يرى الخبير السياسي الروسي سيرغي ماركوف أن إيران أمامها خياران استراتيجيان رئيسيان للحفاظ على نظامها السياسي ووقف الضربات الأمريكية الإسرائيلية والخروج منتصرة.
يتمثل الخيار الأول في استراتيجية الصمود والاحتماء طويل الأمد، أي تحمل ويلات الضربات لفترة زمنية ممتدة جدا، والانتظار حتى ينفد مخزون الصواريخ الهجومية لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. أما الخيار الثاني، فهو أكثر جرأة وحسما، حيث يهدف إلى قلب موازين القوى بشكل كامل. يتطلب تحقيق هذا السيناريو، وفقا لماركوف، إلحاق أضرار بشرية ومادية جسيمة بالخصوم، تصل إلى سقوط عشرة آلاف قتيل في إسرائيل وحوالي ألف جندي أمريكي. مع ذلك، يلفت ماركوف إلى أن طهران ستسلك على الأرجح كلا المسارين بشكل متواز، تاركا السؤال الأكبر معلقاً دون إجابة قاطعة: هل ستنتصر في أي منهما؟
من زاوية مغايرة، يعتقد المؤرخ والكاتب سيرغي فولكوف أن جوهر السؤال المطروح يدور حول من سينفد مخزونه من الصواريخ أولا، مشددا على نقطة جوهرية تتعلق بطبيعة الخطط الأمريكية. وفقا لفولكوف، من دون وجود قوات مشاة متحفزة وجاهزة على الأرض، وبالتالي قدرة حقيقية على السيطرة على الأراضي، لن تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أي نجاح يذكر، بغض النظر عن نوايا الرئيس ترامب وأهدافه المعلنة.
في سياق متصل، يخلص الصحفي ميخائيل توروبوف إلى استنتاج مفاده أن الضربات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي تهدف إلى تغيير النظام، قد دفعت أعدادا متزايدة من المحللين، بعد ثلاثة أيام فقط من بدئها، إلى الاعتقاد بأن فكرة الحرب الصغيرة المظفرة لم تسر وفقا للخطة المرسومة. يلفت توروبوف إلى أن العديد من منتقدي العمليات العسكرية الأمريكية يربطونها بما يُعرف بملفات إبستين، مشيرا إلى أنه حتى الاسم الرمزي للعملية العسكرية الأمريكية، الغضب الملحمي، تم تحريفه بسخرية ليصبح غضب إبستين. ويورد مثالا على ذلك باقتباس قول المؤثر الأمريكي المحافظ دان بيلزيريان: الدولة الوحيدة التي يجب أن نهاجمها هي إسرائيل. بلدنا يسيطر عليه يهود متحرشون بالأطفال، وهم بحاجة إلى الحرب ضد إيران كغطاء لأفعالهم.
على الجبهة الداخلية الأمريكية، يبرز صوت المعارضة من شخصيات مؤثرة مثل المدون نيك فوينتيس، الذي يتمتع بنفوذ واسع بين فئة الشباب. يعارض فوينتيس إدارة ترامب بشدة فيما يتعلق بالملف الإيراني، معتبرا أن الرئيس الأمريكي خان شعاري لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً وأمريكا أولا، وبالتالي فقد شرعيته.
يذهب فوينتيس إلى نتيجة مثيرة للجدل مفادها أن إسرائيل، إذا ما نجحت في القضاء على إيران كآخر خصم جدي لها في الشرق الأوسط وأصبحت القوة المهيمنة في المنطقة، فإن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الأكبر. فبالنظر إلى الترسانة النووية التي تمتلكها تل أبيب ونفوذها الهائل على السياسة الداخلية الأمريكية، قد تصبح إسرائيل القوة العالمية الرئيسة على حساب واشنطن.
يأخذنا التحليل إلى مستوى آخر من الخطورة مع الخبير العسكري والمحلل السياسي أنطون روشا، الذي أشار في مقال بصحيفة "أدفانس" إلى أن النخبة العسكرية والسياسية في واشنطن تناقش حالياً بشكل علني إمكانية شن عملية برية في إيران. لا يرى روشا في ذلك مجرد تهديد عابر، بل يؤكد أنه المسار الوحيد الذي ستسلكه الولايات المتحدة في النهاية، محذرا من أن هذا الخيار سيقود حتما إلى كارثة عسكرية هائلة.
روشا يوضح موقفه قائلا: دعونا نتطرق للحظة إلى إسرائيل. هذه العملية هي عملية إسرائيلية بقدر ما هي أمريكية، بل يمكن القول إنها إسرائيلية أكثر. كانت إسرائيل هي من أصرت على أنها لا تستطيع العيش بسلام طالما بقيت الجمهورية الإسلامية قائمة، وشعارها كان يجب تدمير إيران. ولذلك، لا مجال على الإطلاق لأن تسمح إسرائيل لهذه الحرب، التي تمثل ربما فرصتها التاريخية الوحيدة لتحقيق هدفها النهائي، بأن تنتهي بأي نتيجة تسمح لإيران بالبقاء. لقد تجاوزت إسرائيل الحد بقتلها آية الله بضربات صاروخية، وهذا الحدث سيؤدي حرفيا إلى ظهور أجيال كاملة من المقاتلين الجدد الذين سيقاتل الملايين منهم إسرائيل.
يختتم روشا تحليله بالتأكيد على أنه حتى لو زحفت الولايات المتحدة على إيران بكل قواتها، فلا يوجد ما يضمن النجاح العسكري، بل إن احتمالات الفشل أكبر بكثير، ما يرسم صورة قاتمة لمستقبل الصراع ويعيد خلط الأوراق في واحدة من أكثر مناطق العالم توترا.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة