آخر الأخبار

بعد عقد ونصف.. مَن يتذكّر ثورة البحرين؟

شارك

تراجع الحراك في البحرين بشكل تدريجي بعد إنهاء الاعتصام المركزي في دوار اللؤلؤة، وما تبعه من تشديد أمني ومسار قضائي طاول قياداته، إلى جانب حل الجمعيات السياسية وإسقاط الجنسية عن بعض المعارضين.

شهدت البحرين في عام 2011 احتجاجات بدأت في 14 شباط/فبراير، ووضعت النظام السياسي أمام اختبار مباشر. لم يكن التحرك محدودا في مطالبه، بل تناول صلاحيات السلطة وطبيعة العلاقة بين نظام الحكم والمجتمع، وفتح نقاشا حول الإصلاح السياسي وآلياته.

جاء ذلك في سياق إقليمي حساس، فقد سقط نظاما تونس ومصر خلال أسابيع، وامتدت موجة الاحتجاجات إلى عدد من العواصم العربية. في دول الخليج ساد قلق من احتمال انتقال المظاهرات إلى أنظمة اعتادت الاستقرار. لذلك لم تُنظر إلى احتجاجات البحرين كقضية داخلية فحسب، بل كملّف له أبعاد إقليمية، وتداعيات محتملة تتجاوز حدود المملكة الخليجية الصغيرة.

بعد سنوات، تراجع حضور تلك الأحداث وخفّ تأثيرها، ما كان في 2011 مسارا مفتوحا على احتمالات متعددة، أصبح تجربة سياسية انتهت عمليا ضمن سياقها الزمني. والسؤال المطروح اليوم بعد مرور عقد ونصف: ما العوامل التي أدت إلى تراجع زخم تلك الاحتجاجات وكيف خفتت ثورة البحرينيين؟

مصدر الصورة شكّلت الحجارة رسائل من متظاهرين بحرينيين مناهضين للحكومة قرب دوار اللؤلؤة مساء الأربعاء 16 فبراير/شباط 2011 في المنامة، البحرين. Hasan Jamali/AP2011

بدايات الاحتجاج المنظم

بالعودة الى العام 2011 وتحديدًا 14 شباط/فبراير، خرجت أولى التظاهرات في البحرين ولكنها لم تبدأ بشعار إسقاط النظام. المطالب الأولى تمحورت الاصلاح في الحكومة ومجلس النواب والتمثيل العادل لمكوّنات الشعب البحريني، بالاضافة الى إعادة النظر في توزيع الدوائر الانتخابية.

كان على رأس الحراك جمعية الوفاق الوطني الإسلامية، برئاسة الشيخ علي سلمان، وطالبت الجمعية بإقامة ملكية دستورية، متنصلةً من الشعارات التي رفعها لاحقا المتظاهرون والتي تطالب بإسقاط الملك على اعتبار أن طرحها هو الصيغة الإصلاحية الممكنة بعيدًا عن ردات الفعل العاطفية، غير أن سقوط قتلى خلال تفريق المتظاهرين غيّر الإيقاع سريعاً، ووسّع دائرة المشاركة، وأدخل المملكة في مرحلة أكثر حساسية.

مصدر الصورة اشتبك متظاهرون بحرينيون مناهضون للحكومة مع شرطة مكافحة الشغب التي أطلقت الغاز المسيل للدموع في مدينة سنابس، البحرين، يوم الجمعة 28 سبتمبر/أيلول 2012. Hasan Jamali/AP

اعتصام دوّار اللؤلؤة

تحولت مراسم التشييع إلى حشود أكبر، وانتقل مركز الاحتجاج إلى دوار اللؤلؤة في المنامة ، حيث أُقيم اعتصام مفتوح أصبح العنوان الأبرز لتلك المرحلة، كما كان لاستقالة جميع أعضاء كتلة "الوفاق"، وهي أكبر كتلة في مجلس نواب وقْعُها الكبير.

ومن هنا كان لوجود ساحة مركزية يومية ثقلا سياسيا وإعلاميا منح الحراك دفعة كبيرة على مستوى التنظيم وأعداد المشاركين وتنسيق المواقف، لكن اتساع الاعتصام ترافق مع تباين في سقف الشعارات بين تيار إصلاحي واضح المعالم وتيارات رفعت مطالب أكثرحدية.

مصدر الصورة جلس متظاهرون بحرينيون كانوا يسيرون باتجاه دوار اللؤلؤة في الشارع أمام دبابات الجيش يوم الجمعة 18 فبراير/شباط 2011 في المنامة، البحرين. Hasan Jamali/AP2011

البُعد الطائفي

لم يكن ممكناً فصلُ ما جرى عن التركيبة السكانية والسياسية للبحرين، فالغالبية من السكان هم من الشيعة، فيما تنتمي الأسرة الحاكمة إلى الطائفة السنية، وقد عاد هذا الواقع إلى واجهة النقاش مع اتساع الاحتجاجات.

ورغم أن المعارضة شدّدت مرارًا على أن مطالبها سياسية وليست مذهبية، كان للسلطات البحرينية رأي آخر، كما برزت اتهامات لإيران بمحاولة استثمار الحراك أو التأثير فيه، وهو ما نفته طهران، ليصبح الاتهام بالتأثير الإيراني جزءاً من سردية الأزمة، وقد كان للبعد الطائفي تأثير كبير في جعل الأزمة أكثر تعقيدًا والتوافق الداخلي أكثر صعوبة.

الحسابات الخليجية

مع سقوط نظامي تونس ومصر، لم يكن ممكنا أن يُنظر إلى الأحداث في البحرين على أنها شأن داخلي فقط، وتحديدا في الخليج كان المشهد جزءاً من لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات واسعة، وفي 14 آذار/مارس 2011، دخلت قوات درع الجزيرة إلى البحرين بقيادة السعودية، مما بدا أن الخطوة عكست قراراً خليجياً بالنظر الى الأزمة على أنها مسألة أمن جماعي، وأن استقرار البحرين جزء من استقرار الخليج.

أُعلنت "حالة السلامة الوطنية"، وبدأ انتشار أمني واسع، تلاه اعتقال عدد من النشطاء والسياسيين، وفي 18 آذار/مارس، أُزيل نصب اللؤلؤة، في خطوة أنهت الاعتصام الذي كان يمثل قلب الحراك.

ومع إنهاء الساحة المركزية، فقد الحراك رمزيته، ورغم أن أن الاحتجاجات لم تتوقف لكنها بدأت تفقد زخمها.

مصدر الصورة يظهر في الصورة رجال بحرينيون مكبلون بالأصفاد، الثلاثاء 14 فبراير/شباط 2012 Hasan Jamali/AP

المسار القضائي المتصاعد

بين عامي 2012 و2014، تحوّل الصراع إلى المحاكم، حيث توسعت القضايا المرتبطة بالأمن الوطني، وصدرت أحكام بحق عدد من المعارضين والناشطين، وصولا إلى اعتقال الشيخ علي سلمان، الأمين العام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية في كانون الأول/ديسمبر 2014، ولاحقا صدرت بحقه أحكام بالسجن في قضايا تتعلق بخطاباته السياسية واتصالات خارجية، وثُبّتت بحقه أحكام مشددة أبقته خارج المجال العام.

مصدر الصورة رفع متظاهرون بحرينيون مناهضون للحكومة لافتةً تحمل صورة رجل الدين الشيعي المسجون الشيخ علي سلمان، البحرين، يوم الجمعة 2 يناير/كانون الثاني 2015. Hasan Jamali/AP

اعتقال سلمان لم يكن تفصيلاً قضائياً، بل محطة مؤثرة في مسار الحراك، فبخروجه من المشهد، فقدت المعارضة أبرز قياداتها السياسية القادرة على التعبير العلني والتفاوض، وتراجع بذلك الوزن التنظيمي للحراك.

إعادة رسم التوازنات

عام 2016 حمل تطورات أعمق في مسار الأزمة، حيث أُسقطت الجنسية عن الشيخ عيسى قاسم، أبرز المرجعيات الدينية الشيعية في البلاد، في خطوة أثارت ردود فعل واسعة، بالتزامن مع إسقاط الجنسيات عن مئات المعارضين والنشطاء.

إسقاط جنسية قاسم أشعل احتجاجا طويلا في منطقة الدراز استمر أشهراً، وتحول إلى بؤرة توتر مستمر، ورغم أن الاحتجاج يأخذ شكل الدوار المفتوح في 2011، لكنه عكس استمرار التوتر في إطار جغرافي محدود وتحت رقابة أمنية مشددة. ولاحقا في تموز/يوليو 2018، غادر عيسى قاسم البحرين متوجهاً إلى المملكة المتحدة لتلقي العلاج، وبقي خارج البلاد منذ ذلك الوقت.

رفع متظاهرون بحرينيون مناهضون للحكومة الأعلام الوطنية وحملوا صوراً للشيخ عيسى قاسم، خلال مظاهرة في مدينة سار، البحرين، يوم السبت 19 يوليو/تموز 2014. Hasan Jamali/AP

سياسة إسقاط الجنسية نقلت الصراع إلى مستوى أكثر حساسية، إذ لم تعد القضية مرتبطة فقط بالمطالب السياسية، بل باتت تمسّ وضع الأفراد القانوني وانتماءهم الوطني.

تفكيك البنية المعارضة

في عام 2016 أيضاً، حُلّت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية بقرار قضائي، ثم تبعتها جمعيات سياسية أخرى، وهذه الخطوات مثّلت تحولاً عميقاً في المشهد السياسي.

ومن دون إطار تنظيمي واسع، ومن دون قيادة علنية فاعلة بعد سجن علي سلمان وخروج عيسى قاسم من البلاد في 2018، تقلصت قدرة المعارضة على التعبئة، لم يعد الحراك يمتلك البنية التي سمحت له في 2011 بحشد عشرات الآلاف في ساحة واحدة، وبالتالي لم يكن "خفوت الثورة" نتيجة قرار واحد، بل نتيجة مسار طويل.

متظاهر بحريني ملثم مناهض للحكومة، يترقب تحركات الشرطة خلال اشتباكات في سترة، البحرين، الأحد 14 فبراير/شباط 2016. Hasan Jamali/AP

المعارضة في الخارج ومساحات التأثير

مع تضييق المجال السياسي في الداخل، وانتقال عدد من القيادات والنشطاء إلى الخارج، تحوّل جزء من النشاط المعارض إلى عواصم غربية وعربية، وبرزت لندن بوصفها مركزاً أساسياً للنشاط الحقوقي والإعلامي المرتبط بملف البحرين، بحكم وجود شخصيات معارضة هناك وطبيعة البيئة القانونية والإعلامية في المملكة المتحدة. كما شهدت برلين فعاليات وندوات ركزت على البعد الحقوقي، في سياق التواصل مع مؤسسات أوروبية. في واشنطن، سعت شخصيات معارضة إلى طرح الملف أمام مراكز أبحاث وأوساط سياسية، في محاولة لإبقاء القضية حاضرة في النقاش الدولي.

كما برزت فعاليات مرتبطة بذكرى "الثورة البحرينية" في الخارج بشكل أوضح، وكانت بيروت من بين العواصم التي استضافت أنشطة مرتبطة بالذكرى في أكثر من مناسبة. هذا الحضور في بيروت لم يكن منفصلاً عن البيئة السياسية اللبنانية، حيث عبّر حزب الله في أكثر من محطة عن دعمه لاحتجاجات البحرين. وكان أمينه العام الراحل حسن نصرالله قد أعلن في خطاباته دعمه لما وصفه بالمطالب المحقة للمعارضة البحرينية، منتقداً طريقة التعامل الأمني مع الاحتجاجات.

لوّح أنصار حزب الله بأعلام البحرين ومصر وتونس وليبيا واليمن ولبنان وحزب الله في تجمع حاشد ببيروت، لبنان، يوم السبت 19 مارس/آذار 2011، Bilal Hussein/AP2011

غير أن هذا البعد جعل الملف أكثر حساسية في العلاقات اللبنانية الخليجية، ففي العام 2022، منعت السلطات اللبنانية معارضين بحرينيين من تنظيم نشاطيْن في بيروت، معتبرة أنّ عقدهما من شأنه أن يسيء إلى السلطات البحرينية ودول الخليج.

هكذا خفتت "الثورة"

بين شباط/فبراير 2011 واليوم، مرّت البحرين بمسار طويل أعاد تشكيل حياتها السياسية. ما بدأ بمطالب إصلاحية وانتقل إلى اعتصام مفتوح في قلب العاصمة، انتهى إلى واقع أعيد فيه تنظيم المجال العام، وتبدّلت فيه موازين القوى، وانتقل فيه جزء من النشاط المعارض إلى الخارج. الحسم الأمني المدعوم خليجيا، والمسار القضائي، وإسقاط الجنسية، وحلّ الجمعيات، كلها محطات متتابعة ساهمت في تقليص المساحة التي انطلق منها الحراك في بداياته.

لم تختفِ الثورة فجأة، لكنها فقدت تدريجياً أدواتها التنظيمية ورمزيتها الميدانية، وتحوّل حضورها من فعل مباشر في الداخل إلى خطاب سياسي موزع بين عواصم مختلفة. ومع تغيّر البيئة الإقليمية وانحسار موجة الاحتجاجات العربية، تراجع موقعها في المشهد العام، من دون أن تُمحى من الذاكرة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا