ثمة مقولة في تقاليد الدبلوماسية التركية تقول: «صراع توران-إيران لا ينتهي»؛ فقد كانتا الدولتان الكبيرتان في المنطقة خصمَين عبر التاريخ، وخاضتا صراعات متكررة، إلى أن اندلعت بينهما معركة جالديران عام 1514.
هذه الحرب بين الشاه إسماعيل والسلطان سليم الأول غيرت مستقبل المنطقة وبنية مجتمعاتها. وكانت مدمرة إلى حد أن الدولتين، حين أبرمتا معاهدة "قصر شيرين" عام 1639، بدتا كأنهما أقسمتا على ألا تتحاربا مرة أخرى. فمنذ 387 عاما لم تتغير خطوط الحدود بينهما وحرصتا دائما على تجنب أي صدام قد يفضي إلى تغييرها.
وعلى الرغم من أن هاتين الدولتين الجارتين العريقتين تتنافسان على النفوذ في المنطقة، فإنهما لم تنخرطا قط في مواجهة مباشرة.
صراع النفوذ بين البلدين
وإذا كانت تركيا وإيران لم تدخلا في مواجهة مباشرة، فإنهما خاضتا صراع نفوذ في العديد من دول المنطقة؛ فقد شهدت سوريا، والعراق، وفلسطين، وأذربيجان، وأرمينيا، وباكستان، وتركمانستان، في بعض الفترات، منافسة حادة على بسط النفوذ.
وأدت مشاركة إيران في الحرب الأهلية السورية عبر حزب الله وفصائل شيعية شبه عسكرية أخرى إلى دفع العلاقات التركية-الإيرانية إلى حافة القطيعة.
ومع تصاعد وتيرة الحرب، شهدت المنطقة موجة نزوح واسعة، ما وضع البلاد في مأزق صعب. ومنذ تلك الأيام، غير الرأي العام التركي نظرته تجاه إيران وحزب الله، وأبدى ردود فعل معارضة تجاهه.
غير أن إيران، التي اضطرت إلى الانسحاب الكامل من سوريا عقب نجاح الثورة بعد عملية "ردع العدوان" بقيادة الرئيس أحمد الشرع، لم تستسغ مطلقا ما حققته تركيا من تفوق جيوسياسي كبير، لتتحول هذه المرة وسائل الإعلام الإيرانية ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى مهاجمة تركيا والتعبير عن غضبهم تجاهها.
فقدان الثقة الكبير بين تركيا وإيران
كان في العالم دولتان فقط تدعمان البرنامج النووي الإيراني السلمي: البرازيل، وتركيا. وقد توجه لولا دا سيلفا رئيس البرازيل والرئيس رجب طيب أردوغان إلى طهران عام 2010 لإظهار هذا الدعم، وكنتُ حاضرا في تلك الاجتماعات.
وكان القرار المشترك للدول الثلاث يقضي بعقد المفاوضات النووية في إسطنبول، غير أن إيران لم تلتزم بوعدها، ونقلت المفاوضات إلى جنيف. وكما تذكرون؛ تكرر الأمر ذاته في الجولة الأخيرة من المفاوضات، وقد اعتُبر ذلك سلوكا أثار غضب تركيا وأدى إلى فقدانها الثقة.
وتم إلقاء القبض على عشرات العملاء الإيرانيين، وكُشف أنهم كانوا يخططون لعمليات خطيرة. كما جرى تأجيج النقاشات المذهبية في الداخل التركي، وحدثت استقطابات حادة. ويمكن القول إن التعاطف مع إيران وعلاقات الجوار في الرأي العام التركي بلغا أدنى مستوياتهما منذ تلك الفترة.
موقف أردوغان من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي
ومنذ بدء الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية، تتابع تركيا التطورات بحذر شديد؛ فقد دخلت وزارة الخارجية حالة تأهب من أجل إجلاء المواطنين في المنطقة، وتواصل عملها ليلا ونهارا.
كما تعقد وزارتا الداخلية والدفاع اجتماعات متواصلة لاتخاذ التدابير اللازمة تحسبا لموجة نزوح محتملة من إيران. سياسيا؛ صدر أهم تصريح في هذا الشأن عن الرئيس أردوغان، فيما فضلت الوزارات والشخصيات السياسية الأخرى عدم الإدلاء بتصريحات نظرا لحساسية الملف.
تتمثل السياسة الأساسية لأردوغان في منع انتقال بؤرة عدم الاستقرار والفوضى في المنطقة إلى مسارات أخرى عبر إسرائيل.
ورغم محاولة إيران إيجاد مخرج لنفسها من خلال مهاجمة دول الخليج، فإن تركيا ترى في ذلك إستراتيجية خاطئة. وفي الرأي العام التركي يبرز سؤال يُطرح باستغراب: لماذا تضرب إيران قطر تحديدا؟ لا نفهم ذلك.
وقد حذر أردوغان مرارا من أن الصراعات بين الدول الإسلامية تصب دائما في مصلحة إسرائيل. غير أن إيران دخلت في أجواء صدام مع جميع دول المنطقة باستثناء تركيا.
هل تُطلق إيران صواريخ على تركيا؟
تسعى إيران، عبر استهداف الوجود الأمريكي في الخليج، إلى خلق ضغط على الولايات المتحدة ودفعها نحو وقف الحرب. وفي الوقت ذاته، تريد تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل كلفة مباشرة، غير أن هذا النهج قد يخلف لها مشكلات كبيرة على المدى البعيد.
وخلال هذه المرحلة، لفت الانتباه عدم إقدام إيران على إطلاق صواريخ باتجاه تركيا حتى الآن.
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:
تركيا تريد انتهاء الحرب
على الرغم من أن البعض قد يرى أن انشغال إيران، الخصم التقليدي، بالحرب واستنزافها يصب في مصلحة تركيا، فإن أنقرة لم تتبنَ هذا الموقف يوما.
إذ إن أي حالة من عدم الاستقرار في هذا البلد الجار ذي الروابط التاريخية تنعكس مباشرة على تركيا. وقد أعطت تركيا الأولوية لمبدأ مفاده أن اضطراب الجار يعني اضطرابك أنت أيضا.
وفي الواقع، فإن الموقع الجيوسياسي لإيران وعلاقاتها المذهبية-الأيديولوجية يمنحانها سمة تؤثر في استقرار المنطقة بأسرها، لا تركيا فحسب.
ومن ثم، ينبغي بذل جهود مكثفة من الجميع من أجل إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة