في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ اليوم الأول من الحرب، لم تقتصر الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على الأهداف العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى بنية الأمن الداخلي الإيراني، في تحول لافت يكشف عن إستراتيجية أعمق من مجرد تدمير القدرات القتالية.
تحقيق موسع لوحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة رصد هذا التحول، وأجاب عن سؤالين محوريين:
يوثق التحقيق قصف 75 موقعا أمنيا إيرانيا حتى 10 مارس/آذار 2026، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي أعلى بسبب ضعف التغطية بالأقمار الصناعية وانقطاع الإنترنت داخل البلاد.
وبالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية، تم التأكد من وقوع أضرار فعلية في هذه المواقع، مع تمركز أكثر من 40% منها في العاصمة طهران وحدها (31 موقعا).
اللافت أن الضربات تركزت في النصف الغربي من إيران، حيث يعيش أكثر من 70% من السكان، مما يكشف عن تطابق واضح بين خريطة الاستهدافات وخريطة الكثافة السكانية.
ويشير هذا النمط إلى أن الهدف لا يتعلق بضرب القوة العسكرية، بل باستهداف البنية الأمنية في المناطق الأكثر اكتظاظا، حيث يمكن لأي خلل أن ينعكس سريعا على الاستقرار الداخلي.
لا تكشف البيانات عن استهدافات انتقائية، بل عن نمط ضرب شامل للشبكة الأمنية:
هذا الانتشار الواسع يعكس توجها لتفكيك منظومة الأمن الداخلي عموما، وليس توجيه ضربات تكتيكية محدودة، مما يعزز فرضية أن الهدف هو إضعاف قدرة الدولة على ضبط الشارع، وليس فقط تقليص قدراتها العسكرية.
تحليل طبيعة الأهداف يكشف دلالات أعمق؛ فالمراكز التابعة لجهاز الشرطة "فرجا" تصدرت قائمة الاستهداف.
ومن أبرز الأمثلة، تدمير مركز شرطة "سقز" في كردستان كليا، وهي مدينة ذات رمزية خاصة لكونها أحد مراكز احتجاجات 2022. استهداف هذا الموقع لا يُقرأ عسكريا، بل هو ضربة لأداة فرض النظام في مدينة ذات تاريخ احتجاجي.
كما شملت الضربات مراكز شرطة حيوية في طهران وأصفهان، إضافة إلى قواعد التحقيقات الجنائية، مثل القاعدتين السادسة والحادية عشرة في العاصمة، وهي مؤسسات لا تحمل طابعا عسكريا، بل تعنى بمكافحة الجرائم الاقتصادية والجنائية.
تدمير هذه المؤسسات لا يضعف الدفاعات العسكرية، لكنه يضرب وظيفة الدولة ذاتها، أي قدرتها على إدارة المجتمع، وفرض القانون، وملاحقة الجريمة.
الفئة الثالثة من الأهداف تمثلت في مقرات وقواعد قوات التعبئة (الباسيج)، التي تعد الذراع الميدانية الأكثر حضورا في ضبط الشارع.
استهداف هذه المواقع، مثل مقر باسيج "بهشتي" في طهران، يحمل دلالة رمزية تتجاوز البعد العملياتي، إذ يستهدف هيبة المنظومة الأمنية وقدرتها على الردع.
طرحت بعض التحليلات فرضية أن الضربات تهدف لفتح ممر أمني من العراق نحو الداخل الإيراني، لكن توزيع الاستهدافات لا يدعم هذا السيناريو بشكل كامل.
فلو كان الهدف حدوديا، لتركزت الضربات في محافظات مثل إيلام وكرمانشاه، إلا أن انتشارها في العمق الحضري يشير إلى إستراتيجية مختلفة: إضعاف شامل للأمن الداخلي في المناطق المكتظة.
تتضح الرسائل السياسية من خلال التصريحات العلنية، إذ دعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد الإيرانيين إلى النزول للشوارع لإسقاط النظام، بينما قال دونالد ترمب إن على الإيرانيين السيطرة على حكومتهم بعد انتهاء الحرب.
هذه التصريحات، بالتوازي مع استهداف مراكز الأمن الداخلي، تعكس محاولة واضحة لتهيئة بيئة داخلية مضطربة قد تدفع نحو انتفاضة شعبية.
ولم تشهد إيران انتفاضة واسعة منذ بدء الحرب، رغم هذا الضغط المركب. ولم تنهر مؤسسات الدولة، ولم تنسحب قوات الأمن من الشارع، بل تظهر المؤشرات استمرار عمل المنظومة الأمنية، مع انتشار قوات الباسيج والمركبات المدرعة في عدة مدن.
ويخلص التحقيق إلى أن الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية تقوم على التآكل التدريجي لمنظومة الأمن الداخلي، عبر ضرب بنيتها التحتية ووظائفها اليومية، أملا في الوصول إلى لحظة انهيار مفاجئة.
هل يقود هذا التآكل إلى سقوط فعلي، أم أن النظام الإيراني سيتمكن، كما تمكن في أزمات سابقة، من إعادة بناء أدواته الأمنية واستعادة السيطرة؟
المصدر:
الجزيرة