آخر الأخبار

زلزال سياسي في البنغال الغربية.. كيف انتزع حزب مودي معقل خصومه؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لأول مرة منذ عقود، استطاع الحزب القومي الهندوسي بهاراتيا جاناتا، بزعامة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الإطاحة بحزب "ترينامول" الإقليمي الحاكم في ولاية البنغال الغربية بقيادة ماماتا بانيرجي أمس الاثنين.

هذا الانتصار الساحق لحزب بهاراتيا جاناتا ليس مجرد فوز انتخابي عابر، فهذه الولاية، التي لطالما كانت بمثابة الشوكة في حلق مودي والتحدي الأكبر لمشروعه في تحويل "الديمقراطية الأكبر في العالم" إلى دولة قومية هندوسية (هندوتفا)، باتت الآن في قبضته بعد محاولات طويلة للحصول عليها، مما يعكس تحولا دراماتيكيا في المشهد السياسي بولاية البنغال الغربية.

يتناول المقال فيما يلي أسباب هذا التحول الجذري في نتيجة الانتخابات بولاية البنغال الغربية، وكيف استغل حزب مودي تلك الأسباب لترسيخ قبضته عليها.

مصدر الصورة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي يحيي أنصاره عند وصوله إلى مقر حزب بهاراتيا جاناتا بعد فوزه في انتخابات الجمعية التشريعية لولاية آسام (رويترز)

لماذا يُعد هذا الانتصار تاريخيا لحزب بهاراتيا جاناتا؟

على مدار ما يقرب من نصف قرن، لم تشهد ولاية البنغال الغربية تغييرا في الحزب الحاكم سوى مرتين فقط، الأولى في عام 1977 تزامنا مع صعود الجبهة اليسارية الشيوعية حينها، والثانية في عام 2011 عندما أنهى حزب "ترينامول" الإقليمي بقيادة ماماتا بانيرجي (المعروفة باسم "ديدي"، أي الأخت الكبرى باللغة البنغالية) عقودا من الحكم الشيوعي في الولاية.

هذا الاستقرار الحزبي داخل ولاية البنغال الغربية يجعل الحصول على أغلبية أصوات ناخبيها أمرا بالغ الصعوبة، إذ إن تاريخها السياسي وتركيبة سكانها الاجتماعية يميلان تقليديا إلى التعددية والعلمانية، وهو ما يجعل من فوز حزب بهاراتيا جاناتا القومي حالة استثنائية، إذ نجح الحزب في الحصول على 200 مقعد في المجلس التشريعي من أصل 294، في قفزة هائلة مقارنة بنتائجه السابقة خلال انتخابات 2021، التي لم يحصل حينها على أكثر من 77 مقعدا.

إعلان

وبعد أن اضطر حزب بهاراتيا جاناتا للاعتماد على تحالفات في الانتخابات العامة لعام 2024، يأتي هذا الفوز ليعيد تثبيت صورته كقوة قادرة على تحقيق انتصارات منفردة وكاسحة.

وبالنسبة لحزب بهاراتيا جاناتا، يحمل هذا الفوز أيضا دلالة رمزية، إذ تُعد ولاية البنغال الغربية مسقط رأس سياما براساد موخيرجي، مؤسس حزب بهاراتيا جانا سانغ، الذي يُعد سلف حزب بهاراتيا جاناتا.

ليس ذلك وحسب، بل إن فوز حزب بهاراتيا جاناتا بولاية البنغال الغربية له دلالة سياسية قوية، حيث إن هزيمة بانيرجي وحزبها في الانتخابات تمثل انكسارا للنموذج السياسي البديل الذي حاولت ترسيخه على مر عقود. وبصفتها واحدة من أبرز منتقدي مودي، لم تكن "ديدي" مجرد رئيسة وزراء إقليمية، بل كان يُنظر إليها كبديل وطني محتمل قادر على قيادة التيار المعارض في عموم الهند.

لكن، مع تحطم حصنها في ولاية البنغال الغربية، تتقلص طموحات بانيرجي في أن تصبح بديلة وطنية محتملة لمودي في الساحة السياسية بالهند.

مصدر الصورة رئيسة وزراء ولاية البنغال الغربية ورئيسة حزب "ترينامول" الإقليمي ماماتا بانيرجي (الفرنسية)

كيف نجح حزب بهاراتيا جاناتا في الحصول على الأغلبية؟

منذ تولي مودي منصب رئيس وزراء الهند عام 2014، برزت بانيرجي كأحد أبرز المنافسين لحزب بهاراتيا جاناتا، حيث صاغت سياستها -ولا سيما دفاعها عن مسلمي البنغال- باعتبارها عملا مقاوما لهيمنة الأغلبية الهندوسية.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي)، شكلت المرأة على وجه الخصوص العمود الفقري لسياسة حزب "ترينامول" الإقليمي، إذ ركزت بانيرجي برامجها السياسية على قضايا المرأة في المجتمع البنغالي وحقوقها، وأطلقت سلسلة من برامج الرعاية الاجتماعية لتعزيز مشاركتهن وتحسين أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.

وأظهر استطلاع الرأي لمؤسسة "لوكنيتي" (Lokniti) ومركز الدراسات الاجتماعية والتنمية أن نسبة التأييد لحزب "ترينامول" الإقليمي بين النساء في انتخابات عام 2021 بلغت 50% -بزيادة 4% عن نسبة التأييد بين الرجال- مما يعكس تأثير سنوات من برامج الرعاية الاجتماعية التي تركز على النساء، وجهود بانيرجي لتوسيع نطاق التمثيل السياسي للمرأة.

ولم تركز "ديدي" على النساء فقط، بل حاولت أيضا جذب قاعدة المسلمين في ولاية البنغال الغربية إلى صفها، إذ يشكل المسلمون هناك حوالي 27% من السكان، وأصواتهم تشكل نحو ثلث مقاعد الولاية. وفي انتخابات عام 2021، حصد حزب "ترينامول" الإقليمي 84 مقعدا من أصل 88 مقعدا الخاصة بالمسلمين، مما عكس توحيدا واسعا خلف بانيرجي.

لكن بعد 15 عاما في السلطة، واجهت بانيرجي سخطا شعبيا بسبب تدخل كوادر حزبها في الحياة اليومية للناس، وفشلها في تلبية الطموحات الاقتصادية للشباب، مما خلق رغبة عارمة في التغيير، وفقا لما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية.

مصدر الصورة سياما براساد موخيرجي، مؤسس حزب بهاراتيا جانا سانغ، سلف حزب بهاراتيا جاناتا (غيتي)

استغلال السخط الشعبي

في المقابل، استغل حزب مودي هذا السخط الشعبي خلال حملته الانتخابية، وقام بتصوير بانيرجي على أنها زعيمة تضحي بمصالح الأغلبية الهندوسية لإرضاء الأقلية المسلمة في ولاية البنغال الغربية من أجل مكاسب انتخابية.

إعلان

وفي هذا الشأن، قال مايدول إسلام، أستاذ العلوم السياسية في مركز دراسات العلوم الاجتماعية بمدينة كولكاتا، إن حزب بهاراتيا جاناتا "جمع بين حملة انتخابية اجتماعية قوية واستقطاب سياسي أكثر حدة"، موضحا أن الحزب "وعد بمضاعفة الإعانات النقدية، في حين ساهم الاستقطاب الطائفي الواضح في حشد قطاعات من أصوات الهندوس البنغاليين خلفه".

لكن قادة حزب بهاراتيا جاناتا اعتبروا أن نتيجة الانتخابات لا تفسر على أنها تعبير عن التماسك الأيديولوجي، بل رفضا شعبيا لحزب "ترينامول" الإقليمي، حيث قال أحد قادة حزب بهاراتيا جاناتا دارمندرا برادان لإحدى شبكات الأخبار إن حزب "ترينامول" الإقليمي تسبب في "أزمة قيادة لنفسه". كما اتهم الحزب بـ"الغطرسة" وادعى أن "الناخبين، ولا سيما النساء الغاضبات من الانتهاكات وفشل إنفاذ القانون والنظام، قد رفضوا حزب "ترينامول" الإقليمي بشكل قاطع".

بدوره، قال راهول فيرما، مراقب انتخابي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة شيف نادار في تشيناي، إن "هناك دعما واضحا لماماتا، وهي لا تزال تحظى بشعبية، لكن هناك شعور بعدم الرضا عن آلية حزبها، ولم يكن الناس راضين عن تدخلهم في الحياة اليومية".

كما أضاف أن حزب بهاراتيا جاناتا أدار حملة انتخابية أفضل هذه المرة، مشيرا إلى أن النتائج ليست "مفاجأة"، موضحا أن الانتخابات كانت صعبة بالنسبة للحزب، لكن الفوز فيها لم يكن مستحيلا.

وركز حزب بهاراتيا جاناتا بشكل واضح خلال حملته الانتخابية على قضايا الحكم المحلي والاتهامات المتعلقة بالفساد داخل إدارة "ديدي"، بدلا من الاعتماد على الهجوم على قيادات الحزب الحاكم. ومن أبرز الملفات التي تم توظيفها قضايا فساد بارزة مثل "فضيحة تعيين المعلمين"، والتي أصبحت رمزا في الخطاب السياسي المعارض، وجرى تقديمها كدليل على ضعف الإدارة وتآكل الثقة في مؤسسات الحكم.

هذا النهج سمح للحزب بتوسيع نطاق خطابه خارج قاعدته التقليدية، واستقطاب شرائح من الناخبين الذين لم تكن دوافعهم أيديولوجية بقدر ما كانت مرتبطة بالأداء الحكومي والخدمات العامة.

مراجعة قوائم الناخبين

وهناك قضية أخرى لا يمكن تجاهلها، ألا وهي عملية مراجعة قوائم الناخبين في ولاية البنغال الغربية، والتي أثارت بدورها انقساما واسعا قبيل الانتخابات.

من جهتها، أوضحت لجنة الانتخابات أن هذه العملية، المعروفة باسم "المراجعة المكثفة الخاصة"، تهدف إلى تنقية السجلات الانتخابية من الأسماء المكررة أو غير المؤهلة، لضمان نزاهة التصويت ودقته.

لكن سرعان ما تحولت هذه العملية إلى محور خلاف واسع قبيل الانتخابات، خاصة بعد الإعلان عن تعليق وضع نحو 3 ملايين ناخب في انتظار أحكام قضائية بشأن أهليتهم للتصويت في يوم الاقتراع. هذا الوضع دفع بانيرجي -إلى جانب نشطاء ومنظمات من المجتمع المدني- إلى توجيه اتهامات حادة للعملية، معتبرين أنها تجاوزت حدود التحديث الإداري لتتحول إلى ما وصفوه بـ"حرمان جماعي من الحق في التصويت".

ووفقا لهذه الاتهامات، فإن أثر العملية لم يكن متساويا على جميع الفئات، بل طال بشكل خاص الناخبين الفقراء، والأقليات الدينية ولا سيما المسلمين، إضافة إلى المجتمعات المهاجرة في المناطق الحدودية، مما عزز الشعور بوجود تفاوت في تكافؤ الفرص الانتخابية.

ويرى محللون أن هذا الجدل لن ينتهي مع إعلان النتائج، بل من المرجح أن يظل محل نقاش سياسي وقانوني، خاصة في الدوائر الانتخابية التي حُسمت بفوارق ضئيلة مقارنة بعدد الناخبين الذين شُطبوا من القوائم.

وفي هذا السياق، أشار السياسي والناشط يوجيندرا ياداف إلى أن "مراجعة القوائم الانتخابية ستدخل حيز التنفيذ بمجرد ظهور النتائج"، في إشارة إلى أن آثار العملية قد تمتد إلى ما بعد الانتخابات، سواء عبر الطعون القانونية أو إعادة تقييم إجراءات لجنة الانتخابات.

إعلان

ومع ذلك، يتفق عدد من المحللين على أنه لا يمكن اعتبار عملية "المراجعة المكثفة الخاصة" العامل الوحيد أو الحاسم في تفسير الصعود الكبير لحزب بهاراتيا جاناتا، بل يأتي ضمن مجموعة أوسع من العوامل السياسية والاجتماعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا