يبدو أن إسرائيل واحدة من الدول التي تنفست الصعداء، في ظل تصاعد التوترات ليس فقط في مضيق هرمز، بل أيضا بين إيران، ودولة الإمارات العربية المتحدة.
إن التطور الأخير المتمثل في ا لاتهام الموجه لإيران بشن هجوم بمسيرات على منطقة الفجيرة النفطية، والتهديد بالتصعيد العسكري الذي يسود أجواء المنطقة، أمران لا يمكن الاستهانة بهما.
وفي حين يبدو جليا أن إسرائيل ترغب في ألا تنتهي الحرب مع إيران قبل الإطاحة بالنظام الحاكم في طهران والقضاء على "الثورة الإسلامية" إلى الأبد، فإن هذا التوجه يمثل وصفة لا تؤدي فحسب إلى مزيد من الدمار في المنطقة، بل تنذر أيضا بعواقب وخيمة وخطيرة على العالم بأسره.
ومن الأمور المشجعة أن دول الخليج لا تزال تبدي أقصى درجات ضبط النفس، خشية أن ينزلق الوضع -المتسم أصلا بالتقلب وعدم الاستقرار- نحو الفوضى، ويخرج عن نطاق السيطرة.
ومن منظور تاريخي، فإن جميع الحروب تتوقف في نهاية المطاف؛ والحرب على إيران ستصل حتما إلى نهايتها. غير أن السؤال الذي يظل قائما هو: كيف ومتى سيحدث ذلك؟
تُبدي إيران إصرارا واضحا على ضرورة أن ترفع الولايات المتحدة حصارها عن مضيق هرمز، كشرط لإعادة فتح هذا الممر الإستراتيجي الحيوي أمام حركة الملاحة التجارية المعتادة.
وفي المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة للإقدام على هذه الخطوة قبل التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران بشأن برنامجها النووي، وحل جملة واسعة من القضايا الأخرى، بما في ذلك مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي تزعم إيران أنه مدفون في أعماق الأنقاض تحت ركام منشآتها النووية التي "دُمرت بالكامل".
وتجد باكستان نفسها، بصفتها وسيطا بين الطرفين، في موقف حرج وشائك إلى حد ما. ففي ظل عمق العداء المتبادل، وانعدام الثقة بين الجانبين تقريبا، لا تعد الوساطة لإنهاء الحرب مهمة يسيرة، أو مقترحا سهلا على الإطلاق.
وتدرك باكستان تماما ما يكتنف هذا المسعى من عقبات ومزالق محتملة؛ ولهذا السبب، أصبحت الآن أكثر حذرا وتأنيا من أي وقت مضى فيما تقوم به من تحركات وجهود خلف الكواليس.
ويتمثل الهدف الأسمى والأولوية القصوى لباكستان في الحفاظ على مصداقيتها بصفتها وسيطا محايدا وجادا، وضمان استمرار ثقة كل من الولايات المتحدة، وإيران في جهود الوساطة التي تبذلها.
ومن الأمور التي تبعث على الارتياح حقا أنه، ورغم حدة الخطاب المتشنج الصادر عن كلا الطرفين، ووقوع بعض الخطوات غير البناءة في مضيق هرمز، فإن جهود الوساطة التي تقودها باكستان لا تزال مستمرة. ويعد هذا الإنجاز في حد ذاته أمرا مهما لا يستهان به.
كما أن استمرار وقف إطلاق النار -بشكل عام وفي الغالب الأعم- يشير بوضوح إلى أن الأطراف المتحاربة لا تزال لديها الرغبة والاستعداد للعمل من أجل تحقيق السلام.
ومما لا شك فيه أن الدبلوماسية تُعد عملية شاقة ومضنية، لا تتطلب فحسب التحلي بالصبر والمثابرة، بل تستوجب أيضا القدرة على إبداء المرونة وتقديم التنازلات.
عادة ما تعجز الدبلوماسية عن تحقيق النتائج المرجوة حينما تكون المواقف راسخة كالصخر. ولا عجب في ذلك؛ فقد تبددت منذ زمن بعيد تلك النشوة الأولية التي رافقت تحقيق اختراق سريع.
فلم تعد إسلام آباد حريصة على أن يلتقي الطرفان فوق أراضيها لإجراء مفاوضات جوهرية؛ بل إنها تعمل الآن، بدلا من ذلك، على تسوية الخلافات بشأن القضايا الشائكة بشكل مسبق.
فمن وجهة نظر إسلام آباد، لا طائل من عقد اجتماع رفيع المستوى آخر قد يُضفي طابعا دبلوماسيا براقا، ولكنه ينتهي بفشل ذريع مرة أخرى. وعليه، تبدو باكستان أكثر حذرا وترويا هذه المرة؛ إذ إن إثارة ضجة إعلامية سابقة لأوانها غالبا ما تأتي بنتائج عكسية.
ومع ذلك، تشير بعض التقارير إلى أن باكستان ترى بالفعل وجاهة في النهج الإيراني، والمتمثل في العمل على اتخاذ خطوات تدريجية تفضي إلى سلام دائم، بدلا من السعي وراء تحقيق سلام شامل في غضون 30 أو 60 يوما.
ويظل التحدي الأول الذي يواجه باكستان هو ضمان عدم خرق وقف إطلاق النار. أما التحدي التالي فيتعلق بمضيق هرمز؛ إذ تعيق "معضلة البيضة والدجاجة" (أي أيهما جاء أولا) العملية برمتها في الوقت الراهن.
وينظر الكثيرون إلى رفض واشنطن فك الارتباط بين حصارها وبين التوصل إلى اتفاق شامل باعتباره أمرا غير قابل للتطبيق أو "مبادرة ميتة". ويبدو من المستبعد للغاية أن تعيد إيران فتح المضيق "دون شروط"، كما يطالب الرئيس ترمب.
وتتمثل الحجة الإيرانية في أنه إذا لم يكن المضيق مفتوحا أمام إيران، فلا يمكن أن يكون مفتوحا أمام غيرها.
ومن المفارقات في هذا الشأن أن القرار الأمريكي بفرض حصار على مضيق هرمز جاء بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في 7 أبريل/نيسان، وهو الوقف الذي تم تمديده لاحقا- بفضل الدبلوماسية الباكستانية المكثفة- دون تحديد أي موعد لانتهاء صلاحيته.
وقد تعهدت إيران بأنها ستحول "مشروع الحرية" الذي أطلقه الرئيس ترمب إلى "مشروع الوهم". فكيف يمكن كسر هذا الجمود الهش والخطير القائم حاليا؟
تضج العاصمة إسلام آباد بالشائعات التي تفيد بأن رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني ومستشار الأمن القومي، الفريق عاصم مالك، يجري بالفعل دبلوماسية مكوكية سرية بين واشنطن وطهران.
كما يُحتمل أن يزور المشير عاصم منير العاصمتين في المستقبل القريب، بمجرد أن تلوح في الأفق بوادر استعداد لدى الجانبين لتجاوز مواقفهما المعلنة.
ورغم أن الهجوم على الفجيرة يزيد من تعقيد الوضع المتوتر أصلا، فإنه يظل من الضرورات الحتمية لجميع الأطراف عدم الانجرار وراء الاستفزازات.
وتنفي إيران وقوفها وراء هجمات المسيرات تلك؛ غير أن الإمارات العربية المتحدة ودولا خليجية أخرى قد أدانت الهجوم، محذرة من أن مثل هذه الهجمات لن تمر دون رد.
وكما تم التأكيد عليه سابقا، فإن التحلي بالمرونة يُعد أمرا ضروريا لكي تؤتي الدبلوماسية ثمارها. ويحق لإيران أن تدعي، بكل ثقة، أنها لم تستسلم للعدوان الأمريكي والإسرائيلي. فقد قُتل آلاف الإيرانيين منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط.
كما تكبدت القيادات الدينية والسياسية والعسكرية الإيرانية خسائر فادحة. وعلاوة على ذلك، فإن الدمار الناجم عن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية هائل؛ وسوف تستغرق إيران سنوات عديدة لإعادة إعمار ما دُمر.
وعليه، سيكون من الحكمة أن تصغي إيران إلى نصيحة باكستان المخلصة، وأن تسعى لاستخلاص أقصى قدر من المكاسب من المأزق الراهن، لا سيما أنها تزعم امتلاكها اليد العليا في هذا الوضع.
إن إطالة أمد هذا الجمود محفوف بمخاطر لا يمكن التنبؤ بعواقبها؛ فالمزيد من الدمار الذي قد تلحقه الولايات المتحدة وإسرائيل بإيران لن يؤدي إلا إلى إشاعة المزيد من الفوضى، ويجعل التوصل إلى حلول سلمية للقضايا المطروحة يبدو وكأنه ضرب من الخيال.
ومن جانبها، يتعين على الولايات المتحدة أيضا أن تعيد النظر في مواقفها بشأن قضايا معينة، ولا سيما ما يتعلق منها بمضيق هرمز والأصول الإيرانية المجمدة.
ووفقا لبعض المحللين، فإن إدارة ترمب ترفض رفع كافة العقوبات المفروضة على إيران، ولا سيما تلك التي تستهدف الحرس الثوري الإيراني؛ نظرا لرغبة الولايات المتحدة في إلحاق ضرر اقتصادي بهذه المؤسسة.
ورغم أن تغيير النظام قد يظل هدفا طويل الأمد لواشنطن، فإنه من المرجح، في الوقت الراهن، أن يضطر الرئيس ترمب إلى القبول بما هو أدنى من ذلك الهدف.
ومن المقرر أن يقوم ترمب بزيارة رسمية إلى الصين يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري.
ومن شأن التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل وصوله إلى الصين أن يعزز موقفه الدبلوماسي ويقوي أوراقه التفاوضية. ونأمل أن يحط الرئيس ترمب رحاله في إسلام آباد، ويوقع اتفاقا إطاريا مع إيران، قبل أن يتوجه إلى بكين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة