مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس-الجمعة بتوقيت لبنان، اندفع آلاف النازحين منذ ساعات الصباح الأولى نحو قراهم جنوب نهر الليطاني.
غصّت الطرقات الرئيسية المؤدية إلى الجنوب بحركة سير خانقة، رغم أن العديد منها لم يكن سالكاً بالكامل. مشهدٌ أعاد إلى الأذهان صور الحروب السابقة، حين كان الجنوبيون ينتظرون لحظة العودة بفارغ الصبر، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام ذات المشهد، لكن بحجم دمار أكبر ومخاطر شديدة.
رصدت كاميرا "يورونيوز" لحظات العودة الأولى للنازحين. بين السيارات المتراصّة على الطرقات، وبين الوجوه التي أنهكها النزوح، بدا واضحاً أن هذه العودة مثقلة بهدنة هشة ونهايات لم تُحسم بعد. التقت "يورونيوز" بنازحين أظهروا تصميما على العودة رغم الواقع الصعب والمخاطر، وحتى التحذيرات، فقط ليصلوا إلى ما تبقى من بيوتهم.
من هؤلاء من اتهم السلطة بالتقصير. تقول زهراء قانصو، النازحة من بلدة الشهابية في جنوب لبنان: "نحن لم نعوّل على الدولة أبداً، ولذلك لا نشعر أن لدينا حكومة أو دولة" وفق تعبيره.
أما موسى علوية، النازح من مارون الراس الحدودية، فقد توجه بنداء مباشر إلى رئيس الجمهورية ، متسائلا: "لماذا لم يشملنا الاتفاق؟ نحن أبناء الشريط الحدودي، لماذا سنبقى كبش محرقة؟" وفق قوله.
ومثل علوية رصدت يورونيوز مواقف كثيرين من أبناء القرى الحدودية، الذين يرون أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يضمن لهم العودة إلى بيوتهم.
لم تكن العودة بتلك السهولة رغم اندفاع الأهالي نحو قراهم مع أولى ساعات الهدنة، إذ اصطدمت بحواجز ميدانية وطرق مقطوعة ومهدّمة ومخاطر أمنية رحلة العودة إلى مهمة شاقة وقاسية.
جسر القاسمية، أحد الشرايين الحيوية الرابطة بين شمال وجنوب نهر الليطاني، كان قد تعرّض لهجوم إسرائيلي عطّله جزئياً. وأعلن الجيش اللبناني أن وحدة متخصصة باشرت أعمال إعادة تأهيل الجسر بالتعاون مع البلديات وجمعيات أهلية، بهدف فتحه بالكامل.
وتمركزت وحدة عسكرية في محيطه لمواكبة الأعمال، فيما أظهرت مشاهد مصوّرة آليات وجرّافات تعمل على ردم الحفر التي خلّفها القصف.
وقبل تدخل الجيش، سبقت ذلك مبادرات ميدانية فردية، حيث عمل مواطنون على فتح الطريق بأيديهم المجرّدة لتسهيل عملية المرور.
وأظهرت فيديوهات ازدحاماً كبيراً للسيارات عند الجسر، فيما اضطر بعض الأهالي إلى عبوره سيراً على الأقدام، متجاوزين الركام، في مشهد يختصر حجم الإصرار على العودة مهما كانت الكلفة.
رغم هذا الإصرار، جاءت العودة محاطة بتحذيرات ومخاطر حقيقية. فقد وجّه الجيش اللبناني دعوة إلى المواطنين للتريّث، في ظل تسجيل خروقات للاتفاق، مشيراً إلى تنفيذ القوات الإسرائيلية اعتداءات وقصف متقطّع طال عدداً من القرى، داعياً إلى تجنّب المناطق الخطرة.
بدوره، دعا حزب الله، مساء الخميس، النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت إلى التريّث، محذّراً من خروقات محتملة للاتفاق، ومشدداً على ضرورة عدم التوجه إلى المناطق المستهدفة إلى حين اتضاح مسار الأوضاع.
وفي المقابل، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيراً عاجلاً لسكان جنوب لبنان ، طالبهم فيه بعدم التوجه إلى جنوب نهر الليطاني، معلناً استمرار تمركزه في مواقعه، ومبرّراً ذلك بمواجهة "النشاطات الإرهابية" لحزب الله وفق تعبيره.
ولا تتوقف المخاطر عند الخروقات، إذ يواجه العائدون تهديدات من نوع آخر، أبرزُها مخلّفات الحرب، من قنابل عنقودية وأجسام غير منفجرة منتشرة في الأراضي، إلى جانب احتمال تلوث التربة والمياه بمواد ضارّة.
ستكشف العودة إلى القرى الجنوبية، تدريجياً، الحجم الفعلي للدمار الذي خلّفته الحرب، في وقت تنذر فيه المؤشّرات الأولية بكارثة واسعة. فبحسب تقرير للمجلس الوطني للبحوث العلمية، تضرّرت نحو 40 ألف وحدة سكنية تدميراً كلياً أو جزئياً خلال 35 يوماً فقط، بين 2 آذار و7 نيسان 2026، فيما بلغ عدد الأبنية المتضررة بشكل كبير أو المدمّرة بالكامل 37,836 وحدة.
كما أن الهدنة لم تشمل جميع قرى جنوب لبنان، ما يترك مناطق بأكملها خارج إطار الاستقرار الهش. ويأتي ذلك في وقت يُفترض أن يستمر وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام فقط، ريثما تتضح المسارات السياسية والميدانية، في ظل استمرار إسرائيل بالاحتفاظ بمنطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
هكذا، تبدو العودة أقرب إلى مغامرة نحو المجهول. بين رغبة الأهالي في العودة إلى أراضيهم، وواقع أمني هشّ، ودمار واسع، يجد الجنوبيون أنفسهم مرة جديدة أمام معادلة قاسية: العودة، مهما كانت الظروف أو خطر بقاء جزء من التراب اللبناني خارج سيطرة الدولة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة