بينما كانت مراكز الاقتراع تفتح أبوابها اليوم في المجر، لم تتجه الأنظار نحو صناديق الاقتراع فحسب، بل نحو مستقبل التوازنات الكبرى في القارة العجوز.
انتخابات المجر 2026 ليست مجرد جولة انتخابية دورية، بل هي معركة حبس أنفاس بين نهج فيكتور أوربان الذي يتحدى بروكسل منذ سنوات، وبين معارضة صاعدة تسعى لإعادة المجر إلى قلب البيت الأوروبي.
في هذا التقرير، نغوص في أسباب القلق الأوروبي من هذه الانتخابات، وسر الدعم الاستثنائي الذي يتلقاه أوربان من قطبَي القوة في واشنطن وموسكو.
استيقظت المجر اليوم على مشهد سياسي لم تعرفه من قبل، فبعد ثلاثة عقود من الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو أن قبضة رئيس الوزراء المجري على السلطة بدأت تتراخى.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أوربان، الذي يحظى بتأييد فريد من نوعه من كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والكرملين، قد يفقد قبضته الحديدية على السلطة المستمرة منذ 16 عاما، اليوم الأحد، في انتخابات يعتقد الكثير من المجريين أنها ستقرر مصير بلادهم في أوروبا.
وتشير الاستطلاعات إلى تقدم تاريخي لحزب "تيسا" الناشئ بقيادة بيتر ماغيار بفارق يصل إلى 9 نقاط، وسط توقعات بإقبال قياسي على صناديق الاقتراع.
لم تعد المعركة مجرد تنافس على مقاعد البرلمان الـ199، بل هي استفتاء شعبي على نموذج "الديمقراطية غير الليبرالية" الذي صاغه أوربان طوال سنوات حكمه المستمرة منذ عام 2010.
ما يقدّمه حزب تيسا ليس عقيدة جديدة، بل هو إحياء لعقيدة قديمة: إصلاح الثقة وإعادة إرساء البلاد في تحالفاتها، مع استمرار تعزيز سيادتها، إضافة إلى العودة إلى ثلاثية أولويات السياسة الخارجية المتمثلة في: التوافق مع الاتحاد الأوروبي والناتو، وعلاقات حسن الجوار، والمسؤولية عن المجريين في الخارج.
في ظل هذه المؤشرات التي تُظهر تقدم حزب "تيسا"، هنالك أيضا قيود هيكلية للاستطلاعات؛ فالمجريون في الشتات، الذين يصوتون تاريخيا وبأغلبية ساحقة لصالح حزب "فيدس" الحاكم، لا يتم رصدهم في الاستطلاعات المحلية ولكن يتم احتسابهم في عتبة التصويت الوطنية.
وهذا يجعل الطريق نحو بودابست غير مفروش بالورود؛ فالمحللون يحذرون من خريطة انتخابية أُعيد رسمها لتناسب الحزب الحاكم، ومن كتلة تصويتية لأبناء المجر في الخارج، مما يجعل نتيجة الصناديق مفتوحة على كل الاحتمالات، من الأغلبية الساحقة لـ"تيسا" إلى الجمود التشريعي المستمر.
تتجاوز الأخطار في هذه الانتخابات حدود الدولة التي يسكنها 9.6 ملايين نسمة لتشمل القارة بأكملها، حيث تُوصف بأنها "الأهم من أجل أوروبا منذ سنوات عديدة".
وتمتد أهميتها لترسم ملامح علاقة بودابست بالقوى العظمى، حيث لفتت المجر انتباه الولايات المتحدة، وتحديدا تيار اليمين، بصفتها "مختبرا للسياسات السيادية"، وقد تعزز هذا الدور بزيارة جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الذي دعم أوربان وانتقد ما وصفه بتدخل الاتحاد الأوروبي في الانتخابات.
في الكرملين، ينظر إلى المجر تحت حكم أوربان على أنها "محاور ثمين ومثير للمشاكل" داخل الاتحاد الأوروبي. فهي الدولة التي حافظت على روابط الطاقة المتينة مع روسيا، وتبنت النبرة الأكثر صرامة اتجاه أوكرانيا، مما جعل المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف يشير بوضوح إلى أن قوى في بروكسل لا ترغب في فوز أوربان.
وإلى ما هو أبعد من ذلك، أدى الصراع الروسي الأوكراني دورا رئيسيا في هذه الحملة الانتخابية.
وكان محط التركيز ينصب على موقف المرشحين اتجاه كييف، وفي تبادل مستمر للاتهامات، أشار ماغيار تكرارا إلى عدة علامات على وجود علاقة وثيقة بشكل خاص بين الحكومة المجرية والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
و في 23 مارس/آذار، عندما كشفت صحيفة واشنطن بوست عن الاتصالات المتكررة بين وزيري الخارجية المجري والروسي على هامش اجتماعات مجلس الاتحاد الأوروبي، اتهم مرشح المعارضة الشاب على الفور الوزير سيارتو والحكومة بأكملها بـ"الخيانة".
وعلى العكس من ذلك، رد أوربان على اتهامات ماغيار بالمثل، مدعيا أنه -إذا تم انتخابه- سيقود المجر إلى حرب ضد روسيا، مما يجبر البلاد على إنفاق موارد اقتصادية هائلة لدعم الجيش في كييف.
كما يلوح في الأفق احتمال التدخل الأجنبي في الانتخابات، إذ تشير المعلومات إلى أن احتمال التدخل الأجنبي يلوح في الأفق بقوة؛ حيث ترغب روسيا في إبقاء أوربان، "حليف الكرملين الأقرب في أوروبا"، في السلطة، وتكشف التقارير عن وجود عملاء من وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) حاليا في بودابست لتنفيذ عملية تستهدف ترجيح كفة أوربان.
بل وصل الأمر إلى اقتراح "تدبير محاولة اغتيال زائفة" ضد أوربان لرفع شعبيته في اللحظات الأخيرة من السباق، وفق المجلس الأطلسي.
وكذلك يلقى أوربان دعما علنيا غير مسبوق من تيار " ماغا" في الولايات المتحدة؛ إذ أعلن الرئيس دونالد ترمب تأييده له، وتبعه وزير خارجيته ماركو روبيو بزيارة ميدانية لبودابست في فبراير/شباط لدعم الحملة، ثم أعقبت ذلك زيارة من جيه دي فانس نائب ترمب.
ومع وجود هذا "الدعم الروسي السري" و"الدعم الأمريكي العلني" لحزب فيدس الحاكم، يرى المحللون أن استطلاعات الرأي التي تظهر تقدم حزب "تيسا" قد لا تقدم إلا رؤية جزئية؛ إذ إن القوى التي تشكل هذه الحملة خلف الكواليس قد تملك القدرة على تغيير موازين القوى في اللحظات الحاسمة.
من جهة أخرى، يخطط حزب "تيسا" لإنهاء هذا الدور عبر "إعطاء موسكو الكتف البارد" ومراجعة النفوذ الروسي في البلاد. ويهدف الحزب إلى تحويل المجر من "مختبر للسيادة ضد بروكسل" إلى لاعب عالمي يلتزم بالقانون الدولي، مع استهداف التخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية بحلول عام 2035، في توجه لا يهدف لتأمين الاحتياجات الوطنية فقط، بل لإنهاء حالة الارتهان التي وسمت سياسة أوربان الطاقية سنوات عديدة، وفقا لمحللين.
أما فيما يخص الجارة الشرقية، فمن المرجح أن ينهي "تيسا" سياسة "الفيتو" التي اتبعتها حكومة أوربان لتعطيل دعم أوكرانيا، في خطوة لإثبات حسن النية اتجاه الحلفاء الغربيين، وإن كان الحزب يحافظ على حذره السياسي باستبعاد إرسال أي أسلحة أو قوات عسكرية إلى ساحة الصراع.
على الصعيد الإقليمي، يرى الحزب أن استعادة دور المجر القيادي يبدأ من إصلاح العلاقة مع بولندا، إذ يعتبر ذلك شرطا مسبقا لا غنى عنه لإحياء "مجموعة فيشغراد" وجعلها منتدى ذا معنى للتعاون الفعال في وسط أوروبا، بعد أن عصفت بها الخلافات العميقة حول كيفية التعامل مع ملفات الأمن الإقليمي.
بينما تُغلق صناديق الاقتراع في بودابست، تبدأ في بروكسل مرحلة "حبس الأنفاس"؛ فالنتائج ستحدد ما إذا كانت المجر ستستمر في كونها عنصر تعطيل أم ستصبح شريكا فاعلا.
وتمثل هذه الانتخابات نقطة تحول مفصلية للاتحاد الأوروبي؛ فمنذ عودة أوربان إلى السلطة عام 2010، خلّف تراجع سيادة القانون محليا آثارا ارتدادية زعزعت استقرار الاتحاد بأكمله.
تُعتبر المجر اليوم، وفقا لمركز السياسة الأوروبية في حالة انتهاك صريح للمبادئ الأساسية للاتحاد، مما يشكل تحديا للتماسك السياسي والأمن الجماعي.
ورغم أن هزيمة أوربان قد تفتح الباب لاستعادة المعايير الديمقراطية، فإن صعود بيتر ماغيار سيضع بروكسل أمام "معضلة إستراتيجية"، فالتكتل الذي يمتلك أدوات عقابية لردع التراجع الديمقراطي، يفتقر حتى الآن إلى إطار مؤسسي للتحقق من "التعافي الديمقراطي" ودعمه.
وسيكون التحدي في كيفية تقديم الدعم المالي لبودابست لتثبيت مسار الانتقال، دون التضحية بمصداقية معايير سيادة القانون، مما يفرض ابتكار آليات توازن بين المرونة السياسية والصرامة القانونية.
وبحسب التقرير السنوي الخامس للاتحاد الأوروبي بشأن سيادة القانون، تواجه المجر قصورا حادا في احترام المعايير الأوروبية، إذ لم تحرز بودابست أي تقدم في 7 من أصل 8 توصيات رئيسية.
ويشير التقرير بوضوح إلى أن "النفوذ السياسي لا يزال يلقي بظلاله على النيابة العامة"، مع استمرار حملات التشهير المنظمة ضد القضاة والصحفيين المستقلين.
هذا الانسداد القانوني هو ما دفع الاتحاد لتفعيل سلاح ‘العقوبات المالية’، حيث لا تزال التزامات مالية بمليارات اليورو معلقة، بالإضافة إلى غرامة بـ200 مليون يورو فرضتها محكمة العدل الأوروبية مؤخرا بسبب انتهاكات قوانين اللجوء.
رفع حزب "تيسا" شعارا صريحا للمرحلة المقبلة: "على المجر أن تتوقف عن كونها عصا في العجلة وتبدأ في أن تكون جزءا منها".
ويدرك الحزب أن استعادة الثقة تتطلب أفعالا؛ لذا يرى أن العودة للحضن الأوروبي تمر عبر استعادة سيادة القانون. هذه الخطوة ليست مجرد إصلاح قيمي، بل ضرورة اقتصادية ملحة لفك تجميد مليارات اليوروهات التي حُرمت منها البلاد سنوات.
في الجدل حول السلطة، يقدم "تيسا" تعريفا مغايرا للسيادة؛ حيث يرفض فكرة استخدامها "ضد بروكسل"، ويجادل بأن الاتحاد الأوروبي هو الوسيلة الأقوى لحماية مصالح المجر وممارسة سيادتها عبر "قوة الكتلة".
أما في ملف الهجرة، فيتبنى الحزب إستراتيجية "الحزم الذكي"؛ فبينما يلتزم بخط متشدد في حماية الحدود والحفاظ على "السياج الحدودي"، يراهن على العودة لطاولة المفاوضات لانتزاع استثناءات تخدم المصلحة الوطنية بدلا من الصدام القانوني.
إن حكومة بقيادة ماغيار لن تحل تلقائيا كل التوترات، خاصة أن بعض مواقفه (مثل موقفه من أوكرانيا والسياسة الزراعية) تتقاطع مع نهج أوربان، لكن مصلحة الاتحاد تكمن في دعم هذا الانتقال لإعادة دمج المجر في مجتمع الديمقراطيات الليبرالية.
وبحلول مساء اليوم، ومع بدء ظهور النتائج الأولية، لن يقتصر أثر هذه الانتخابات على هوية الساكن لمكتب رئيس الوزراء في بودابست، بل سيمتد ليحدد المسار الجيوسياسي للاتحاد الأوروبي بأكمله سنوات قادمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة