعة للمنظمة البحرية الدولية.
وينقل التحقيق عن محلل الشحن يوروك إيسيك -الذي يدير شركة الاستشارات "بوسفور أوبزرفر" ومقرها إسطنبول– قوله إن تحركات من هذا النوع تُعَد نموذجية للسفن التي تحاول إخفاء مصدر البضائع التي تحملها، خوفا من ألا تتمكن من بيعها لعملاء دوليين غير مهتمين بالبضائع التي تقول أوكرانيا إنها مسروقة.
ولوحظت هذه الظاهرة أيضا بين أسطول روسيا من ناقلات النفط الشبحية -وهي سفن قديمة تستخدم أساليب الخداع لإخفاء منشأ النفط الذي تحمله- للالتفاف على العقوبات وتصدير النفط الروسي.
ومع ذلك، فإن عملية نقل البضائع في أعالي البحار لا تشير -في حد ذاتها- إلى نشاط غير قانوني، ففي بعض الحالات تكون عمليات النقل ضرورية.
ولكن حقيقة أن السفن المعنية أغلقت نظام التتبع الخاص بها عندما كانت قريبة من الموانئ الأوكرانية وأثناء عمليات النقل، ثم أعادت تشغيلها بعد بضعة أيام عندما كانت محملة بالفعل بالقمح، يعزز الشكوك بأنها تسلمت "قمحا مسروقا".
وبعد تسلّم البضائع في البحر، قامت ناقلات البضائع السائبة مرة أخرى بتشغيل أجهزة الراديو الخاصة بها، وأبحرت نحو إسرائيل. وبعد رحلة استمرت بضعة أيام، قامت بتفريغ القمح في أرصفة مخصصة في ميناءي حيفا وأشدود.
ولمعرفة مسار السفن، استفادت "هآرتس" من بيانات تتبّع السفن من موقع "مارين ترافيك"، وصور الأقمار الصناعية من "بلانيت لابس"، ومعلومات أقمار صناعية إضافية من برنامج "كوبيرنيكوس" التابع للاتحاد الأوروبي.
مع تصاعد هذه الضغوط، كشفت التطورات الأخيرة عن هوية الجهات التجارية الإسرائيلية الضالعة في هذه الشحنات، إذ أعلنت جمعية مستوردي الحبوب الإسرائيلية أنه "مع هذه الظروف، تضطر شركة استيراد الحبوب تزينتسبير إلى رفض السفينة الروسية التي تحمل شحنة من القمح تقع في قلب العاصفة مع أوكرانيا، وسيتعين على المورد الروسي لشحنة القمح العثور على وجهة أخرى لتفريغها".
واتضح أن السفينة المعنية هي "بانورميتيس" التي تبحر تحت علم بنما، ودخلت خليج حيفا في أبريل/نيسان، ووفقا لتقرير صادر عن "يكاترينا ياريسكو"، وهي صحفية في مشروع "سيكرابم" الذي يتتبع السفن المشتبه في تورطها في تجارة الحبوب المسروقة، فإن هذه السفينة تحديدا تحمل 6201 طن من القمح و19043 طنا من الشعير، وفق صحيفة يسرائيل هيوم.
وتكافح أوكرانيا التي تُعَد "سلة خبز أوروبا" هذه الظاهرة منذ الاحتلال الروسي لدونباس عام 2014، وبدرجة أكبر منذ الغزو الروسي في عام 2022، حيث تستولي روسيا على محاصيل القمح والشعير من المناطق الخصبة الخاضعة لسيطرتها، وتنقلها إلى الأسواق العالمية مع إخفاء منشئها من خلال عمليات النقل وإعادة إصدار الوثائق في الموانئ الروسية.
وقد تجنب الغرب إلى حد كبير شراء هذه الحبوب، مما جعل مصر وتركيا وسوريا وإيران وبنغلاديش المشترين الرئيسيين. ووجد تحقيق أجرته صحيفة "هآرتس" أن 4 شحنات من هذا القبيل على الأقل قد جرى تفريغها بالفعل في الموانئ الإسرائيلية هذا العام.
وبينما تستمر أوكرانيا في الضغط دبلوماسيا لوقف تدفق الشحنات القادمة من المناطق المحتلة، تبدو مهمة إثبات منشأ الحبوب في الأسواق العالمية أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، في سوق تختلط فيها السلع بسهولة، وتتحول فيها البيانات البحرية وصور الأقمار الصناعية إلى أدوات أساسية في حروب الاقتصاد والجغرافيا السياسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة