أعاد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة و إيران ، على خلفية الهجوم المشترك مع إسرائيل ، تسليط الضوء مجددًا على شبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة حول العالم ودورها الحاسم في إدارة مثل هذه الأزمات.
ومنذ يوم السبت، تحولت القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط إلى محاور حيوية في الحرب ضد إيران، حيث تستخدمها الولايات المتحدة لشن ضربات جوية دقيقة، ونشر طائرات الاستطلاع لجمع المعلومات الاستخباراتية، وتأمين خطوط الإمداد والذخائر للقوات المنتشرة، فضلاً عن إدارة التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية.
في المقابل، اعتبرت إيران هذه القواعد أهدافاً استراتيجية مباشرة، فأطلقت صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع أمريكية في العراق والكويت، محاولة إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالقوات والمنشآت العسكرية.
وتوضح هذه التطورات أن التصعيد الجاري يعتمد بشكل كبير على قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على جاهزية قواعدها في المنطقة، وفي الوقت نفسه على قدرة إيران على تهديد هذه المواقع، ما يجعل القواعد الأمريكية مراكز مواجهة رئيسية في الحرب المستمرة منذ يوم السبت.
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رسّخت الولايات المتحدة شبكة انتشار عسكري واسعة خارج حدودها، تقوم على قواعد دائمة وأخرى مؤقتة، إضافة إلى ترتيبات تتيح لها استخدام منشآت عسكرية تابعة لدول حليفة.
ولا يقتصر دور هذه القواعد على استضافة الجنود وتخزين العتاد، بل تؤدي وظائف استراتيجية متشابكة، تشمل الردع العسكري، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتأمين الانتشار السريع عند الأزمات.
كما توفر منصات للرصد الإلكتروني والإنذار المبكر ضد التهديدات الصاروخية، فضلا عن كونها مراكز إمداد وصيانة وتدريب مشترك مع جيوش حليفة، بما يعزز الجاهزية والتوافق العملياتي.
وهذا الحضور الخارجي يمنح واشنطن قدرة على التحرك الفوري في مناطق تعتبرها حيوية لمصالحها، ويكرّس في الوقت ذاته صورة القوة الرادعة أمام الخصوم.
وبعد 1945، أبقت الولايات المتحدة على جزء من قواعدها في أوروبا وآسيا، ثم وسّعتها مع اندلاع الحرب الباردة لمواجهة الاتحاد السوفياتي. ومع انهيار الأخير مطلع التسعينيات، خفّضت واشنطن وجودها الخارجي وأغلقت عشرات المواقع، قبل أن تعيد توجيه ثقلها نحو الشرق الأوسط عقب حرب الخليج وهجمات 11 سبتمبر 2001.
وفي العقد الأخير، عاد التركيز إلى أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي، مدفوعا بالحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد المنافسة مع الصين.
وبحلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، باتت اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية تستضيف النسبة الأكبر من القوات الأمريكية في الخارج.
وبالنظر لأهميتها في منظومة الجيش، تُخصص لذلك ميزانيات ضخمة، إذ قدّرت وزارة الدفاع الأمريكية في السنة المالية 2023 كلفة تشغيل القواعد الخارجية بنحو 31.7 مليار دولار، إضافة إلى أكثر من 5 مليارات دولار للبناء والتطوير، بينما تشير تقديرات مستقلة إلى أن الإنفاق الفعلي قد يكون أعلى بكثير عند احتساب تكاليف الطوارئ والانتشار الدوري.
ووفق تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يملك أو يستخدم ما يزيد على 128 منشأة عسكرية في 51 دولة.
وتصنف وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) منشآتها الخارجية إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب الحجم والأهمية، إذ توجد القواعد الرئيسية، وهي منشآت ضخمة دائمة، مجهزة ببنية تحتية متكاملة تضم مطارات، وموانئ، ومساكن عائلية، وتستوعب آلاف الجنود.
أما النوع الثاني فهي قواعد العمليات الأمامية، وهي قواعد أصغر قابلة للتوسع، تُستخدم لدعم العمليات الدورية وتخزين المعدات، مع وجود عسكري محدود في أوقات السلم.
وأيضًا، مواقع الأمن التعاوني وتعرف بـ "منصات الزنبق" (Lily Pads)، وهي مواقع صغيرة جداً لا يوجد بها جنود دائمون، بل تُدار بالتعاون مع الدول المضيفة وتُستخدم كمحطات تزويد بالوقود أو مراكز استخباراتية عند الحاجة.
أما مواقع الطوارئ التابعة للقوات الأمريكية فتُصنَّف وفق مدة تشغيلها إلى ثلاثة أصناف رئيسية، بما يتيح مرونة عالية في التعامل مع مختلف المهام العملياتية والطوارئ.
فالموقع الأولي يُنشأ للاستخدام الفوري عند الحاجة العاجلة، بينما يُستخدم الموقع المؤقت لفترة تمتد من شهر إلى سنتين لتغطية مهام محددة أو عمليات قصيرة الأمد.
أما الموقع شبه الدائم، فيُخصص لفترات أطول تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، ما يتيح دعماً مستداماً للعمليات العسكرية واللوجستية دون الحاجة لإنشاء قواعد دائمة.
تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية في أنحاء العالم في مناطق نفوذ إستراتيجية، يمكن تصنيفها إلى خمس مناطق رئيسية: منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أوروبا، الشرق الأوسط، أفريقيا، وأمريكا اللاتينية والكاريبي.
وتُعد هذه القواعد من أهم أدوات الولايات المتحدة في تعزيز قوتها العسكرية، وتأمين مصالحها السياسية والاقتصادية، ودعم حلفائها، وكذلك الرد على التهديدات الإقليمية والدولية.
تُعدّ هذه المنطقة المحور الأبرز للانتشار العسكري الأمريكي الخارجي، إذ تستأثر بأكبر حجم من تمركز القوات الأمريكية خارج الأراضي الوطنية، ومعظمها في اليابان وكوريا الجنوبية.
وتحتل اليابان المركز الأول عالمياً من حيث حجم التواجد العسكري الأمريكي، مع 15 قاعدة كبرى يقدر عدد الجنود فيها عام 2025 بنحو 55 ألف جندي.
وتشمل أبرز القواعد قاعدة يوكوتا الجوية، معسكر زاما، قاعدة يوكوسوكا البحرية، قاعدة إيواكوني الجوية، قاعدة ميساوا الجوية، قاعدة كادينا الجوية، ومعسكر بتلر، التي تقدم دعماً جوياً ولوجستياً واستراتيجياً للقوات الأمريكية وحلفائها.
كما تحتضن كوريا الجنوبية معسكر همفريز، أكبر قاعدة أمريكية من حيث عدد السكان العسكريين، وقاعدة أوسان الجوية التي تدعم تنفيذ مهام قتالية واستراتيجية في شمال شرق آسيا.
وتتواجد القوات الأمريكية أيضًا في قواعد أخرى صغيرة في أستراليا وسنغافورة وجزر مارشال والفلبين، وتستخدم حقوق الوصول المؤقت إلى قواعد محلية في عدة دول لأغراض التدريب والدعم اللوجستي والتشغيلي.
تمثل أوروبا المنطقة الثانية عالمياً للقوات الأمريكية الخارجية، حيث ينتشر حوالي 84 ألف جندي في نحو 31 قاعدة ثابتة و19 موقعاً عسكرياً آخر، يتركز معظمها في ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة.
وتعد ألمانيا المركز الأول في أوروبا من حيث الحجم العسكري، مع أكثر من 35 ألف جندي، وتضم قواعد رئيسية مثل رامشتاين الجوية، حامية شتوتغارت، حامية بافاريا، حامية راينلاند-بفالز، وحامية أنسباخ. وتستضيف إيطاليا ثاني أكبر وجود عسكري أمريكي، أبرز قواعده سيغونيلا الجوية البحرية في صقلية، بالإضافة إلى معسكر إيديرلي في فيتشنزا كمقر للواء المشاة 173 المحمول جواً.
أما المملكة المتحدة فتحتضن قواعد مهمة مثل لاكنهيث الجوية وميلدنهال الجوية، بالإضافة إلى محطة مينويث هيل الاستخباراتية المشتركة مع واشنطن.
وتزود القوات الأمريكية في أوروبا بمعدات قتالية متطورة تشمل طائرات حربية، وسفن بحرية، وأنظمة دفاع صاروخي، وتدير عمليات رصد ومراقبة لمناطق النشاط العسكري الروسي، وتدعم الاستجابة السريعة للأزمات في الشرق الأوسط وأفريقيا.
تمثل منطقة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) محور انتشار استراتيجي مهم، مع وجود في أكثر من 12 دولة وقواعد ثابتة تصل إلى 8، إلى جانب 11 موقعاً يمكن الوصول إليه.
وتشمل أبرز القواعد قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة والمقر المتقدم للقيادة المركزية، ومركز الدعم البحري في البحرين، ومعسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.
وتركز القوات الأمريكية في المنطقة على حماية مصالحها، دعم حلفائها، مراقبة التهديدات الإيرانية، وتنفيذ عمليات مواجهة التنظيمات المسلحة. كما تدعم العمليات الأمريكية إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية، وتشارك في ضربات مباشرة ضد إيران وجماعة الحوثيين في اليمن.
تتركز القوات الأمريكية في أفريقيا بشكل محدود، مع نحو 1150 جندياً دائماً، معظمهم في جيبوتي، إلى جانب مواقع يمكن الوصول إليها في كينيا والصومال والغابون وتشاد وجزيرة أسينشين.
وتعد قاعدة لومونييه في جيبوتي الأكبر والأكثر استراتيجية، حيث تشكل مركز القيادة الأمريكية في القرن الإفريقي وتستضيف طائرات شحن ومسيّرة، وتدعم العمليات الإقليمية للقوات المشتركة والتحالف.
كما يشمل الوجود قاعدة جزيرة أسينشين، التي تدعم العمليات الجوية والفضائية الأمريكية.
لا تتمتع هذه المنطقة بوجود دائم واسع للقوات الأمريكية، حيث يبلغ عدد الأفراد حوالي 1650 جندياً، معظمهم في كوبا وهندوراس.
وتشمل القواعد الرئيسية قاعدة غوانتانامو البحرية في كوبا، وقاعدة سوتو كانو الجوية في هندوراس، مع مواقع تعاون أمني محدودة في أوروبا ووسط وجنوب أمريكا.
تركز هذه القواعد على مكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود، وتقديم الدعم اللوجستي والتدريب، ومراقبة النفوذ الصيني والروسي في المنطقة.
المصدر:
يورو نيوز