تتفاقم أزمة السيولة النقدية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية شديدة الصعوبة يعيشها السكان منذ سنوات الحرب، ما يفاقم التداعيات السلبية على سوق العمل والاستقرار المالي في البلاد.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الأزمة دون حلول جذرية قد يؤدي إلى انعكاسات خطيرة تطال مختلف القطاعات، في وقت تتسارع فيه مؤشرات التدهور النقدي وتضيق فيه قدرة المؤسسات المالية على تلبية الاحتياجات الأساسية للاقتصاد.
وبحسب تقرير نشرته وكالة "شينخوا"، فإن أزمة شح السيولة التي بدأت تتصاعد خلال الأسابيع الأخيرة انعكست على مختلف الأنشطة الاقتصادية، وسط تباطؤ ملحوظ في حركة الأموال وارتفاع مستويات القلق لدى المواطنين والشركات.
وفي هذا السياق، قال علي طه، وهو موظف في القطاع الخاص بمحافظة مأرب، إن الأزمة أثرت بشكل مباشر على سبل العيش، موضحاً أن بعض الشركات اضطرت إلى تأخير صرف الرواتب أو تعليقها مؤقتاً نتيجة نقص النقد المتداول.
وحذر من أن استمرار الوضع قد يدفع مؤسسات عديدة إلى تقليص أعمالها أو تسريح موظفين، ما يهدد بارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
من جانبه، أرجع الخبير الاقتصادي وفيق صالح الأزمة إلى اضطراب الدورة النقدية وضعف فعالية السياسات المالية والنقدية، مشيراً إلى أن حالة عدم اليقين بشأن الأسعار دفعت العديد من الأفراد والشبكات المالية إلى اكتناز الأموال خارج النظام المصرفي، وهو ما أدى إلى تباطؤ حركة السيولة داخل الأسواق واتساع الفجوة بين المعروض النقدي واحتياجات الاقتصاد الفعلية.
وأضاف صالح أن اعتماد اليمن الكبير على المساعدات الخارجية والتحويلات المالية جعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام الصدمات، في ظل انتقال جزء متزايد من السيولة من البنوك الرسمية إلى الأسواق الموازية، ما أضعف بدوره أداء القطاع المصرفي.
وفي السياق ذاته، كشف مركز المخا للدراسات الاستراتيجية أن الأزمة تعود إلى مجموعة عوامل متشابكة، أبرزها وجود نقص حقيقي في السيولة مقابل ارتفاع كبير في الطلب الاسمي على النقد.
وأوضح أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ارتفع من نحو 9.9 تريليونات ريال إلى أكثر من 36 تريليون ريال خلال الفترة 2017–2025، في حين لم يشهد النقد المتداول خارج البنوك سوى نمو محدود من 1.53 إلى 3.27 تريليونات ريال.
وأشار المركز إلى أن هذا الاختلال ازداد حدة بين عامي 2022 و2025، حيث لم تتجاوز زيادة النقد المتداول 4% مقابل ارتفاع الناتج المحلي بنسبة 37%، ما عمّق فجوة السيولة داخل الاقتصاد.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، اتخذت الحكومة اليمنية عدة إجراءات، من بينها رفع أسعار الفائدة، وإلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخ الريال السعودي في الأسواق لتغطية الرواتب، إلى جانب الامتناع عن طباعة عملة جديدة.
وقال محمد الجماعي، مستشار الحكومة اليمنية، إن هذه الإجراءات تهدف إلى إعادة تنشيط الدورة النقدية وتحسين حركة الأموال داخل السوق، غير أنه أقر بأن النتائج لا تزال محدودة حتى الآن، مؤكداً الحاجة إلى تعزيز التنسيق مع البنك المركزي وتفعيل آليات الرقابة المصرفية.
كما شدد مركز المخا للدراسات الاستراتيجية على ضرورة اعتماد سياسات اقتصادية شاملة لإعادة الثقة إلى القطاع المصرفي، وتشديد الرقابة على الأسواق الموازية، وضمان انتظام صرف الرواتب والإيرادات، إلى جانب تسريع تطوير نظام وطني موحد للمدفوعات الرقمية للحد من الاعتماد على النقد الورقي.
في موازاة ذلك، حذرت الأمم المتحدة ، خلال الشهر الماضي، من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن خلال عام 2026، مؤكدة أن أكثر من 18 مليون شخص مهددون بالجوع الشديد في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع التمويل الإنساني.
وأوضح مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن 22.3 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات وحماية عاجلة، مع استمرار تراجع التمويل وصعوبة وصول المساعدات، ما يهدد بتقليص البرامج الإنسانية الأساسية.
وأشار البيان إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى انهيار الأنظمة الحيوية وتدهور أكبر في الأوضاع الصحية والغذائية، داعياً إلى تحرك عاجل، في ظل حاجة خطة الاستجابة الإنسانية إلى 2.16 مليار دولار لدعم نحو 12 مليون شخص.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، نتيجة سنوات من الحرب التي أدت إلى تدهور البنية التحتية، وانهيار الخدمات الأساسية، وارتفاع مستويات الفقر والبطالة، ما يجعل أي اضطراب مالي إضافي تهديداً مباشراً لملايين السكان.
المصدر:
يورو نيوز