آخر الأخبار

من يروي القصة في واشنطن؟.. ترمب بمواجهة مفتوحة مع وسائل الإعلام

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن منع مراسلي أسوشيتد برس من مرافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على متن الطائرة الرئاسية، ولا استبعادهم من تغطيات المكتب البيضاوي، مجرد خلاف مهني حول تسمية " خليج المكسيك".

في الظاهر، بدا القرار عقوبة على خيار تحريري رفض تبني تسمية "خليج أمريكا" التي أعلنتها الإدارة الأمريكية. لكن في العمق، شكّل الحدث لحظة كاشفة لمسار أوسع وهو انتقال العلاقة بين السلطة والصحافة من التوتر الخطابي إلى إعادة رسم قواعد الوصول، ومن يحق له نقل الرواية الرسمية.

هذا التحول لا يقوم على حادثة واحدة، بل على سلسلة من الإجراءات المتداخلة، تجمع بين تقييد الوصول، والضغط القانوني والاقتصادي، وتغيير البيئة التنظيمية، وصولا إلى فتح المجال لبدائل إعلامية أكثر قربا من السلطة. إنها، كما يصفها بعض المحللين، محاولة لإعادة تعريف "الصحافة المقبولة" داخل المجال العام.

مصدر الصورة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة الصحفيين خلال مؤتمر صحفي (رويترز)

من التغطية إلى "الامتثال".. إعادة تعريف الصحفي المقبول

قضية وكالة أسوشيتد برس لم تكن استثناء، فالوكالة التي تُعد أحد أعمدة التغطية الإخبارية في الولايات المتحدة، وجدت نفسها مستبعدة من تغطيات أساسية بسبب تمسكها بمعاييرها التحريرية، ورفضها اعتماد تسمية سياسية لا تحظى باعتراف دولي. هذا النوع من القرارات يعيد طرح سؤال جوهري؛ هل الوصول إلى مراكز القرار حق مهني أم امتياز مشروط؟

في السياق التقليدي، يقوم نظام "المجموعة الصحفية" على مرافقة عدد محدود من الصحفيين للرئيس ونقل المعلومات لبقية المؤسسات. غير أن استبعاد مؤسسة بحجم أسوشيتد برس من هذا النظام لا يؤثر فقط على تغطيتها، بل يضرب بنية التغطية الجماعية نفسها.

وبذلك، يتحول الخلاف من محتوى الخبر إلى شروط إنتاجه، ليس ماذا يُنشر فقط، بل من يُسمح له بالنشر من الأساس.

مصدر الصورة صحفيون في انتظار ترمب في قاعة جيمس إس. برادي للإيجازات الصحفية في البيت الأبيض (الفرنسية)

من صحفي إلى "خصم".. تفكيك الشرعية المهنية

في موازاة تقييد الوصول، برز مسار آخر يقوم على إعادة توصيف الصحفيين أنفسهم. لم تعد المواجهات بين ترمب ووسائل الإعلام تقتصر على وصف التغطية بـ"المضللة" أو "المنحازة"، بل اتخذت طابعا شخصيا مباشرا.

إعلان

حين صاح ترمب بوجه إحدى الصحفيات "اصمتي يا خنزيرة" ردا على سؤال حول ملفات حساسة، لم يُقرأ التصريح فقط كإهانة، بل كجزء من نمط أوسع يقوم على نزع الصفة المهنية عن الصحفي وتحويله إلى هدف مشروع للهجوم.

وفي واقعة أخرى داخل المكتب البيضاوي، هاجم ترمب مراسلة من شبكة "إيه بي سي" (ABC) ووصف أسئلتها بأنها "مروعة" و"غير لائقة"، ملوحا بإمكانية سحب الترخيص من الشبكة.

هذا الخطاب لا يقف عند حدود اللغة، بل يؤدي وظيفة سياسية وهي إعادة تعريف الصحفي من ناقل للمعلومة إلى طرف في الصراع، بما يبرر لاحقا تقييد وصوله أو استبعاده.

ويشير منتقدون إلى أن هذا النمط يندرج ضمن إستراتيجية أوسع لنزع الشرعية عن المؤسسات الإعلامية، عبر توصيفها المتكرر بـ"أعداء الشعب" أو "أخبار زائفة"، وهو توصيف يتجاوز النقد المهني إلى تقويض الثقة العامة في الإعلام.

رفع كلفة الاستقلال.. الضغط القانوني والاقتصادي

إذا كان تقييد الوصول يحد من قدرة الصحفيين على العمل، فإن الضغط القانوني والاقتصادي يرفع كلفة الاستقلال نفسه. فخلال الفترة الأخيرة، واجهت مؤسسات إعلامية كبرى تهديدات قضائية أو دخلت في تسويات مالية بملايين الدولارات، في قضايا وصفها خبراء قانونيون بأنها ضعيفة من حيث الأساس. لكن اختيار بعض المؤسسات التسوية بدلا من المواجهة القضائية عكس مخاوف من تداعيات سياسية أو تنظيمية أوسع.

في موازاة ذلك، برز دور الهيئات التنظيمية. فقد فتحت لجنة الاتصالات الفدرالية تحقيقا بشأن برنامج "ذا فيو"، بعد إعادة تفسير قواعد "الوقت المتساوي" في التغطية السياسية، بينما وجهت نفس اللجنة تحذيرات لمنصة (Apple News) بشأن ما اعتبرته "تحيزا أيديولوجيا".

هذه الإجراءات، حتى في حال عدم ثبوتها، تخلق مناخا ضاغطا يدفع المؤسسات إلى مراجعة حساباتها التحريرية، ليس فقط وفق معايير المهنة، بل أيضا وفق كلفة المواجهة مع السلطة.

مصدر الصورة ترمب يستمع إلى سؤال من أحد الصحفيين خلال مؤتمر صحفي حول الصراع في إيران (الفرنسية)

البنتاغون كنموذج.. حين تصبح التغطية مشروطة

يظهر هذا التحول بوضوح في وزارة الدفاع الأمريكية. فقد أغلقت الإدارة مساحات العمل المخصصة للصحفيين داخل وزارة الحرب الأمريكية " البنتاغون"، وفرضت قيودا على حركتهم، بما في ذلك اشتراط مرافقة رسمية للوصول إلى بعض المناطق.

وفي خطوة أخرى، طُلب من صحيفة (Stars and Stripes)، التابعة للوزارة، التوقف عن شراء محتوى من وكالات الأنباء وإعادة نشر مواد من مكتب الشؤون العامة، مما أثار انتقادات بشأن استقلالها التحريري.

الأهم من ذلك، أن القيود السابقة دفعت عددا من الصحفيين إلى التخلي عن اعتمادهم، في حين شغلت أماكنهم جهات إعلامية ومنتجو محتوى أكثر تقبلا للشروط الجديدة.

هنا لا يتم منع الصحافة بشكل مباشر، بل يُعاد تشكيل البيئة بحيث يصبح العمل الصحفي المستقل أكثر صعوبة، في مقابل تسهيل عمل من يقبل بالشروط.

إعلام موازٍ.. من يملأ الفراغ؟

حين تتراجع المؤسسات التقليدية أو تُقيَّد، لا يختفي المحتوى، بل يُعاد إنتاجه عبر قنوات أخرى. ففي السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة صناع المحتوى والمنصات الحزبية التي تحصل على وصول أكبر إلى المسؤولين، وتقدم تغطية أقرب إلى الرواية الرسمية.

إعلان

هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية الصحافة التقليدية، لكنه يخلق بيئة إعلامية مزدوجة ترتكز على إعلام مهني يواجه قيودا متزايدة، وإعلام موازٍ يتمتع بوصول أوسع مقابل خطاب أقل نقدا.

وبذلك، يتحول الصراع من مواجهة بين السلطة والإعلام إلى تنافس بين نموذجين إعلاميين.. أحدهما يقوم على المساءلة، والآخر على القرب من السلطة.

مصدر الصورة صحفيون يرفعون أيديهم لطرح الأسئلة خلال مؤتمر صحفي عقدته المتحدثة باسم البيت الأبيض (رويترز)

جبهة المقاومة.. هل لا يزال التعديل الأول فاعلا؟

رغم هذه الضغوط، لا يبدو المشهد أحاديا؛ فقد تمسكت وكالة أسوشيتد برس بخياراتها التحريرية، ولو على حساب الوصول، في حين دافعت "جمعية مراسلي البيت الأبيض" عن حق الصحفيين في التغطية، معتبرة استبعاد أسوشيتد برس انتهاكا لحرية التعبير.

كما لجأت مؤسسات إعلامية إلى القضاء للطعن في القيود المفروضة عليها، ونجحت في بعض الحالات في استعادة حقوقها أو الحد من الإجراءات الحكومية.

في البنتاغون، رفض عدد من الصحفيين شروطا اعتبروها تقوّض العمل الصحفي، حتى لو كلفهم ذلك فقدان الاعتماد الرسمي.

هذه المواقف تعكس أن الصراع لا يدور فقط حول حرية الصحافة، بل حول تعريفها نفسه؛ هل تبقى الصحافة سلطة رقابية مستقلة، أم تتحول إلى شريك ضمني في إدارة الرواية الرسمية؟

بين النموذج الأمريكي وتجارب أخرى.. إلى أين يتجه الإعلام؟

هذا المسار دفع بعض المنظمات الدولية، مثل " مراسلون بلا حدود"، إلى التحذير من تراجع مؤشرات حرية الصحافة في الولايات المتحدة، مشيرة إلى تصاعد الضغوط السياسية والقانونية على المؤسسات الإعلامية.

كما حذرت أصوات صحفية، بينها الكاتبة "ماشا غيسن"، من أن التغيرات الحالية لا تعني انهيار الإعلام المستقل، لكنها تشير إلى تحول عميق في بيئته، قد يقربه من نماذج شهدت تراجعا تدريجيا في التعددية الإعلامية.

ومع ذلك، يبقى الفارق أن المؤسسات الإعلامية الأمريكية لا تزال تحتفظ بهامش من الاستقلال، مدعومة بقضاء نشط ومجتمع صحفي قادر على التنظيم والمقاومة.

مصدر الصورة صحفي يتخطى الكراسي للعثور على مقعد بينما ينتظر الصحفيون وصول الرئيس ترمب (رويترز)

صراع على تعريف الصحافة

في المحصلة، لا تبدو العلاقة بين إدارة ترمب ووسائل الإعلام مجرد صدامات متكررة، بل جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل المجال الإعلامي.

فمن تقييد الوصول، إلى رفع كلفة الاستقلال، إلى إعادة توزيع الفرص بين المؤسسات، تتشكل بيئة جديدة تعيد طرح سؤال قديم بصيغة مختلفة.. من يملك الحق في نقل الحقيقة؟

الإجابة لم تعد محسومة كما كانت، بل باتت موضع صراع مفتوح بين سلطة تسعى إلى إعادة تعريف الصحافة، ومؤسسات تحاول التمسك بدورها التقليدي كوسيط مستقل بين السلطة والجمهور.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا