طهران- "لا أريد العودة إلى طهران التي تقصف ليلا ونهارا.. كابوس المقاتلات يطاردني حتى في المنام"، هكذا أبدى طفلي الصغير معارضته لفكرة العودة إلى منزلنا الذي تعرض لخسائر إثر قصف برج سكني بجواره قبل 3 أسابيع.
فبعد نزوح قسري إلى جنوب غربي البلاد، حيث أقمنا شمال مدينة الأهواز، حددنا ساعة مبكرة يكون فيها الطفل الصغير نائما للانطلاق نحو العاصمة طهران، فكانت الرحلة يوم الجمعة الماضي، حيث تنتهي عطلة رأس السنة الفارسية، لكن الطرق أضحت، لاسيما في محافظتي أراك وقم وسط إيران، تعج بالسيارات الصغيرة والشاحنات الكبيرة.
لم نبتعد سوى نحو 150 كيلومترا من المدينة، حتى تناقلت الإذاعات الفارسية خبرا استثنائيا: "إسقاط طائرة أمريكية من طراز F-35 في سماء وسط البلاد"، بل ذهبت بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن إسقاط مقاتلة أخرى من طراز F-15، قبل أن تقدم على تعديل رواية الحدث. وقد دفعني فضول المتابعة الصحفية إلى التوقف في إحدى محطات الوقود.
وبعد دقائق من تصفح المواقع الإخبارية، اقترب مني عجوز من العاملين هناك، فقال: "لا تصدق كل ما ينشر.. إنها كذبة أبريل"، حينها تذكرت أن يوم أمس كان يصادف الثالث عشر من شهر فروردين، الشهر الأول في التقويم الفارسي، حيث تكثر فيه الإشاعات، لكن تقارير الصحافة العربية والفارسية كانت توحي بحدث أكبر مما يتصوره العجوز.
وعلى وقع حيرة تسيطر على المسافرين بين مصدق للخبر وآخر يشكك فيه، واصلنا السير على الطريق الذي بدت أراضيه أكثر اخضرارا من أي وقت مضى. فتساءلت ابنتي عما إذا كانت الحرب منعت البشر من العبث بالبيئة، أم أن وفرة هطول الأمطار هذا الموسم قد كست الأرض ثوبا من الزرقة والاخضرار، في حين كنت أصغي إلى ما تبثه الإذاعات الإيرانية عن تطورات الحرب، وعما إذا كان الطريق مغلقا بسبب القصف.
نواصل المسير، لكن نظرتنا للأشياء من حولنا بدت مختلفة هذه المرة، فعلى سبيل المثال، الأعمدة العملاقة لنقل الكهرباء ذات الجهد العالي التي تصطف على جانبي الطريق، تذكرنا بتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باستهداف منشآت الطاقة الإيرانية خلال الأيام المقبلة.
وللجسور كانت قصة أخرى مرعبة، حيث يتسابق السائقون لعبورها بأقصى سرعة، وذلك بعد يوم من قصف المقاتلات الأمريكية جسر "بي 1" بمدينة كرج غرب العاصمة طهران، وقبله تعرضت عدة جسور في محافظة كرمانشاه غربي إيران لغارات جوية مماثلة، فكلما يقترب المسافر من جسر، قد ينقبض قلبه خوفا من أن يكون الجسر التالي هو الهدف.
أما بعض اليافطات المعلقة بالقرب من الأنفاق فكانت أكثر رعبا، إذ تحمل عبارات تحذيرية: "عزيزي السائق.. احترس.. نرجو تخفيف السرعة.. المنطقة تعرضت لقصف صاروخي"، فيبدو أن مداخل ومخارج بعض الأنفاق تحولت إلى أهداف، وبقايا الانفجارات واضحة على جدرانها الخرسانية وكذلك الطريق رغم ترميمه، فكانت الإنارة خافتة أو منطفئة بالكامل، فنلاحظ أن السائقين يسرعون فور خروجهم من النفق، وكأنهم يفرون من الموت.
لكن المفارقة أنني، ولأول مرة، شعرت أن داخل النفق، وتحت مئات الأمتار من الصخور، هو المكان الأكثر أمانا مقارنة مع خارجه، وذلك على النقيض من شعوري قبل الحرب، حيث كنت أود الخروج من النفق سريعا بسبب تلوث الجو فيه وضعف إنارته.
وطالما أبدع الإيرانيون في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بكتابة الحِكَم والأقوال المأثورة على خلفيات الشاحنات، يبدو أن الحرب الجارية زادت من حنينهم إلى الزمن الجميل، لاسيما قبل انتشار منصات التواصل الاجتماعي، حيث كان أسلوب أحدهم لافتا في التعبير عن حزنه حيال ما يجري في بلاده.
وبين الجبال الشاهقة في محافظة لورستان، رأينا سائق شاحنة وقود قد خط بإصبعه على الغبار المتراكم عبارة "نعزي إيراننا"، وكان حريصا على كتابة رمز الهاشتاق والتذكير بمأساة "مدرسة ميناب" التي قتلت خلالها أكثر من 150 طالبة من مدرسة "الشجرة الطيبة" جراء قصف أمريكي إسرائيلي مشترك.
وعندما كنت أتأمل العبارة، تذكرت استهداف عدة ناقلات وقود تزامنا مع استهداف خزانات الوقود في مدينتي طهران وكرج، فسارعت للابتعاد عن الشاحنة واتخاذ مسافة آمنة منها، في حين كان صدى صوت زوجتي يتكرر في أذني: "لا عاقل يريد البقاء قريبا من هدف محتمل".
وخلال الرحلة توقفنا عدة مرات لتعبئة البنزين، وللصلاة، وأخذ قسط من الراحة، فكانت المحلات التجارية والمجمعات الخدمية مفتوحة ومزدحمة بالمسافرين، كما أن محطات الوقود وأكشاك تحصيل رسوم المرور كانت أكثر ازدحاما مقارنة مع رحلة الذهاب.
غير أن ازدحاما مروريا خانقا بدأ بعد مدينة بروجرد شمال شرقي محافظة لورستان، مرورا بمدينة أراك مركز محافظة "مركزي"، واستمر حتى مدينة قم، على مسافة تقارب 250 كيلومترا، ما دفع بعض السائقين لسلوك الطرق الترابية الموازية للطريق الرئيسي، بينما أخرج آخرون أعلام إيران من نوافذ سياراتهم يلوحون بها.
وخلف طوابير السيارات، كان من الطبيعي أن ينشغل الناس بمتابعة أخبار الحرب، فبعضهم كان يقرؤها على هواتفه، وآخرون يتبادلونها من نافذة إلى أخرى.
وقد جعل الازدحام المروري الخانق الطريق الذي كنا نقطعه في الظروف العادية في 10 ساعات يستغرق منا هذه المرة 15 ساعة، وحتى رحلة النزوح قبل 3 أسابيع كانت قد استغرقت 12 ساعة فقط.
وبعد ساعة من أذان المغرب، وصلنا إلى مدينة قم، فكان الازدحام أسوأ مما توقعنا، بسبب تدفق السيارات القادمة من أصفهان أيضا. وبعد بوابة رسوم المرور، قررنا التوقف في مجمع خدمي لتناول العشاء، إذ كان المصلى عامرا، والمطاعم والمقاهي تعج بالزبائن، فضلا عن طوابير السيارات في محطة الوقود التي اعتدنا عليها منذ أسابيع.
وفي أحد مطاعم الوجبات السريعة، تحدثنا مع بعض المسافرين، فكانوا منهكين من الطريق، وينتظرون بفارغ الصبر فتح الطريق نحو العاصمة، فقال أحدهم: "لم أتوقع هذا الازدحام. يبدو أن كل من غادر طهران يعود إليها اليوم".
قبل أن يعلق آخر بالقول: "هذا الكم الهائل من المسافرين هو مزيج من العائدين من إجازات عيد النوروز، والنازحين الذين فروا من الحرب قبل أسابيع، فوجدوا في نهاية عطلة رأس السنة وقتا مناسبا للعودة، سواء أولئك الذين استأجروا منازل مؤقتة أو لجؤوا إلى بيوت أقاربهم في المناطق الآمنة.. لا يمكن للمرء أن يمكث خارج بيته أكثر من شهر".
وفي الساعة العاشرة والنصف ليلا وصلنا إلى منزلنا في طهران، فكانت العودة إليه مختلفة هذه المرة، فالبيت لم يعد مجرد مكان للإقامة، بل أصبح نقطة خوف، حيث رفض صغيري دخوله أولا، قبل أن يمسك بيدي ويقول: "أخاف أن نضرب ثانية.. لماذا لا تنتهي هذه الحرب اللعينة".
حاولت تهدئته، لكنه رفض الدخول إلى غرفته، فجلس في زاوية الصالة، يحدق في السقف تارة وبالنوافذ تارة أخرى، وكأنه يستذكر الغبار المتناثر تلك الليلة جراء القصف الصاروخي على المبنى المجاور.
تذكرت كيف كان الطفل يشتاق إلى غرفته وألعابه في كل مرة نسافر فيها قبل الحرب، وكان آنذاك أول من يهرول إليها عند العودة. أما الآن، فقد أصبحت الغرفة مكانا يخيفه. جلست بجواره، لكن عيوني راحت تبحث في السماء من خلال النافذة التي فتحتها لتكييف الجو، قبل أن أضطر إلى إغلاقها لحجب هدير المقاتلات عن آذان الأطفال، فالحرب لم تنته بعد، ولا يمكن ترميم ما أفسدته في نفوس الأطفال بين ليلة وضحاها.
نام صغيري تلك الليلة في حضني بعد أن أثبت لي، لأول مرة، أنني لا أعرف كيف أطمئنه تحت القصف، لأن الحرب تحدث بالفعل تغييرا في التفكير، وها نحن لم نعد نعرف إن كان البيت هو المكان الأكثر أمانا، أم أنه مجرد وهم لا يستطيع أن يقي المرء من الطائرات والمقاتلات، فبقيت فكرة عالقة في ذهني: العودة إلى البيت هذه المرة لا تعني استئناف الحياة الطبيعية، بعد أن أمسى سقفه رمزا للهشاشة والأمان في آن واحد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة