آخر الأخبار

عدن واختبار الأمن.. لماذا عادت الاغتيالات ورسائل الدم؟

شارك

تعيد موجة الاغتيالات الأخيرة في عدن جنوبي اليمن إلى واجهة القلق الأمني، كاشفة هشاشة الاستقرار الذي بدا متحققا خلال الأشهر الماضية في العاصمة المؤقتة للبلاد.

فاستهداف شخصيات مدنية وتنموية وسياسية لا يحمل دلالات أمنية فحسب، بل يبعث برسائل دم تهدف إلى إرباك المشهد، وضرب ثقة الشارع والداعمين الدوليين بقدرة الدولة على فرض القانون، وفق رأي يمنيين.

وبين تعهدات حكومية متجددة وتنديد دولي واسع، تجد عدن نفسها أمام لحظة فاصلة: إما تثبيت الأمن وكسر دائرة الإفلات من العقاب، وإما الانزلاق مجددا إلى هذا النوع من العنف.

"استراحة قاتل"

لم تكن موجة الهدوء الأمني التي شهدتها العاصمة اليمنية المؤقتة عدن خلال الفترة الماضية سوى "استراحة قاتل" أقض مضجع المدينة لسنوات عبر مسار طويل من الاضطراب.

فمنذ استعادة عدن من سيطرة الحوثيين في يوليو/تموز 2015، تحولت المدينة إلى ساحة معقدة لتداخل النفوذ الأمني والسياسي، وبرز الاغتيال أداة صامتة لإدارة الصراع وإعادة تشكيل موازين القوة.

ومع أن وتيرة هذه العمليات تراجعت نسبيا خلال السنوات الأخيرة، فإن الحوادث الأخيرة تعيد طرح تساؤلات جدية بشأن هشاشة الوضع الأمني، وقدرة الدولة على فرض وجودها وتثبيت الأمن ومحاصرة العنف المنظّم.

وقد شكّل اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، يوم السبت، بعد ساعات من اختطافه على يد مجهولين، منعطفا مقلقا آخر في المشهد الأمني بعدن.

فالرجل لم يكن حتى شخصية سياسية، مما يعطي للحادثة دلالة تتجاوز التصفية الفردية إلى استهداف المؤسسات نفسها في المدينة.

كما أن طريقة الاغتيال -الخطف من أمام منزله ثم القتل بعد ساعات- تعكس مستوى من الجرأة والتنظيم، وتؤشر إلى قدرة الفاعلين على العمل في بيئة يُفترض أنها تخضع لإجراءات أمنية مشددة.

وتأتي الحادثة بعد أقل من أسبوعين على اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الرحمن الشاعر، مما يعزز الانطباع بأن المدينة تواجه نمطا متجددا من العمليات، وليس واقعة معزولة أو اختراقا عابرا.

إعلان

كما أن اغتيال الشاعر جاء بعد يومين من إحالة نيابة استئناف شمال عدن متهمَين في قضية اغتيال الشيخ مهدي سالم صالح "العقربي" إلى القضاء، وذلك بعد نحو 7 أشهر على الجريمة في العاصمة المؤقتة.

وأفادت وثائق بأن المتهمين أقدما على إطلاق وابل من الأعيرة النارية باستخدام أسلحة آلية باتجاه الشيخ العقربي في مديرية البريقة بقصد قتله، مما أدى إلى وفاته على الفور، وفق مواقع صحفية يمنية.

مصدر الصورة قوات تابعة لمجلس القيادة الرئاسي في اليمن خلال تأمينها مدينة عدن في يناير/كانون الأول الماضي (الأناضول)

التوقيت والسياق

وتأتي عودة هذه الاغتيالات في مرحلة تشهد محاولات حكومية لإعادة ترتيب المشهد العسكري والأمني في عدن والمحافظات المجاورة، عبر نشر وحدات تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع، وتقليص النفوذ الأمني المنفرد لبعض التشكيلات المحلية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تصعيد الاغتيالات قد يكون رسالة مضادة تهدف إلى إرباك هذا المسار، أو اختبار جدية الدولة في فرض سيادتها.

كما أن طبيعة المستهدَفين -شخصيات مدنية وسياسية- توحي بأن الهدف لا يقتصر على إزاحة أفراد بعينهم، بل خلق مناخ خوف عام، يدفع الكفاءات إلى الانكفاء، ويقوض ثقة المواطنين والمانحين الدوليين بقدرة الحكومة على توفير بيئة آمنة.

إدانة وتعهدات

وقد قوبلت حادثة اغتيال وسام قائد بإدانات رسمية واسعة، إذ أكد رئيس الوزراء شائع الزنداني أن الجريمة لن تمر دون عقاب، واصفا إياها بأنها اعتداء مباشر على مؤسسات الدولة والجهود التنموية.

كما أصدر وزير الداخلية اللواء إبراهيم حيدان توجيهات عاجلة برفع الجاهزية الأمنية، وتعقب الجناة، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية في عدن والمحافظات المجاورة.

ورغم أهمية هذه التصريحات فإن الرأي العام في عدن بات يتعامل بحذر مع لغة التعهدات، بسبب تراكم تجارب سابقة لم تُفضِ بالضرورة إلى محاسبة شفافة أو رادعة، وهو ما يجعل الاختبار الحقيقي للحكومة متمثلا في نتائج التحقيقات وقدرتها على تفكيك الشبكات التي تقف خلف هذه الجرائم.

تنديد دولي

ولاقى اغتيال وسام قائد ردودا دولية سريعة، عكست حساسية الحادثة بالنظر إلى طبيعة عمله وصلاته بالمانحين. فقد دعت السفارة الأمريكية إلى تحقيق شامل، مؤكدة ضرورة أن تكون عدن آمنة للمسؤولين والمواطنين.

كما شددت السفيرة البريطانية وسفير الاتحاد الأوروبي على أهمية محاسبة الجناة، مشيدَين بالدور الذي أداه قائد في إيصال المساعدات ودعم التنمية.

وسبقت ذلك أيضا إدانة البعثات الغربية في اليمن اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الرحمن الشاعر، مدير "مدرسة النورس الأهلية" في عدن، ودعت إلى التحقيق في الحادثة وضبط الجناة.

ونبّهت جل تلك الإدانات إلى أن أي شكل من أشكال العنف هو أمر غير مقبول، ويقوض الجهود المبذولة لإحلال السلام والاستقرار في اليمن. وشددت على أنها تقف إلى جانب الحكومة المعترف بها دوليا والشعب اليمني.

مصدر الصورة عدن شهدت تطورات متسارعة في الأشهر الماضية مع تراجع الحضور العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل (الأناضول)

ملاحقة أمنية

وتترافق هذه التطورات مع إعلان السلطات أخيرا ضبط خلية كانت تخطط لسلسلة اغتيالات، بعد يوم واحد من اغتيال القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الرحمن الشاعر.

إعلان

ولعل هذا الإعلان يحمل دلالات مزدوجة، فمن جهة يعكس سعيا أمنيا وقدرة على الاختراق والمتابعة، ومن جهة أخرى يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى اتساع هذه الشبكات، وهل ما كُشف عنه يمثل رأس جبل الجليد فقط.

وتشير التحقيقات الأولية إلى أن أهداف الخلية كانت شخصيات اجتماعية ودينية، مما يعزز فرضية السعي لإثارة الفوضى المجتمعية، لا مجرد تصفية خصوم سياسيين محددين.

أرقام عمق الأزمة

بحسب بيانات حقوقية محلية، تجاوز عدد الاغتيالات الموثقة في المحافظات المحررة 480 حالة منذ عام 2015، بينها مئات العمليات التي استهدفت قياديين مدنيين وعسكريين وأكاديميين.

وتُظهر هذه الأرقام أن ما تشهده عدن اليوم هو امتداد لمسار طويل وليس ظاهرة طارئة، ويكشف عن تعقيدات بنيوية في منظومة الأمن، حيث تتداخل السياسة بالسلاح، وتضعف المساءلة.

وقد تعالت الأصوات في عدن على خلفية التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها محافظات الجنوب اليمني، مطالبة بمعالجة ملف الاغتيالات السياسية والأمنية وإنصاف الضحايا إلى جانب ملف المخفيين والمختطفين.

وجاء ذلك مع تراجع الحضور العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، ودخول قوات تابعة للحكومة اليمنية إلى عدن، بالتوازي مع مساعي إعادة هيكلة المنظومة الأمنية واستعادة مؤسسات الدولة، لتتصاعد أصوات أسر الضحايا لكشف خيوط تلك الجرائم، ووضع حد لسنوات من الإفلات من العقاب.

مصدر الصورة السلطات أعلنت أخيرا ضبط خلية قالت إنها كانت تخطط لسلسلة اغتيالات (الأناضول)

أسئلة باقية

وخلاصة لما سبق، فإن عودة الاغتيالات إلى عدن تعكس مأزقا عميقا، يتجاوز البعد الأمني المباشر إلى جوهر معركة الدولة على سيادتها وهيبتها.

فالمشهد لا يُختزل في جرائم منفصلة، بل يكشف صراعا مفتوحا بين مشروع يسعى لاستعادة زمام المبادرة وبناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، وقوى اعتادت العمل في الظل، وتراكمت خبرتها في استغلال الهشاشة وغياب المحاسبة.

وبين قراءة ترى في هذه الاغتيالات اختبارا قاسيا لصلابة الأجهزة الأمنية وقدرتها على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، وأخرى تعُدها أداة لإرباك المشهد وإعادة توزيع النفوذ بالقوة الصامتة، تبقى عدن عالقة بين استقرار مؤجَّل وعنف قابل للانفجار في أي لحظة.

ويبقى السؤال الأوسع حاضرا بإلحاح: هل تستطيع العاصمة المؤقتة تجاوز هذا السيناريو الدامي وتثبيت مسار الاستقرار، أم أن شبح الاغتيالات سيواصل فرض نفسه تاركا مستقبل عدن مفتوحا على مزيد من الأسئلة والقلق؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا