في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أفادت صحيفة وول ستريت جورنال، في تقرير ميداني لكبير مراسليها الدوليين غوردون فيركلو، بأن ألمانيا دخلت مرحلة غير مسبوقة من الاستعداد العسكري، مدفوعة بتقديرات استخباراتية ترى أن روسيا قد تكون قادرة خلال سنوات قليلة على توسيع نطاق الحرب في أوروبا خارج أوكرانيا، وربما شن هجوم محدود في أي وقت.
وعرض التقرير صورة تفصيلية لدور الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للقوات المسلحة الألمانية وأعلى ضابط عسكري في البلاد، الذي يقود ما يشبه سباقا مع الزمن لإعادة بناء الجيش الألماني بعد عقود من التقليص والإهمال.
بالنسبة لبروير، لم يكن هذا مجرد تمرين نظري، فهو محارب مخضرم يبلغ من العمر (61 عاما) يقود حاليا سباقا محموما لتحويل القوات المسلحة الألمانية إلى جيش قادر على خوض حرب تقليدية واسعة النطاق.
ووفق التقرير، فقد شارك بروير في مهام عسكرية في كوسوفو وأفغانستان، ويشغل حاليا منصب المفتش العام للقوات المسلحة الألمانية، وهو أعلى منصب عسكري في البلاد.
ونقل فيركلو عن بروير تحذيره من أن ألمانيا لم تعد تملك ترف الوقت، وأن الاستعداد للحرب لم يعد خيارا نظريا بل ضرورة إستراتيجية.
وكتب مراسل الصحيفة الأمريكية أن بروير كان يقف في مركز قيادة ميداني مؤقت في مدينة كلايبيدا الليتوانية، قرب الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، حيث تنتشر قوات ألمانية في منطقة يُحتمل أن تكون على خط المواجهة الأول في حال أي هجوم روسي.
هناك، راجع القائد العسكري خطط تعزيز الإمدادات والوقود والذخيرة للوحدات المدرعة، مؤكدا أن "التدريب يجب أن يكون حيث وكيف سنقاتل".
وبحسب التقرير، تستند رؤية بروير إلى تقديرات جهاز الاستخبارات العسكرية الألمانية، التي تشير إلى أن روسيا، بعد إعادة بناء قدراتها منذ حرب أوكرانيا عام 2022، قد تمتلك خلال 3 سنوات ما يكفي من الجنود المدربين والعتاد لشن حرب أوسع في أوروبا. ويؤكد بروير، في تصريحات نقلها فيركلو، أن الردع يتطلب جاهزية فورية لا انتظارا.
تقديرات جهاز الاستخبارات العسكرية الألمانية تشير إلى أن روسيا قد تمتلك خلال 3 سنوات ما يكفي من الجنود المدربين والعتاد لشن حرب أوسع في أوروبا
وأشارت الصحيفة إلى أن بروير يخوض معركة متعددة الجبهات داخل بلاده: مع السياسيين لإقرار التمويل والتشريعات، ومع الصناعات الدفاعية لتسريع الإنتاج، ومع المجتمع لإقناعه بأن الاستعداد العسكري لا يتناقض مع القيم الديمقراطية.
وقد شهدت ميزانية الدفاع الألمانية ارتفاعا كبيرا، كما أقر البرلمان قانونا يُلزم الشبان بالخضوع لفحوصات طبية تمهيدا للخدمة العسكرية، في محاولة لزيادة التطوع، مع إبقاء خيار التجنيد الإجباري مطروحا إذا فشلت هذه الجهود.
وأوضح فيركلو أن بروير يتعمد استخدام مصطلح "الجاهزية للحرب"، وهو تعبير ثقيل الدلالة في ألمانيا، نظرا لتاريخها في القرن الـ20. فالكلمة -كما ورد في التقرير- لا تُستخدم مجازيا في اللغة الألمانية، بل تشير حصريا إلى القتال المسلح، مما يجعل استخدامها رسالة صادمة تهدف إلى كسر حالة الاطمئنان التي سادت بعد الحرب الباردة.
واستعرض التقرير الخلفية التاريخية لتراجع الجيش الألماني منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، حين تقلصت القوات من نحو نصف مليون جندي إلى أقل من النصف، وتدهورت جاهزية المعدات.
ونقل مراسل وول ستريت جورنال عن بروير قوله إن أجيالا من الضباط الألمان انشغلت بإدارة التقليص والكفاءة المالية بدل بناء فعالية قتالية حقيقية.
لكن المزاج العام بدأ يتغير. فبحسب استطلاعات رسمية أوردها التقرير، يرى نحو ثلثي الألمان اليوم أن روسيا تشكل تهديدا عسكريا، ويؤيد معظمهم زيادة الإنفاق الدفاعي.
أوروبا تعيش مرحلة "لا حرب ولا سلام"، تتخللها هجمات سيبرانية، وتوغلات بالطائرات المسيّرة، وأعمال تخريب للبنى التحتية تُنسب إلى روسيا
في المقابل، تراجعت الثقة في الولايات المتحدة كحليف موثوق، خاصة في ظل سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي انتقدت الحلفاء الأوروبيين وقلصت الدعم لأوكرانيا، مما عزز القناعة بضرورة استعداد أوروبا للدفاع عن نفسها.
وفي هذا السياق، يبرز التقرير خطوة تاريخية تتمثل في نشر لواء مدرع ألماني بشكل دائم في ليتوانيا، في أول تمركز طويل الأمد لقوات ألمانية قتالية خارج البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
ولفت فيركلو إلى أن هذه الخطوة تعكس إدراكا أوروبيا متزايدا بأن ألمانيا باتت حجر الزاوية في أي دفاع قاري.
ويرى بروير -وفق ما ينقله التقرير- أن أوروبا تعيش مرحلة "لا حرب ولا سلام"، تتخللها هجمات سيبرانية، وتوغلات بالطائرات المسيّرة، وأعمال تخريب للبنى التحتية، تُنسب إلى روسيا.
وتقول الصحيفة إن مناورات روسية بيلاروسية تضمنت سيناريوهات استخدام السلاح النووي، في رسالة ضغط واضحة على دول الناتو.
ولمواجهة هذا الواقع، يدفع بروير نحو إعادة هيكلة شاملة للجيش، بهدف تشكيل 3 فرق قتالية مكتملة بحلول عام 2032.
كما منح قادة الوحدات صلاحيات مالية مباشرة لشراء طائرات مسيّرة ومعدات تجارية، في محاولة لتسريع التكيّف مع طبيعة الحروب الحديثة، وهي خطوة وصفها مسؤولون سابقون في الناتو، بأنها تمثل تحولا كبيرا في ثقافة المؤسسة العسكرية الألمانية.
وخلصت وول ستريت جورنال إلى أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في تعبئة المجتمع، خصوصا الشباب، لخدمة مشروع إعادة التسلح.
ويقر بروير، بحسب ما أورده الكاتب، بأن إقناع جيل نشأ على قيم السلمية ليس بالأمر السهل، لكنه يرى أن القوة وحدها هي ما يحفظ السلام، وأن فشل سياسات الانخراط السابقة مع موسكو جعل الردع العسكري ضرورة لا بديل عنها.
المصدر:
الجزيرة