آخر الأخبار

دوافع بكين للتوسُّط من أجل وقف التصعيد بين كابل وإسلام آباد

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كابل- يثير التصعيد المتزايد بين أفغانستان و باكستان مخاوف إقليمية ودولية، وعلى رأسها الصين التي تخشى أن تتعرض استثماراتها الضخمة في البلدين للخطر.

فالتوترات الحدودية، والهجمات المتبادلة، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في المنطقة، كلها عوامل تهدد مشاريع اقتصادية صينية بمليارات الدولارات، وتضع بكين أمام اختبار صعب في إدارة علاقاتها مع طرفين تربطها بهما شراكات إستراتيجية.

وخلال الأسبوعين الماضيين، كثّفت الصين تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، حيث التقى المبعوث الصيني الخاص إلى أفغانستان مرتين بوزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي في كابل، في إطار مساعٍ لخفض التوتر وإعادة قنوات الحوار بين كابل و إسلام آباد، كما أجرى متقي اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي ناقشا خلاله التطورات الأمنية الأخيرة.

ووفق بيان لوزارة الخارجية الأفغانية، أكد متقي خلال الاتصال أن أفغانستان تحتفظ بـ"حقها المشروع في الدفاع عن شعبها وسيادتها"، لكنه شدد أيضا على دعم الحلول السياسية بدلا من التصعيد العسكري، متهما باكستان بتنفيذ قصف صاروخي وغارات جوية داخل الأراضي الأفغانية أدت -حسبه- إلى سقوط ضحايا مدنيين بينهم نساء وأطفال وتدمير منشآت مدنية.

في المقابل، دعا وزير الخارجية الصيني إلى ضبط النفس، مؤكدا أن "العمل العسكري ليس وسيلة لحل المشاكل"، وأن بلاده ترغب في لعب دور "بنّاء" لتعزيز الثقة بين الطرفين. ويعكس هذا الموقف القلق الصيني المتزايد من احتمال تحوُّل التوتر الحالي إلى صراع أوسع قد يهدد الاستقرار في منطقة تعد حيوية للمصالح الاقتصادية الصينية.

مصالح بكين

وترتبط الصين بعلاقات وثيقة مع كل من أفغانستان وباكستان؛ فمع إسلام آباد تجمعها شراكة إستراتيجية عميقة تشمل التعاون العسكري والاقتصادي، بينما تسعى بكين منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021 إلى تطوير علاقاتها مع الحكومة في كابل وتوسيع حضورها الاقتصادي في البلاد.

إعلان

ورأى خبراء أن أحد أهم دوافع التحرُّك الصيني يتمثل في حماية استثماراتها في قطاع المعادن الأفغاني؛ فالصين مهتمة منذ سنوات بالثروات الطبيعية الهائلة في أفغانستان، بما فيها النحاس والليثيوم والمعادن النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية الحديثة.

وقال الخبير الاقتصادي الأفغاني، عبد الظاهر سليم "الصين ترى في أفغانستان واحدة من أكبر المناطق غير المستغلة من حيث الموارد الطبيعية في العالم". وبالتالي فإن "أي تدهور أمني كبير"، حسب حديثه للجزيرة نت، "سيجعل الشركات الصينية أكثر حذرا في الاستثمار أو تنفيذ المشاريع طويلة الأمد".

كما تشكل أفغانستان سوقا مهما للسلع الصينية، إذ يعتمد جزء كبير من التجارة المحلية على الواردات القادمة من الصين عبر باكستان و آسيا الوسطى، ولذلك فإن استمرار التوتر العسكري قد يعطّل طرق التجارة ويُؤثّر في حركة البضائع بين البلدين.

لكن المصالح الصينية في المنطقة لا تقتصر على أفغانستان، بل تمتد بشكل أعمق إلى باكستان التي تعد أحد أهم شركاء بكين في آسيا، فقد استثمرت الصين عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع البنية التحتية الباكستانية ضمن مبادرة "الحزام والطريق".

مصدر الصورة السفير الصيني (يسار) والوفد المرافق خلال زيارته كابل ولقائه وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي في كابل (الخارجية الأفغانية على إكس)

ويعد "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" (سي بي إي سي) أحد أبرز هذه المشاريع، إذ يربط غرب الصين ب ميناء غوادر على بحر العرب عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة، ويمنح هذا المشروع بكين منفذا مباشرا إلى الخليج العربي و الشرق الأوسط، وهو ما يقلل اعتمادها على الطرق البحرية الطويلة عبر مضيق ملقا.

ويمكن تصنيف أبرز المشاريع الصينية الرسمية في باكستان إلى عدة قطاعات رئيسية، أهمها مشاريع الطاقة والمرحلة الثانية من "مشروع الممر" ويشمل أكثر من 70 مشروعا جديدا تضم:


* الصناعة والتكنولوجيا.
* الزراعة.
* الاقتصاد الأخضر.
* المناطق الاقتصادية الخاصة.

وتُعد هذه المشاريع ركيزة أساسية لتعزيز النفوذ الصيني في جنوب آسيا، وفي الوقت نفسه تمثل فرصة اقتصادية كبيرة لباكستان رغم التحديات الأمنية والمالية المرتبطة بها.

الاستقرار في وجه التهديد

من جهته، رأى الباحث الأفغاني في شؤون الأمن، محمد علي، أن "استقرار باكستان يشكل أولوية إستراتيجية للصين، لأن معظم مشاريع الممر الاقتصادي تمر عبر مناطق حساسة أمنيا"، وأضاف للجزيرة نت أن "أي تصعيد عسكري بين أفغانستان وباكستان قد يفاقم التوترات الداخلية ويزيد المخاطر على هذه المشاريع".

وتواجه المشاريع الصينية في باكستان بالفعل تحديات أمنية متصاعدة، ففي إقليم بلوشستان جنوب غرب البلاد صعّدت جماعة " جيش تحرير بلوشستان" هجماتها ضد القوات الباكستانية والمنشآت الحكومية، كما استهدفت في عدة مناسبات مصالح صينية.

وتتهم الجماعة الحكومة المركزية في إسلام آباد -التي يهيمن عليها سياسيون من إقليم البنجاب– باستغلال موارد بلوشستان الطبيعية بالتعاون مع الصين دون تحقيق مكاسب للسكان المحليين، ولهذا السبب تعتبر المشاريع الصينية هدفا رئيسيا لهجماتها.

إعلان

وخلال الأشهر الأخيرة نفذت الجماعة هجمات أكثر جرأة، ما رفع مستوى التهديد ضد الاستثمارات الصينية في الإقليم، وخاصة المشاريع المرتبطة بميناء غوادر.

وفي الوقت نفسه، تشهد المناطق الشمالية الغربية من باكستان، ولا سيما إقليم خيبر بختونخوا، تصاعدا في هجمات حركة طالبان باكستان التي تستهدف القوات الأمنية الباكستانية.

وأوضح الباحث في شؤون الجماعات المسلحة، وحيد كريمي، للجزيرة نت أن "التوتُّر بين أفغانستان وباكستان قد يمنح هذه الجماعات مساحة أكبر للتحرُّك". وقال "أي تدهور في العلاقات بين الطرفين سيجعل التنسيق الأمني عبر الحدود أكثر صعوبة، وهو ما قد تستفيد منه الجماعات المتشددة".

مخاوف الصين

ومن أبرز مظاهر التصعيد في الصراع استخدام الطائرات المُسيّرة في الهجمات المتبادلة، فقد استخدمت أفغانستان مؤخرا مُسيّرات مزودة بمتفجرات لاستهداف مواقع عسكرية باكستانية، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية.

وحذَّر محللون من أن انتشار استخدام المُسيّرات في النزاعات غير المتكافئة قد يفتح الباب أمام استهداف منشآت اقتصادية وبنية تحتية حسّاسة، بما في ذلك المشاريع المرتبطة بالاستثمارات الصينية.

وإلى جانب المخاطر الاقتصادية، تخشى الصين من تداعيات أمنية أوسع قد تمتد إلى حدودها الغربية، فبكين قلقة منذ سنوات من نشاط مقاتلين من أقلية الإيغور في مناطق حدودية بين أفغانستان وباكستان والصين. ويطالب هؤلاء بإقامة كيان مستقل في إقليم شنغيانغ الصيني، وهو ما تعتبره بكين تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

وأشار الباحث في العلاقات الدولية، محمد نعيم، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن "الصين ترى الاستقرار في أفغانستان وباكستان جزءا أساسيا من أمنها الداخلي"، مضيفا "أي تصعيد عسكري كبير قد يخلق فراغا أمنيا تستفيد منه جماعات متشددة مختلفة".

وفي ضوء هذه التحديات تحاول الصين لعب دور الوسيط بين كابل وإسلام آباد، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الطرفين، فبكين تعد من الدول القليلة التي حافظت على قنوات اتصال قوية مع طالبان بعد عودتها إلى الحكم، وفي الوقت نفسه تعتبر حليفا إستراتيجيا لباكستان منذ عقود.

ورأى الباحث نعيم أن الصين تعتمد "دبلوماسية حذرة" تهدف إلى منع التصعيد دون الانحياز بشكل واضح لأي طرف، وأضاف أن بكين تدرك أن أي مواجهة مفتوحة بين أفغانستان وباكستان ستؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

مصدر الصورة الصين تلعب دور الوسيط بين أفغانستان وباكستان لحل الأزمة بينهما حفظا لمصالحها (الخارجية الأفغانية على إكس)

مساعٍ للحل

ومع استمرار التوتُّرات الحدودية وتزايد الهجمات المسلحة في المنطقة، يبقى الدور الصيني عاملا مهما في محاولة احتواء الأزمة، غير أن نجاح هذه الجهود سيعتمد إلى حد كبير على استعداد كابل وإسلام آباد للعودة إلى الحوار وتجنُّب التصعيد العسكري.

وقال مصدر في الخارجية الأفغانية -فضّل عدم كشف هويته- للجزيرة نت "بعد 4 زيارات لمسؤولين صينيين إلى كلٍّ من كابل وإسلام آباد، أعلنت أفغانستان ترحيبها بمساعٍ صينية للوساطة بين البلدين".

كما أن "الجهات المعنية أعدّت آلية مقترحة لبدء الحوار، ستُعرض أولا على رئيس الوزراء الأفغاني، وفي حال إقرارها ستُقدَّم إلى الجانب الصيني لمتابعة الخطوات اللازمة، وأن اهتمام بكين بهذه المبادرة يندرج في إطار حرصها على حماية مصالحها في المنطقة".

مصدر الصورة جانب من الوفد الأفغاني خلال لقائه السفير الصيني في وزارة الخارجية الأفغانية (الخارجية الأفغانية على إكس)

ولفت المصدر إلى اعتقاده بأن جهة أجنبية تعمل على تحريض بعض الدوائر داخل الحكومة الباكستانية بهدف التشويش على الصين ومصالحها الإقليمية.

وحال فشلت هذه المساعي، قد تجد الصين نفسها أمام واقع جديد يُهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى في جنوب آسيا ويجعل استثماراتها بمليارات الدولارات في المنطقة أكثر عرضة للمخاطر.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا